فور الانتقال لتناول القبة باعتبارها المكون الخامس من المكونات العشرة للمسجد التي اخترنا دراستها، تقفز الى الذهن الرواية المنقولة عن الرسول عليه افضل الصلاة والسلام حين سأله اعرابي: «ما هي الحياة وما هو الامل يا رسول الله؟» فما كان من الرسول الا ان رسم بعصاه دائرة على الارض قائلا: «هذه هي الحياة» ثم رسم خطا مستقيما من داخل الدائرة قاطعا محيطها الى خارجها وأردف قائلا: «وهذا هو الامل». هكذا فإن القبة التي تشكل في المسجد كونا صغيرا مغلقا على ذاته، توازنها المآذن التي تمتد نحو الافق في ايماءة رمزية لربط هذا الكون الصغير بالسماء. من الجلي ان القبة من الاشكال الدخيلة على المسجد، فالمسجد الاعلى لجميع المساجد، وهو مسجد الرسول عليه افضل الصلاة والسلام في المدينة لم يكن يتجاوز ساحة مسورة سقفت أجزاء منها بسعف النخيل المحمول على جذوع النخل. وقد قصد به ان يكون بيتا للصلاة يضمن اتجاه المصلين الى مكة المكرمة وانتظام صفوفهم. وعلى النحو نفسه جاءت مساجد الخلفاء الراشدين وولاتهم وكذلك الامويين سواء في المشرق العربي او في شمال افريقيا. لكن قبل ان نمضي قدما مع تاريخ القبة دعنا نتفهم طبيعتها أولا بحد ادنى من الدقة. يقال، في لغتنا الجميلة، قب الجلد والتمر (بتشديد الباء وفتحها) اذا يبس وذهب ماؤه، وقب الشيء قوسه، وقب الحرف ضمه. والقب بفتح القاف وتشديد الباء وضمها) ثقب في وسط البكرة يدور عليه المحور. والأقب (بفتح القاف وتشديد الباء وضمها الضامر البطن، وقبب البناء (بتشديد الباء وفتحها) اقام عليه قبة. والقبة (بضم القاف) جمعها قباب وقبب بناء مستدير مجوف يعقد بالأجر وما يشبهه وخيمة صغيرة اعلاها مستدير، والمقبب (بضم الميم وفتح القاف) ما كان كالقبة. غير انه من الناحية الفنية فإن القبة بناء محدودب يتخذ الشكل الكروي او المخروطي او اي شكل هندسي آخر من الاشكال المعهودة في العقود، فقد تكون مدببة او بصلية او مخمسة او ذات قطع مكافيء. وهي تقام مباشرة فوق مسطح او ترتفع على رقبة مضلعة او دائرية او على حنايا ركنية او مثلثات كروية او مقرنصات لتسهيل الانتقال من المربع الى المثمن ثم الى الدائرة. وليس في نيتي الدخول بالقاريء في اي تفاصيل فنية متعلقة بالانتقال المعماري من التربيع الى التدوير سواء من خلال المثلثات الكروية المعروفة بالخناصر المتدلية او الحنايا الركنية المعروفة بالخناصر المعقودة ما لم تكن لذلك علاقة وثيقة بايضاحات لا غنى عنها لعناصر جماليات المكان. البداية المبكرة الرحلة مع تاريخ القباب لا يمكن الا ان تكون ممتدة بلا حدود، فالقبة تعد من اقدم اشكال البناء التي عرفها الانسان، وهي ترتبط تقليديا بمعظم المعابد والمنشآت الدينية على اختلاف انواعها وفي شتى بقاع الارض وليس معروفا على وجه الدقة متى ولا كيف دخلت القبة في ابنية المعابد الدينية، ومن المعتقد انها قد شيدت في اول الامر فوق الهياكل الوثنية، ومنها انتقلت الى المعابد اليهودية والكنائس ومن ثم المساجد. من الثابت ان العرب في جاهليتهم قد عرفوا القباب، ويحدثنا المستشرق فلهاوزن في كتابه «بقايا الوثنية العربية عن ان اشراف قريش كان من حقهم بحكم شرفهم وعلو مكانتهم في قومهم، الحفاظ على البيت والحجر المؤله. وهم يحرسونه ليس في المنزل او الخيمة، بل في قبة خاصة، هي قبة القبيلة، وكانت هذه القبة تضرب الى جانب خيمة كبير القوم، اي الشيخ الذي يتزعم القبيلة. كذلك عرف العرب القبة في ايام الرسول عليه افضل الصلاة والسلام. ويحدثنا السمهودي في الجزء الاول من كتاب «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» نقلا عن ابي داود عن انس بن مالك رضي الله عنه: «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة مشرفة، فقال: ما هذه؟ قال له اصحابه: هذه لفلان ـ رجل من الانصار ـ قال فسكت وحملها في نفسه، حتى اذا جاء صاحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فأعرض عنه، صنع ذلك مرارا، حتى عرف الرجل الغضب فيه والاعراض عنه، فشكا ذلك الى اصحابه، فقال: والله لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: خرج فرأى قبتك، قال فرجع الرجل الى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلم يرها، قال: ما فعلت القبة؟ قالوا: شكا الينا صاحبها اعراضك عنه، فأخبرناه فهدمها، فقال: اما ان كل بناء وبال على صاحبه الا مالا، الا مالا، اي الا ما لابد منه». هكذا يبين ان الرسول صلى الله عليه وسلم انكر بناء القباب في المنازل والدور العادية حتى لا تكون مصدرا لغرور اصحابها وتعاليهم على اخوانهم من عامة المسملين، لا سيما الفقراء منهم. اما القبة التي اتخذت فيما بعد على المساجد فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرها بوضعها ذاك وبالتالي لم يأخذ منها موقفا بعينه، سواء بالموافقة او المعارضة، فمن البديهي انه لم يكن هناك ما يدعوه الى اتخاذ موقف من شيء لم يتصل علمه به. ربما لهذا، بالضبط، فإن علماء الدين لزموا السكوت، فلم يؤيدوا او ينكروا عندما ظهرت القبة في المساجد. ومن المعتقد ان اول قبة بنيت في الاسلام هي قبة مسجد الصخرة المشرفة في القدس التي شيدها عبدالملك بن مروان في عام 72 هجرية (691 ـ 692 ميلادية) وعلى الرغم من ان مستشرقين من امثال اوليج جرابار لا يترددون في القول ان مزيجا دينيا وسياسيا معقدا يقف وراء بناء هذه القبة، ولا يتردد في الاشارة الى ان عبدالملك بن مروان اراد ببنائها صرف الناس اليها وابعادهم عن الحج حيث كان عبدالله بن الزبير ينتهز فرصة توافد المسلمين على مكة لأداء فريضة الحج فيأخذهم بمبايعته، فإن حقيقة الامر ابعد من ذلك، فمن المحقق ان عبدالملك بن مروان انما أرادها نسجا على منوال السلف الصالح الذين كان اولهم عمر بن الخطاب الذي حرص على حماية القبة من الشمس ببناء ظلة من الخشب عليها، ثم انه اراد ان يضاهي المباني القائمة في الشام ضخامة واقتدار وحرص على ايضاح قدرات دولة الامويين الفتية حيث رصد لبناء مسجد القبة صراح مصر لمدة سبع سنين. من الناحية الفنية، وكما سبق لنا ان اشرنا فإن هذا المسجد يوضح تمكن البناة والمعماريين المسلمين من توطين الرياضيات في البناء. حيث يلاحظ المستشرق كريز ويل ان قطر قبة الصخرة من الداخل يبلغ عشرين مترا وثمانية وأربعين سنتيمترا وارتفاعها يصل الى واحد وعشرين متر وخمسة سنتيمترات. ومن القباب العظيمة في الاسلام قبة النسر بالجامع الاموي بدمشق، التي يرجع تاريخها الى ايام الوليد بن عبدالملك سادس الخلفاء الامويين حيث باشر في بناء الجامع بنفسه سنة 87 هجرية. ومن الطرائف التي تروى ان البعض زعم ان من يهدم الكنيسة التي كانت في الموقع الذي سيشيد عليه الجامع سيجن، فأخذ الوليد المعول وقال: انا أحب ان اجن في سبيل الله وضرب به فتبعه الناس. من الطرائف التي تروى عن بناء قبة هذا الجامع نفسه ان الوليد حرص على رفع القبة وأرادها عالية شامخة، لكن البنائين ما كادوا يفرغون منها حتى سقطت، فشق ذلك على الوليد، ثم مثل بين يديه بناء من اهل دمشق وعرض عليه ان يبنيها من جديد واشترط ان يعطي عهد الله ان لا يشترك معه احد في بنائها غيره، فأجيب الى ذلك، فقام بحفر الارض حتى بلغ الماء، ثم ألقى الاساس وغطاّ بالحصر، وبادر بالاختفاء عاما كاملا، ثم ظهر بعد ذلك، فلما احضر بين يدي الخليفة قال له هذا الاخير: ما دعاك الى ما صنعت؟ قال البناء: تخرج معي حتى اريك. فخرج الوليد والبناء والناس معهما، حتى كشف الحصر، فوجد البنيان قد انحط ونزل قليلا عما كان عليه من قبل، فقال الرجل: من هنا كان سقوط القبة، فابنوا الآن، فإنها لا تهوى ان شاء الله. وبالفعل استقرت القبة بعد ذلك ولم تسقط. كما سبق لنا الايضاح، في غير هذا الموضع، تعددت القباب العظيمة التي شيدها المسلمون من مسجد قرطبة حتى تاج محل، ولو اننا شئنا تفصيل القول فيها جميعا لشق ذلك علينا وضاق المقام، فدعنا نبادر ـ على سبيل الايضاح وضرب المثال الذي يغني عن غيره ـ الى القاء نظرة على تطور القباب في مصر، حيث عرفت عمارتها بالتنوع وببروز تأثيرات عديدة من مناطق مختلفة على امتداد رقعة دار الاسلام. أعظم قباب مصر سبق لنا ان لاحظنا انه يصعب في احيان كثيرة فض الاشتباك بين التطور السياسي لبلد ما وبين تطور عمارته، وذلك لأسباب عديدة منها ان العمارة في احيان كثيرة تكون التجلي المادي الاكثر وضوحا للسلطة خاصة عندما تجبرها ظروف موضوعية على التركيز على ما يعرف بعمارة القوة، وفي مقدمة ملامحها القلاع والحصون. كما رأينا حالا، فإن ارهاصات القبة في العمارة الاسلامية تمثلت في الطراز الاموي، حيث كانت في باديء الامر عبارة عن قباب نصف دائرية شيدت من الحجر احيانا ومن الآجر احيانا اخرى، ثم غدت قبابا حجرية او خشبية، استخدم فيها القطاع الطولي للمخروط لتحويل المربع الى دائرة تقوم عليها القبة، وابرز نماذجها ـ بالطبع ـ قبة الصخرة المشرفة. ويحدثنا التاريخ، فيما يتعلق بالطراز العباسي في العراق، بأن اقدم قباب هذا الطراز هي القباب الاربع التي علت مداخل ابواب السور الداخلي لمدينة بغداد التي شيدها الخليفة المنصور سنة 145 ـ 147 هجرية / 762 ـ 765 ميلادية. وقيل ان كلا منها كانت عبارة عن قبة عظيمة يعلوها تمثال تحركه الرياح. وقد جرى الانتقال فيها من المربع الى الدائرة بواسطة اربع حنايا مخروطية الشكل ذات اصل ساساني. لم تكن تلك إلا البداية بالنسبة للطراز العباسي، حيث سنجد اشكالا اخرى عديدة للقبة، منها قصر الأحنضير المقام سنة 161 هجرية/ 778 ميلادية، وهي قبة ذات قنوات مشعة من مركزها العلوي. ويلاحظ ان الانتقال فيها من التربيع الى التدوير تم بواسطة بلاطات افقية وضعت في اركان المربع من اعلاه. تبرز بعد ذلك قبة الصليبية في سامراء، وتعد اقدم خريج في العمارة الاسلامية، وتقوم قبته على حجرة مربعة تم الانتقال فيها من التربيع الى التدوير بواسطة حنايا او تجويفات وضعت في اركان الحجرة. لكن ماذا عن القباب في مصر؟ دعنا نتجنب القباب المبكرة التي يعد الحديث عنها اقرب الى الاستنتاج والتخمين ونتناول القباب في العصور التالية: ـ اولا: قباب العصر الفاطمي اتسمت القباب في هذا العصر بالصغر والبساطة من الداخل والخارج، على نحو ما كانت عليه الحال في قبتي ايوان القبلة بالجامع الازهر وقبتي الايوان نفسه بجامع الحاكم، حيث نجد انفسنا امام قباب تركز على اربع حنايا، لا يزال بعض بقاياها قائمة في القبة الشرقية لرواق القبلة بجامع الحاكم. يتمثل النموذج الذي يلي ذلك في قباب السبع بنات بالفسطاط التي تعود الى عام 400 هجرية/ 1010 ميلادية وهي قباب متشابهة تتكون كل منها من ثلاث طبقات اولاها عبارة عن مربع سفلي في كل ضلع من اضلاعه عقد مفتوح، وثانيها عبارة عن منطقة انتقال تحول المربع فيها الى مثمن عن طريق اربع حنايا ركنية بين كل اثنتين منها فتحة معقودة بعقد مدبب، وثالثتها عبارة عن رقبة مثمنة في كل ضلع من اضلاعها نافذة معقودة بعقد مدبب اضيق بكثير من عقد النافذة الموجودة اسفلها، وفوق هذه الرقبة المثمنة كانت تقوم قبة دائرية لم يعد لها وجود. النموذج التالي من القباب في مسجد اثير عندي قريب الى نفسي، لا لما فيه من اصالة وعراقة ولما يتسم به من تقشف اقرب الى الخشونة فحسب، وانما لانه لا حصر للمرات التي توقفت عنده طويلا، خلال الخدمة في المؤسسة العسكرية، وكلما شددت وزملائي الرحال اليه كنا نحرص على ان نرتدي افضل ما لدينا من ملابس، او ما كان أحد الزملاء يدعوه ساخرا «بدلة المحاكمات»! اقول ان هذا المسجد هو في مصر مسجد الاوائل بامتياز، فهو اول مسجد في مصر يتخذ ضريحا، ومئذنته هي اول مئذنة في مصر تستخدم فيها طاقات المقرنصات، وهو اول مسجد في مصر جمع بين كونه مشهدا ومسجدا ومعقلا حصينا في آن. انه مسجد صغير، يشغل بيت الصلاة اكثر من نصف مساحته وصحنه اقرب الى المربع منه الى المستطيل وهو بلا اروقة، وشيدت قاعة مستطيلة على كل من جانبيه، تعلو كلا منها قبة شبه اسطوانية. ويلاحظ ان اركان القبة الفاطمية ما لبثت ان تطورت نحو المقرنصات متعددة الحطات بدلا من المثلثات الكروية، بدأت بحطة واحدة كما في جامع الحاكم ثم بحطتين كما في قبة الشيخ يونس وقبتي عاتكة والجعفري. ـ ثانيا: العصر الايوبي. اتسمت القباب في هذا العصر بالميل الى كبر الحجم ووصول حطات المقرنصات الى ثلاث حطات في الاركان. وربما كانت قبة مسجد الامام الشافعي الخشبية الفريدة المكسوة بالرصاص هي من ابرز قباب هذا العصر، حيث يرجع تاريخها الى عهد الملك العادل الذي شيدها سنة 608 هجرية / 1211 ميلادية. ويبدو واضحا من خلالها مدى وصول القبة في هذا العصر الى درجة عالية من التطور وبخاصة في زخارفها الداخلية البديعة وشرافاتها الخارجية المسننة المعروفة بالعرائس. تقوم هذه القبة على قاعدة مربعة فوقها منطقة انتقال تتكون من ثلاث حطات من المقرنصات، وبقمتها قارب برونزى عرف بالعشارى رمزا لسعة علم الشافعي الذي وصف ببحر العلوم. ومن المعروف ان منحنيات القبة ومقاييسها من الداخل تخضع للنسب الجمالية الموائمة للفضاء او الفراغ الداخلي. وربما كان المعماري قد رأى ان حجم القبة وارتفاعها على هذا الشكل قد لا يتفق مع النسب والمقاييس بالنسبة للعمارة من الخارج، ومن ثم لجأ الى اعطاء كل من الداخل والخارج حقه بتشييد القبة مزدوجة، فنرى في بطن القبة اشرطة من الجص المشغول والمنقوش وكتابات ملونة محفورة على الخشب ذات جمال اخاذ، فضلا عن الزخارف المتدلية المذهبة الرائعة. ـ ثالثا: العصر المملوكي، في هذا العصر سنجد انفسنا امام قباب تحولت الى عرائس بالمعنى الحرفي للكلمة حقا، فنالت من التنوع والابتكار والابداع ما لم تعرفه غيرها من القباب، حيث اتخذت قمتها في الغالب شكل الخوذة، وقامت على رقبة مضلعة او مستديرة تتألف عادة من مقرنصات مصحوبة بمثلثات كروية فجمعت بذلك. وبصفة خاصة في منطقة الانتقال بين اجمل ما عرفه العصران الفاطمي والايوبي. وقد وجدت اولى نماذج هذا الطراز في قبتين من قباب دولة المماليك البحرية، وهي على التوالي: أ) قبة المحراب في مسجد الظاهر بيبرس، وهي اكبر القباب التي بنيت فوق محراب في عمارة مصر الاسلامية، حيث يبلغ طول ضلعها عشرين مترا وبنيت على غرار قبة الامام الشافعي، وترتكز على حجرة مربعة وليس على دعائم. ب) قبة ضريح المنصور بن قلاوون في النحاسين، وتوصف عادة بأنها اعظم قباب مصر على الاطلاق، وتشبه في تصميمها الى حد كبير قبة الصخرة المشرفة، حيث تقوم على قاعدة مثمنة تتألف من اربع دعائم مربعة ضخمة وأربعة اساطين جرانيتية دائرية ذات تيجان مذهبة نظمت في شكل دعامتين ثم اسطوانتين بالتبادل، وبكل دعامة اربعة اعمدة رخامية في الاركان، وتحمل الدعائم والاعمدة عقودا مدببة ضخمة تعلوها رقبة مثمنة بكل ضلع من اضلاعها نافذة كبيرة للتهوية والاضاءة فوقها قبة كروية ذات مناطق انتقال في الاركان، كل منها عبارة عن مثلثات كروية صغيرة. هكذا فإننا نلاحظ ان شكل القباب وموادها وصل في هذا العصر الى ذروة رفيعة، فقد ارتفعت قبابها عن ذي قبل، واتخذت انحناءاتها من الانسيابية وجمال النسب ما جعلها تعرف عند الباحثين بالقبة القاهرية. ـ رابعا: العصر العثماني هنا سنجد انفسنا امام قبة منخفضة على طراز قباب القسطنطينية، حيث تأخذ شكل نصف كرة غير كاملة لأن بيوت الصلاة في مساجد هذا العصر غطتها غالبا قبة رئيسة تحيط بها قباب صغيرة او انصاف قباب. من اشهر نماذج قباب هذا العصر في مصر قباب مسجد محمد علي بالقلعة، حيث نلاحظ ان قبته الرئيسة تقوم على مربع كبير طول ضلعه من الداخل 41 مترا، ويبلغ قطرها 21 وارتفاعها 52 مترا، وتحملها اربعة اكتاف ضخمة ذات عقود كبيرة وتحيط بها اربعة انصاف قباب، اضافة الى اربع قباب صغيرة في الاركان. وقد زين باطن القبة الكبرى بنقوش ملونة ومذهبة تمثل مناظر طبيعية. ملاحظتان هنا ترد على الخاطر ملاحظتان مهمتان لابد من التوقف لتأملهما: أ) عرفت قباب مصر ذروة رفيعة من ذرى زخرفة باطن القباب وخارجها في العصر المملوكي، وبصفة خاصة بالنحت على الحجر في شكل تكوينات نباتية او مجموعات نجمية او رقمي 7و8 متقابلين، غير ان هذا الايقاع سيختفي مع قيام العثمانيين بنقل الحرفيين الذي يملكون أسرار هذا الابداع الى بلادهم. ب) كما عرفت مساجد مصر قديما بالتنوع والتعدد في تصميماتها وزخارفها فإنها اليوم تعرف قدرا من التنوع يثير الدهشة في بعض الاحيان، ولا يتردد بعض المعماريين المحدثين في تصور امكانية الاستغناء عن القبة في تصميم المساجد، وهو ما نراه في العديد من المساجد ومنها مسجد الزعيم العربي جمال عبدالناصر بكوبري القبة كما سبقت لنا الاشارة.