قبل عامين انشغل الرأي العام المصري بقانون الأحوال الشخصية وخاصة ما جاء فيه حول الخلع وتوزع انشغال الرأي العام ما بين تلخيص القانون لدى البعض في أنه أعطى حقوقا جديدة للمرأة تدفعها إلى الاستئساد على الرجل، وهو ما لاينص عليه الشرع، في حين رأى البعض الآخر أن مادة الخلع التي جاء بها القانون تنبع من أرضية دينية أصيلة وفي كل الأحوال افتقدت المكتبة العربية إلى بحوث أصيلة حول قضية الخلع، حتى تصدت الدكتورة عبلة الكحلاوي للقضية من خلال كتابها (الخلع دواء مالا دواء له، دراسة فقهية مقارنة). وتبدأ الدكتورة عبلة الكحلاوي دراستها بمبحث تمهيدي حول النشوز الموجب للخلع وتقول إن معنى النشوز كمصطلح هو، كراهة كل من الزوجين صاحبه وسوء عشرته. وتضيف المؤلفة: أن المعالجة الربانية لأي أعوجاج في الأسرة تنقسم إلى مرحلتين الأولى مرحلة على يد الزوج المسلم السوي رعاية لأسرار الزوجية، وحفاظا على حبائل المودة والرحمة. أما المرحلة الثانية ..التقويم الخارج عن نطاق الزوجين على يد الحكمين سواء من الأقارب أو الجار المجاور أو القضاة وذلك إن خيف الشقاق الذي لا اجتماع بعده. وعن المرحلة الأولى مرحلة التقويم على يد الزوج، تقول المؤلفة، إن النساء صنوف كثيرة، وقد ترفض المرأة الطاعة تمردا، وتكون الوسيلة الأولى في يد الزوج لمقاومة ذلك، في الوعظ فهو تذكير وتخويف من سوء عاقبة العصيان في الدنيا وفي الآخرة، فلو علمت الزوجة التي تسعى إلى مرضاة ربها، قدر الإثم الذي تعايشه إبان عصيانها وعدم طاعتها لزوجها، وخصوصا لو كان الزوج محبا لها، راغبا في صحبتها، ساعيا إلى مرضاتها، ولأهمية هذه الطاعة رتب عليها الإسلام جزاء يعدل جزاء التكليفات التعبدية حيث يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة إن نظر إليها سرته، وأن أمرها أطاعته، وأن غاب حفظته في نفسها وماله». وتتمثل الوسيلة الثانية في الهجر، فهو مقولة عملية سالبة بليغة تؤثر في نفس المرأة، وتشعرها بالمهانة والإذلال، وتصيب غرورها في مقتل، فقد بارت تجارة الدلال والجمال بسابقة هجره إياها، وتحطمت تمائم السحر والأنوثة التي لا تقهر على فراش الوحدة والعزوف عنها. أما الوسيلة الثالثة فهي الضرب وهو آخر مراحل التأديب المذكورة في القرآن الكريم بيد أنه لابد من معرفة بعض الأشياء قبل التصدي لهذا الأسلوب أولها، توعية المرأة، فالمعلوم أن معظم النساء تغلب عليهن العاطفة، ورقة الشعور، إلا أن هناك نوعية شاذة من النساء لا ترتدع إلا بهذا الأسلوب، وعلى الرغم من ذلك لا يتم اللجوء إلى الضرب إلا بتكرارها المعصية، وإصرارها عليها فيعلمها أولا، وإذا تكرر ثانية هجرها، وإذا تكرر ثالثة ضربها، وهذا ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة، أما الشافعية والإمام أحمد فعندهما ضربها سواء تكررت المعصية أم لا، وسواء سبق وعظ وهجر أم لم يسبق. تناقش المؤلفة بعد ما سبق، نشوز الزوج والمعالجة الإسلامية فالنشوز أو الاعراض من العوارض التي تصيب الزوج، وينكسر لها قلب المرأة المسالمة، وبالرغم مما عدده الفقهاء من أسباب حول نشوز الزوج، إلا أن هناك رؤية تتبناها المؤلفة من خلال معايشتها لبعض النساء تحققت بهن أوصاف خاصة، تقول المؤلفه: رأيت حكم الله يطبق بطريقة طبيعية وتلقائية دون الشعور بأدنى استفزاز لمشاعر المرأة أو امتهان لحقها عليه في العشرة بالمعروف، التي لا تتوجب إلا إبان الكبر ومن هذه الحالات: الزوجة العقيم والزوجة المقعدة والزوجة التي كفرت بالعشير وبينهما أولاد. تشير المؤلفة إلى المعالجة الإسلامية للشقاق بين الزوجين، وبين ذلك بمنهجين الأول: المعالجة النفسية، والثاني: المعالجة الفعلية بإشراك الحكمين، والمعالجة النفسية للشقاق تعني، حث الزوجين على ألا يستسلما لما يصيب القلب من آفات الكراهية والاعراض، وأن يجاهدا سويا في هذا النشوز. أما المعالجة الفعلية بإشراك الحكمين، فتأتي بعد أن تثبت المعالجة النفسية فشلها. تتناول المؤلفة قضية الخلع بعد استعراضها سابقا للوسائل التي يجب اتباعها للحفاظ على تماسك الأسرة، وعدم تعرضها للخلاف الذي ينتهي إما بالخلع أو بالطلاق، ومعنى الخلع عند الفقهاء إنه فصم عروة النكاح، ومفارقة الرجل زوجته بعوض منها أو من غيرها. وتقول المؤلفة، إن التشريع الإسلامي سجل قصب السبق في وضع المرأة المسلمة في المكان اللائق بها في المجتمع البشري، عندما منحها حق طلب الفرقة من الزوج في مقابل الطلاق الذي بيد الرجل أن كرهت منه خلقا أو خلقا، أو خافت ألا تقيم حدود الله إن عاشرته مكرهة، وقد بنى الإسلام هذا الحق من منطلق قاعدة من قواعد الشريعة السمحاء (لا ضرر ولا ضرار)، فشرع لها حق طلب الفرقة من الزوج مقابل قدر من المال، كان قد أنفقه في سبيل إتمام هذا الزواج. وإذا قرأنا الآية الكريمة التي أجازت حق الخلع للمرأة مقابل العوض وتمعنا بفطرة نقية في معناها : «فإن خفتم إلا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما أفتدت به» لوجدنا أن كلمة خفتم تتضمن أمورا لو أتت بها المرأة لوقعت في معصية عدم إقامتها حدود الله، ومنها: ـ أن تظهر سوء الخلق والعشرة لزوجها. ـ ألا تبر له قسما ولا تطيع له أمرا ـ أن تبتدئ له بلسانها قولا إنها له كارهة ـ أن يكره كل منهما الآخر. لذا كان الأولى لها قبل أن تأتي بمثل تلك الأفعال أن تطلب الفرقة خشية الوقوع في المعصية مقابل العوض للزوج الذي قد يتضرر. وإذا كان الخلع قد جاء كحل للزوجة طبقا للأسس المشار إليها سابقا، فإن أهل العلم اختلفوا في حكم الخلع .. هل هو طلاق أم فسخ ؟ وكانوا على ثلاثة آراء في ذلك .. الأول يري أن الخلع طلاق بائن، والثاني طلاق رجعي إلا أن يطلقها ثلاثا أو آخر ثلاث، أو تكون غير موطوءة، فإن راجعها في العدة جاز ذلك أحبت أم كرهت، ويرد ما أخذه منها إليها .. أما الرأي الثالث فيرى أن الخلع هو فسخ. ـ وعن عدة المختلعة، تقول المؤلفة إن الفقهاء اختلفوا في الخلع أهو فسخ أم طلاق؟ وبني على هذا الاختلاف اختلافهم في عدتها .. فمن قال منهم: إن الخلع طلاق، كانت عدة المختلعة عند ثلاثة قروء، ومن قال: إن الخلع فسخ، كانت عدة المختلعة عنده حيضه واحدة. أما فيما يتعلق بما إذا كان للزوج حق مراجعة الزوجة المختلعة في عدتها أم لا ؟ .. تقول المؤلفة:إن هناك من يري ألا رجعة في الخلع أثناء العدة سواء أكان الخلع فسخا أم طلاقا، وذهب إلى هذا الرأي أكثر أهل العلم. أما الفريق الآخر فيرى إمكان الرجعة في الخلع باعتباره طلاقا رجعيا إلا أن يطلقها ثلاث أواخر ثلاث، أو تكون غير موطوءة، وذهب إلى ذلك ابن حزم الظاهري، وأخيرا عن وقت الخلع تقول المؤلفة، إن الطلاق في الحيض منهي عنه، أما الخلع فيجوز في الطهر والحيض. وعن الوكالة تقول المؤلفة يصح التوكيل في الخلع من كل واحد من الزوجين ومن أحدهما منفردا، وكل من صح أن يتصرف بالخلع لنفسه جاز توكيله ووكالته ذكرا كان أم أنثى، مسلما كان أو كافرا، محجورا عليه أو رشيدا، لأن كل واحد منهما يجوز أن يوجب الخلع فصح أن يكون وكيلا وموكلا فيه كالحر الرشيد .. ويكون توكيل المرأة في ثلاثة أشياء هي: استدعاء الخلع أو الطلاق تقدير العوض .. تسلم العوض .. أما الرجل ففي شرط العوض، قبضة، إيقاع الطلاق أو الخلع. أما الأهلية، فهناك أحوال للزوج وللزوجة تحدد أهليتها في القيام بالخلع بنفسهما من عدمه، فالزوج يجب أن يكون بالغا عاقلا رشيدا في رأي الجمهور، أما الزوجة فيجب أن تكون جائزة التصرف في مالها.