في عام 1906 صدرت في أمريكا رواية «الغابة» أو «الدغل أو الاحراش». ولم تكن هذه الغابة سوى الاحياء الفقيرة في مدينة شيكاغو في قلب الولايات المتحدة الأمريكية. بالتحديد كانت الغابة هي منطقة «باكنج تاون» الحي الحافل بالمسالخ ومجازر الحيوانات ودور تقطيع وتجهيز وتعبئة لحومها لزوم الاستهلاك.. وكما ان الغابة تحفل بالجداول والأنهار.. فان غابة شيكاغو التي تصورها الرواية تحفل بأنهار من دماء هذه الحيوانات ولا يكاد المرء يطيق الروائح الزاعقة المنبعثة من أطنابها.. روائح الدم المتجمد والدم القاني المسفوح بعد الذبح ... وجلود الحيوان المسلوخة فضلا عن جحافل الذباب وقطع الاشلاء والعظام المتروكة في الأركان.. يقابل هذه التعاسة صور الحياة المناقضة في الجانب الآخر من شيكاغو ـ فاتح القرن العشرين فيللات أقرب الى القصور تحفل بالصالونات الفخمة المذهبة ويعيش أصحابها حياة الدعة والوفرة والنعمة والصحة والخير الوفير. أحداث رواية «الغابة» تستغرق نحوا من خمسة أعوام تبدأ مع بداية القرن العشرين وتنتهي بانتخابات عام 1904 التي استهلت ولاية الرئيس تيودور روزفلت بنزعاته المحافظه ومواقفه المنحازة الى علية القوم ولو على حساب الفقراء والمهاجرين. ولان نبرة الادانة زاعقة بين السطور، ولان هذا العمل الروائي يحرص على تصوير مدى التناقض الرهيب بين حي الفقراء وحي الموسرين في شيكاغو.. وهو يصوره بأسلوب مغرق في المبالغة والميلو دراما ـ فقد اصطلح النقاد على ان يطلقوا على «الغابة» وصف «رواية البروباجاندا» أو الرواية الدعائية. المبدع ابتون سنكلير (18781968) كان في يفاعة الشباب.. فقوة الفكر والانتماء السياسي (28 سنة) حين أصدر رواية «الغابة». مولود في ولاية ميريلاند قرب العاصمة واشنطن وقد درس في جامعتي نيويورك وكولومبيا وأتاحت له حياته الطويلة ان ينتج بغزارة حتى لتبلغ أعماله نحو 90 عملا فكريا وادبيا في مجالات الأدب والصحافة والتربية والتعليم. وفي عام 1932 كان مرشحا لنيل جائزة نوبل في الآداب ورغم انه لم يحصل عليها إلا انه حاز شهرة واسعة في بلاده وخارجها، لا سيما بين الدوائر المهتمة بالفكر الاشتراكي ـ فكر العدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق العمال ضد استغلال الرأسمالية وقد كانت هذه الأفكار من أروج ما يكون طيلة النصف الأول ـ كما هو معروف ـ من القرن الماضي. وكان سنكلير معروفا بأنه الكاتب الذي يؤمن بما يكتبه وانه يستخدم أعماله الروائية وسيلة للترويج لأفكاره.. ولعل هذا الجانب الايجابي في هذا الاديب الأمريكي هو الذي جعل النقاد يغضون النظر الى حد كبير عن نبرة الدعاية واسلوب الميلودراما (الاغراق في المآسي التي تحدث لشخص العمل الفني) على نحو ما يسود أعمال سنلكير خاصة وان هذه المآخذ يعوض عنها اخلاص المؤلف لأفكاره وقدرته على دراسة موضوعه وتقصي تفاصيله وتعرض الجدية الشديدة والاجتهاد العميق في موافاة قارئه بأدق الجوانب عن القضية أو الخلفيات التي تتحرك أمامها الشخوص وتدور عجلة الأحداث. أصل الحكاية من السطور الأولى للرواية نلتقي ببطلها.. جورغيس رودكوس وزوجته أونا شابان جاءا مهاجرين الى أمريكا أرض الآمال موئل الاصلاح. وفارقا موطنهما في لتوانيا (دويلة البلطيق) بحثا عن حياة أفضل بهجة كانت اللحظات الملونة بالفرح حين يطالعنا الفصل الاول بمشاهد زفافهما رغم كآبة حي المسالخ والمجازر ـ باكنج تاون الذي يعيشان بين ظهرانيه.. لكن ها هي بوادر القلق تساور الاسرة الجديدة ازاء ما يرصدانه من تغير نفوس الناس.. الى هذا الحد ينسى المهاجرون التقاليد التي تعلموها في الوطن الأم.. فلا يمدون يد العون إلا على شكل هدايا أو مشاركة نقدية للعروسين؟ المهم ان جورغيس يحسم الامر قائلا: «سوف أعمل وأكدح بمزيد من الجد». بعدها تنداح سطور الرواية لكي نصحب شخوصها عبر جولة في حي المواشي والمسالخ ومعامل تعبئة اللحوم.. ها هو المهاجر من لتوانيا وقد تملكه الاعجاب أمام استخدام الماكينات المدارة بالكهرباء من أجل تقطيع أوصال الحيوان وتجهيز لحومها.. وها هو يجد فرصة العمل بسهولة لانه شاب مازال ينعم برواء الصحة والعافية.. مع ذلك.. وكلما أصبح البطل بل أصبح القارئ ملما بمعالم المكان.. تبدأ المعرفة تتعمق.. فاذا بنا نكتشف ان مؤسسة الاستغلال تعمد الى تشغيل نحو مليوني طفل صغير في مصانع تعبئة اللحوم وسط ظروف تعيسة من ناحية، الاجهاد والصحة وسوء التغذية وان ثمة قانونا مستترا خبيثا غير مكتوب يقول ألا مكان في هذه الغابة (البشرية) للضعفاء أو المرضى، بل ان البطء في الأداء هو جواز المرور الى الفصل وقطع الرزق والطرد الى عرض الشارع. أين إذن الحلم الامريكي الشهير الذي جاء من أجله جورغيس من وطنه البعيد المطل على بحر البلطيق. لقد زادت أقساط الرهنية التي يسددها كل شهر من أجل سكن تعيش فيه أسرته الجديدة.. وبدأ ينوء بأعباء الأطفال الذين أنجبتهم الزوجة الشابة. وبدأ يسمع شائعات عن ان النساء العاملات في مصانع اللحوم ـ ومنهن زوجته يتعرضن لمضايقات وتحرشات تصل أحيانا الى جريمة الاغتصاب.. واذ يتعرض البطل لاصابة عمل في المصنع تلوح أمامه شبه الاستغناء والبطالة.. وهكذا يسود التوتر والتوجس والتشكك علاقته بزوجته بل انه يشك في ان رئيسها الايرلندي الاصل كونور هو الذي ينافسه عليها. يدخل إذن في عراك مع الايرلندي ويقضي الامر الى ان يساق البطل الى الاحتجاز 30 يوما بغير مورد يقيم أود أسرته المحرومة هنالك يتحول أطفاله الى كسب رزقهم الضيق حيث يبيعون الصحف في الطرقات ولا يتورعون عن النبش في مخلفات المدينة بحثا عن شيء يتبلغون به ليبعدوا شبح الجوع وتمضي فصول الرواية لتحمل بطلها التاعس بعيدا عن أسرته التي هجرها بعد ان فشل في اعالتها.. تحمله قدماه الى الارياف الجميلة الساجية على مشارف شيكاغو وحين يحتاج للعمل يشتغل في حفر انفاق وحين تلحقه اصابة أخرى في ذراعه يطردونه بغير رحمة فيتحول الى مجرد متسول على أبواب الحانات.. وحين يصادف شابا سكيرا يدعوه الشاب الى بيت اسرته الناعمة بالثراء.. يرى كيف يعيش آخرون في شيكاغو وقد شكلوا فيما بينهم «جيش الاستغلال» أو «تحالف التكسب والتربح» من عرق الكادحين. تقوده هذه العلاقة الجديدة الى عالم السياسة في المدينة.. لا يتورع ـ لفرط الفقر وتعاسة الضياع عن المشاركة ولو من موقع الدونية في تزييف الانتخابات.. تزداد تعاسته حين تترامى اليه أخبار أسرته ومن افرادها من اصبح في براثن الجريمة والانحراف في شوارع المدينة ومنتدياتها يسمع عن كلمة ثمينة هي «الحرية» ويعرف ان معناها الحقيقي ليس مجرد الانطلاق في الاحاديث بل انها التحرر من الفقر والحاجة والعوز واستغلال الانسان للانسان. هكذا يتحول بطل الرواية الى المذهب الاشتراكي، مذهب البحث عن العدالة والانصاف واحترام قيمة العمل البشري وضمان الحد المعقول للفرد العامل من التعليم والصحة والتغذية والترويج وامن الشيخوخة بما يليق بالانسان من حيث كونه انسانا. تنتهي سطور الرواية في فصلها الاخير الفصل (31) باجتماع انتخابي تتردد فيه كل الشعارات السابقة ويلقي فيه واحد من القيادات خطبة أكثر من حماسية يعمد الى انهائها بعبارة تصك أسماع بطلها جورغيس المهاجر من لتوانيا وكأنها طائف من حلم أو خيال فالعبارة تقول «شيكاغو سوف تصبح ملكا لنا». الافكار و الرموز و الدلالات افكار الرواية واضحة.. مباشرة. بل زاعقة وان كانت موائمة لطروحات المذاهب السياسية في مستهل القرن العشرين.. حين تمعن في هجاء الرأسمالية الصناعية، وتعداد مثالبها فهي تعمد الى تصوير الاموال البائسة التي تعيش فيها الطبقات العاملة بكل نسائها واطفالها. وهو تقليد في فن السرد والتصوير الروائي ربما يرجع الى أعمال ديكنز في انجلترا خلال اربعينيات القرن التاسع عشر واعمال زولا في فرنسا في الربع الاخير من القرن المذكور. والمؤلف الامريكي سنكلير منحاز بشدة ضد الرأسمالية التي ترتبط في سطوره بحوادث ومشاهد الاجر القليل وحالات الفصل والمرض والحوادث وطرد الضعفاء وفساد الرؤساء وجشع المشرفين في حين ان الاشتراكية في رأيه هي الامل. ولان المؤلف ينتمي الى مدرسة الطبعيين في الفكر والفن فقد كان راشده هي فكرة دارون الشهيرة التي تدور حول صراع البقاء بين الكائنات ـ حيث البقاء للأصلح (أو الأقوى) وفي المقابل حيث الفناء للضعيف والمريض.. وتلك بداهة هي تقاليد الغابة وناموس الحياة والعلاقات بين الوحوش التي تعيش فيها ومن ثم جاء اسم «الغابة» علما على الرواية واحداثها وقوانين العلاقات التي تهيمن عليها.. حيث لا فرق من حيث الاستغلال والاستضعاف بين البشر والوحوش الضارية. لكن في مقابل الواقع المحض في القسوة والتعاسة والانانية.. هناك الماضي الذي لا تلبث الرواية تعود اليه (فلاش باك) ماضي الوطن الاصلي الذي جاء منه المهاجرون. كان وطنا فقيرا ولكنه كان يسوده روح الثقة والتعاون والتراحم والمودة.. أين هذا من الوطن الجديد المتبنّى حيث الجشع والفردية وتفسخ الاسرة وجفاف الروح وتقطع الصلات بين البشر. في ذاكرة الانسانية في لغتها المباشرة.. وفي سردها الذي لا يتورع عن ايراد التفاصيل الموضوعية مشفوعة بالاحصاءات والارقام (هنا ريادة الرواية التسجيلية البحثية كما قد تسميها)، ورغم التسطيح ـ الميلودراما او النبرة الخطابية التي تشوب السرد أو رسم الشخصيات في بعض الاحيان ـ فقد جاءت رواية «الغابة» قطعة من الادب السياسي المفعم بروح الاخلاص.. وهي تحتل مكانتها في معجم الادب الامريكي بفضل ما حركته من مشاعر وما كشفت عنه من مواقف وأوضاع أدت الى تغيير في قوانين العمل والعمال في الولايات المتحدة لصالح المزيد من الحقوق والمزيد من العدل في مواجهة التربح والجشع والاستغلال. وغداً نواصل