الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. أكد الدكتور كمال بشر الأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة ونائب رئيس مجمع اللغة العربية أن العولمة لا تخيفنا ولا تستطيع أن تفرض علينا مالا نريده مشيرا إلى ضرورة توحيد الثقافة العربية والفكر العربي للوقوف على أرض صلبة في مواجهة العولمة وعدم الإنعزال عن الثقافات والحضارات الاخرى. وأشار إلى أن المجامع اللغوية تقوم بدورها إلا أن جهودها لا تصل إلى الناس بسبب ضعف إمكانياتها موضحا أن المجامع لا تصنع اللغة وإنما تحافظ عليها وتحاول تنميتها جزئيا لكن النهوض باللغة يتطلب تثقيفا لغويا عاما يبدأ من الأسرة والمدرسة ويمتد إلى الشارع والجماهير. وقال ان مؤسسات التعليم لم تعد تعطي اللغة العربية الإهتمام الكافي وأصبح مستوى المعلم ضعيفا مشيرا إلى أن الذين يتهمون العربية الفصحى بالتخلف هم المتخلفون لأنهم لا يعرفون أسرارها وغير قادرين على التعامل معها. وأوضح أن هؤلاء لو تعاملوا مع اللغة العربية وثقفوا أنفسهم وفعلوا قدراتهم اللغوية لما وقفوا في معسكر العداء للغة الضاد. رغم إزدهار الدعوة إلى القومية العربية في منتصف القرن الماضي إلا أن اللغة العربية شهدت تدهورا كبيرا لايزال مستمرا حتى الآن وذلك رغم وجود مجامع ومؤسسات ومتخصصين وباحثين ومن الممكن القول ان معاول هدم اللغة العربية الآن أصبحت أقوى وأشد مما كانت عليه أثناء العهد الاستعماري فما تفسيركم لذلك؟ ـ هذه قضية معقدة ولها أبعاد كثيرة، فالقوميون في معظم البلاد العربية انشغلوا بالسياسة عن التفكير في اللغة بالإضافة إلى أن اللغة العربية عانت منذ أوائل القرن العشرين صعوبات ومشكلات ترجع إلى شيوع اللهجات العامية وعدم العناية باللغة الفصحى مما أدى إلى استفحال اللهجات العامية وسيطرتها على السوق حتى أن البعض أصبح يكتب بالعامية. وبدأت السيطرة التدريجية للعامية على الشارع العربي والهيئات والمؤسسات العربية. أما بالنسبة للمجامع اللغوية فقد بذلت محاولات - خاصة مجمع دمشق والمجمع العلمي في العراق ومجمع اللغة العربية بالقاهرة - وقامت بأعمال جيدة لكنها لم تأخذ حظها من النشر لأنها لا تمتلك الإمكانيات والأموال لنشر أعمالها والوصول إلى الناس وعلينا أن ندرك أن المجامع اللغوية لا تضع اللغة وإنما تحافظ عليها وتحاول تنميتها جزئيا أما تنمية اللغة وتنقيتها فتأتي من الشارع ومن الجماهير لأن هؤلاء هم أصحاب اللغة وهذا يتطلب تثقيفا لغويا عاما يبدأ من المنزل فالأم لابد أن يكون لديها نوع من الثقافة اللغوية وأن تثقف أبناءها لغويا. ونحن لا نطلب منها أن تتحدث الفصحى وإنما يجب عليها أن تصحح لأبنائها نطق الكلمات وتوضح لهم كيفية إستعمالها وللأسف بعض الأمهات تفعل العكس وتعتز بالنطق الخاطئ لأبنائها وتكرر هذا النطق الخاطئ على مسامعهم مما يؤدي إلى ثباته في أذهانهم ويفاجأ هؤلاء عندما يصلون إلى المرحلة الجامعية بأنهم ينطقون الكلمات بطريقة خاطئة ويقعون في حرج أمام أساتذتهم وزملائهم. الأزهر ولماذا تراجع دور المؤسسات التعليمية في حماية اللغة العربية؟ ـ معاهد التعليم ومؤسساته لم تعد مهتمة الإهتمام الكافي باللغة العربية على الأقل في المناهج. والمعلم في النصف الأول من القرن العشرين كان أفضل من المعلم الآن لكن طرائق التعليم كانت مختلفة إلى حد ما ولم يكن التعليم منتشرا إنتشارا كافيا. وكان تعليم اللغة العربية في الأساس في الأزهر. والأساتذة الذين يعرفون العربية جيدا الآن لابد أن يكونوا قد درسوا في الأزهر في النصف الأول من القرن العشرين فقد كان الازهر معقل اللغة العربية وكان يعلمها لنا بطريقة فنية وكان الاستاذ يحضر قبلنا ويخرج بعدنا. وكان يعرفنا واحدا واحدا ويعرف أخطاء هذا وأخطاء ذاك وكنا نعتمد على الكتب القديمة وهي كتب لا يستطيع طالب الدكتوراه الآن أن يقرأ فيها في حين كنا نقرأها ونفهمها ونحن طلاب في المراحل الإبتدائية والثانوية بالأزهر ذلك لأننا تعودنا منذ البداية على التعامل مع اللغة العربية الفصيحة وكان أهم ما جعلنا نتعلم الفصحى القراءة الجهرية أو ما يسمى بالمطالعة لهذا لابد أن يكون للمطالعة النصيب الأوفى في التعليم قبل النحو والتعبير لأن القراءة الجهرية أمام المعلم فيها كل اللغة العربية والمعلم الواثق من نفسه يستطيع أن يصحح الأخطاء بدءا من الأصوات وإنتهاء بالإملاء. متخلفون هناك من يزعم أن اللغة الفصحى متخلفة جامدة ولم تعد تستطيع التعبير عن حاجات الناس في ظل التطورات المتلاحقة فبماذا تردون على هؤلاء؟ ـ الذين يتهمون العربية الفصحى بالتخلف هم المتخلفون لأنهم لا يعرفون أسرارها وهم أعداء لما جهلوا وهؤلاء إذا تعاملوا بالفصحى وخبروها فإنهم يستطيعون بسهولة التجاوب معها.لأن اللغة تكتسب وإذا تعامل الإنسان معها اعتادها وخبرها واستطاع السير على منوالها إما إذا كان بعيدا عن الفصحى فإنه يجد صعوبة لأنه لم يثقف نفسه لغويا فالقضية قضية ثقافة عامة في الإطار اللغوي وهذه هي القضية التي تشغلنا الآن قضية اكتساب اللغة من خلال الاستماع إليها وتكرارها ما نستمع إليه فنحن لم نولد باللغة وإنما ولدنا بالمقدرة اللغوية وعلينا أن نبرمج وأن نفعل هذه المقدرة من خلال الاستماع إلى الكلام العربي وإسماع الناس كلاما عربيا وقديما قيل أن العربي يتكلم اللغة الفصحى بالسليقة وهذا خطأ لأن الإنسان يتحدث لغة المجتمع الذي يعيش فيه فإذا كان المجتمع يتحدث الفصحى فسوف يتحدث الفرد الفصحى وأصبحت عادة عنده لا يستطيع الاستغناء عنها. الكائن الحي يقال أن اللغة كائن حي تحتاج لمن يتصدى لحل مشكلاتها وتنميتها بما يتفق مع روح العصر فما مدى صحة ذلك؟ ـ أولا أود تصحيح خطأ يقع فيه المتخصصون قبل العوام فيقولون ان اللغة كائن حي اللغة ليست كائنا حيا لأن الكائن الحي يعيش بنفسه ويمارس عمله وحده. أما اللغة فليست كذلك، لكن اللغة تشبه الكائن الحي أي أنها قابلة للتغير والتطور فالتغيير وارد وينطبق على كل اللغات لكن العلماء يجب أن يكونوا حريصين على معرفة هذا التغيير والتطور وهنا يأتي دور المؤسسات العلمية وفي مقدمتها الجامعات ومعاهد التعليم. العولمة وهل سيكون للعولمة تأثير على هويتنا ولغتنا العربية؟ ـ العولمة قد يكون لها تأثير مفاجئ وغير منظور سياسيا واقتصاديا أما من الناحية الثقافية واللغة فنحن جنود نقف للعولمة بالمرصاد لكن يجب أن تكون لنا ثقافة قوية موحدة وعميقة مبنية على لغة واحدة تجمع العرب وتوحدهم وإذا اتحدنا في اللغة اتحدنا في الفكر والثقافة واستطعنا أن نقف صفا واحدا أمام العولمة وبالتالي لن تفرض علينا ولن نخضع لها إذا كنا موحدين ثقافيا ولغويا. لكن لماذا التخوف من العولمة رغم قدرتنا على التعامل والتعايش معها؟ ـ نحن نتخوف من العولمة كأفراد لكننا إذا كنا جماعات وكنا أمة واحدة ذات ثقافة واحدة وهوية واحدة ولنا شخصية عربية واحدة نستطيع تجميع العرب والوقوف صفا واحدا على أرض صلبة لمواجهة العولمة، فالعولمة لن تكون مخيفة إذا أخذنا بمنهج توحيد الفكر والثقافة وهذا ليس معناه الإنعزال عن الحضارات والثقافات الأخرى وإنما علينا أن نأخذ منها بشرط ألا نهدم البيت وألا نهدم الشخصية العربية المبنية على اللغة العربية. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد