للفتوح الاسلامية طابع خاص وفريد، يختلف في اهدافه عن غيره من الغزوات والحروب التي يخوضها غير المسلمين ذلك ان الفاتحين المسلمين لايبادرون بالاعتداء على احد من اجل نشر الدعوة عملا بقوله تعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، ان الله لايحب المعتدين» ولكن يبادرون برفع راية الجهاد اذا ما تعرضت حرماتهم ومقدساتهم للانتهاك او التهديد من قبل اعدائهم او برزت نواياهم بذلك فتكون فتوحات المسلمين دفعا ودرءا لخطر وتهديد وشيك الوقوع (وهو ما يعرف حاليا في الاستراتيجية بالضربة الوقائية او الضربة المسبقة) وسبيلا في ذات الوقت لنشر دعوة الاسلام في الوجود بالاساليب والطرق السلمية القائمة على الاقتناع الذاتي ونقل المعارف الانسانية الراقية من معاملات وعلوم وآداب البلدان التي يفتحونها وحيث يرتقون بانسانية الناس الى المستوى الذي يرتضيه المولى عز وجل لعباده العابدين. وكان المغرب العربي هو القاعدة التي اتخذها المسلمون ركيزة يستندون عليها في فتح الاندلس، منذ ان دخلها الاسلام في عهد سيدنا عمر بواسطة الصحابى الجليل عمرو بن العاص في سنة 20 هجرية عندما كان واليا على مصر وتمكن من الاستيلاء على اقليم برقة وكان من قواده عقبة بن نافع الذي عاد مرة ثانية الى المغرب واليا عليه في عهد معاوية خلال الفترة من 49 ـ55 ه، فاستكمل الفتح حتى وصل الي فزان وقسطنطنية واقام في تونس قاعدته العسكرية في القيروان وفي عهد يزيد تولى عقبة ايضا ولاية المغرب من 60ـ 64 هـ واثنائها خرج في غزواته الكبرى التي اكتسح بها شمال افريقيا ووصل الى المحيط الاطلسي واستحدث المعارك بعد ذلك بين المسلمين من جهة بعد ان استشهد عقبة بن نافع سنة 63هـ ـ والروم والبربر من جهة اخرى حتى استقر الامر تماما للمسلمين في المغرب في عهد موسى بن نصير سنة 86هـ الى 90هـ وذلك في عهد الوليد بن عبدالملك، وكان البربر قد دخلوا في الاسلام افواجا، وكان منهم طارق بن زياد الذي كان حاكما على مدينة طنجة وتم اخضاع كل المغرب للمسلمين باستثناء مدينة سبته لمناعتها وكان عليها حاكما يدعى جوليان من قبل ملك القوط الذي كان يحكم اسبانيا وكان جوليان هذا من الساخطين على ملك القوط، وكان يحض المسلمين على غزو الاندلس نكاية في هذا الملك، لذلك ابدى تقديم مساعداته للمسلمين في غزوهم للاندلس. ما قبل فتح الاندلس اطلق العرب لفظ الاندلس على شبه جزيرة ايبيريا التي تضم اسبانيا والبرتغال معا وحين يذكر اسم الاندلس فانها تعني ايضا المنطقة الاسلامية التي شملها الاسلام سلطانا وسكانا حتى شمال جبال البرانس حيث المدن الفرنسية دبوردو، منقوبان على نهر الجارون ونارين، خليج بسكاى) وكلها فتحها المسلمون واستمر اسم الاندلس متداولا حتى تقلصت دولة الاندلس وانحصرت في الجنوب في امارة غرناطة. كان يحكم الاندلس قبائل القوط، وهي من الجماعات البربرية التي اجتاحت اوروبا في اواخر القرن الخامس، وكان القوط اشد وحشية من قبائل الوندال ولكنهم فشلوا في اقامة مجتمع حضاري موحد الانتماء والمصالح رغم انهم سادوا اسبانيا طوال القرن السادس الميلادي، وكانت عاصمتهم طليطلة وكانوا يدينون بالمذهب الكاثوليكي كما كانت تسود الدولة نزاعات وصراعات بين الامراء والنبلاء وكانت تدخل الكنيسة في شئون الحكم، ودسائس اليهود ومن نتائج هذه الصراعات الداخلية ان ملك القوط (غيطشه) قد نجح احد قادته ويدعى لذريق في قتله وتنصيب نفسه ملكا على القوط بدلا منه وكان اهل اسبانيا يلتجئون الى المسلمين جنوب المضيق ـ الذي لايتجاوز عرضه 20كم ليجدوا فيهم الحماية من بطش الملك ندرين الذي كان يملك جيشاً ضخما يشكل تهديدا للدولة الاسلامية في المغرب وهو ما كان يخشاه موسى بن نصير اذ كان لذريق يريد تصدير متاعبه للخارج لكي يقضي على النزاعات الداخلية ويوحد الشعب الاسباني وراءه. كانت قد تولدت قناعة لدى موسى بن نصير ان تأمين الدولة الاسلامية في المغرب تتطلب منه ضرورة حمايتها من الشمال بالاستيلاء على شبه جزيرة ايبيريا وحتى حائط الفرنجة (جبال البرانس التي تفصل اسبانيا عن فرنسا) لذلك طرح على الخليفة هذه الفكرة وكان الموضوع مطروحا من قبل للدراسة خصوصا بعد استيلاء المسلمين على طنجة، كما لم يكن الخليج الفاصل بين المغرب وشبه جزيرة ايبيريا يشكل عائقا خصوصا وان جوليان حاكم سبته كان مواليا لموسى بن نصير وهو ما اغرى موسى على سرعة الفتح، كذلك كانت مراسلات تجيء من عناصر داخل الاندلس الى طارق بن زياد تطلب منه تخليصهم من بطش الملك لذريق ومن بين هذه المراسلات جاءت طارق رسائل من ابناء الملك السابق (غيطشة) تطلب منه مساعدتهم على التخلص من حكم لذريق وكانوا يظنون ان المسلمين عندما يستجيبون لهم ستقتصر مهمتهم في الاندلس على القضاء على لذريق والحصول على اموال وغنائم ثم يعودون الى بلادهم ويعود لابناء غيطشه الحكم مرة اخرى. صدق الخليفة على خطة موسى بن نصير لفتح الاندلس، ارسل موسى قوة للاستطلاع بقيادة طريف بن مالك العافري لاستطلاع الاحوال في جنوب شبه الجزيرة قبل ان يقتحمها المسلمون وكان قوام هذه القوة حوالي 500 فرد، فعادت مؤكدة للمعلومات التي لدى موسى عن سوء الاحوال وسخط اهالي الاندلس وترحيبهم بقدوم المسلمين لتخليصهم مما هم فيه من قهر، تم تجهيز جيش طارق وكان قوامه 7000 فرد معظمهم من البربر الاشداء المتشوقين للجهاد في سبيل الله ليظهروا لموسى وطارق حسن اسلامهم. فتح الاندلس عبر طارق البوغاز الفاصل بين افريقيا واوروبا في شهر رجب 92هـ ابريل 711م من ميناء سبته، وكان بالسرايا على مراحل زمنية وفي سفن تجارية لخداع عناصر مخابرات القوط التي كانت منتشرة في هذه المنطقة وكان طارق يعرف بانه رجل المهمات الصعبة، ورغم ذلك، ورغم خبرته العسكرية العميقة الا ان موسى شكل معه مجلس قيادة للاستشارة يضم ثلاثة من كبار قادة المسلمين وهم: طريف بن مالك الغافري صاحب سرية الاستطلاع وعلقمة اللخمي ومغيث الرومي الذي كان يقوم بمهام ضابط الاتصال بين طارق في الاندلس وموسى بن نصير في القيروان، ومقر الخلافة في دمشق. تم عبور الجيش دون مقاومة بحرية تذكر من قبل القوط او البيزنطيين، ووصل الى بر الاندلس وخلال عبور طارق للبوغاز شاهد في رؤية منامية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والانصار وقد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسى، وقال له: «يا طارق تقدم لشأنك» فنظر اليه واصحابه وهم يدخلون الاندلس امام جنود طارق: فاستبشر طارق بهذه الرؤية خيرا. كانت منطقة تجمع الجيش على جبل صخري يسمى (كالبى) وهو الذي عرف بعد ذلك بجبل طارق، اجرى طارق استطلاعاً للمناطق المحيطة بمكان نزوله واطمأن الى عدم وجود مقاومات ثم سار الجيش منحدرا في اتجاه جنوب شبه جزيرة ايبيريا، وكان الملك لذريق مشغولا باخماد ثورة قام بها البشكنس في الشمال وكانت اول اعمال طارق في الاندلس الاستيلاء على الجزيرة الخضراء اول مراكز القوط المحصنة في جنوب اسبانيا ثم توجه طارق بعد ذلك نحو وادى يسمى (لكة) وكان نائب لذريق قد ارسل مبعوثا برسالة الى لذريق يقول له فيها: «انه دفع بارضنا قوم لا ندرى اهم من السماء نزلوا ام من الارض خرجوا، فلقد جاءك منهم من لا يريد الا الموت او اصابة ما تحت قدميك حتى انهم احرقوا مراكبهم اياسا لانفسهم من التعلق بها وصفوا انفسهم موطنينها على الثبات اذ ليس في ارضنا مكان مهرب» الا ان لذريق لم يتهيب الامر كثيرا لاعتقاده بان المسألة لاتعدو ان تكون غزوة من غزوات السلب والنهب، او غارة سرعان ما تنتهي ولن تأخذ منه وقتا في اخمادها. الا ان لذريق عاد لتقييم الموقف عندما ادرك خطورته حين صعقته الاخبار بهزائم القوات التي ارسلها تباعا للقضاء على المسلمين وانهم يتقدمون في اتجاه قرطبة فأسرع الى طليطلة للاستعداد لمواجهة الموقف، وحشد قواته التي بلغت ما بين 90ـ 100 ألف مقاتل اي بنسبة تفوق على المسلمين 7.5: بعد ان دعم موسى قوات طارق بخمسة آلاف رجل آخرين، فبلغت 12 ألف رجل، وكان الجيش القوطي متيقنا من قدرته على سحق المسلمين بالنظر لتفوق العددي الساحق، حتى انهم اعدوا الاماكن التي سيحملون اليها الاسرى المسلمين خصوصا وان القوط كانوا يتمتعون بميزة هامة على المسلمين، وهي معرفتهم بطبيعة الارض التي يقاتلون عليها على عكس المسلمين القادمين من وراء البحر. وصل الجيش القوطي الى بلدة (شذوانة) استعدادا لملاقاة المسلمين وكان لذريق قد صالح ابني الملك السابق غيطشة بعد ان اغراهما بمنحهما كل الضياع التي كانت لهما في الماضي، وذلك في محاولة منه لتوحيد صفوف القوط في مواجهة المسلمين، وعينهما قادة لجناحي الميمنة والميسرة في جيشه فقبلا ذلك لكنهما كان يضمران الخيانة للذريق انتقاما لابيهما. معركة شذونة وقف طارق بن زياد خطيبا في رجاله يوم المعركة التي وافقت الاحد 28 رمضان 92 هجرية 19 يوليو 711 ميلادية فقال لهم بعد ان حمدالله واثنى على رسوله ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم فيه قائلا: «ايها الناس اين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو امامكم، وليس لكم والله الا الصدور والصبر، واعلموا انكم في هذه الجزيرة اضيع من الايتام على مائدة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه واسلحته واقواته موفورة وانتم لا، وزر لكم الا سيوفكم، ولا اقوات لكم، الا ما تستخلصونه من ايادي عدوكم وان امتدت الايام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم امرا ذهبت ريحكم وتعوضت قلوب اعدائكم من الرعب منكم الى الجرأة عليكم» الى اخر هذه الخطبة الطويلة من حض على الجهاد لقاء احدى الحسنيين النصر او الشهادة. التقى الجيشان في صباح يوم الاحد 28 رمضان ـ اي بعد 83 يوما من نزول المسلمين على الساحل الاسباني، واستمرت المعركة ثمانية ايام انتهت بفضل الله بهزيمة القوط هزيمة ساحقة رغم تفوقهم، فقد نجح طارق في خداع فرسان لذريق حين سحبهم وراءه الى جيب مخطط من قبل ثم اطبق عليهم بالميمنة والميسرة، ففصل فرسانهم عن مشاتهم ثم اعمل في الفرسان القتل بقوات القلب التي كان يقودها بنفسه، (وهي نفس خطة سيدنا خالد بن الوليد في معركة اليرموك) وعندما اراد لذريق ان ينقذ قواته وامر قوات الميمنة والميسرة اللتين كانا يقودهما ابني الملك السابق غيطشه وفقا لخطته المتفق عليها معهما رفضا تنفيذ اوامره وانحازا الى جانب طارق كما نكص ايضا عدد كبير من قواد الملك فيما تكشف قلب جيش القوط وانهار خط دفاعهم الرئيسي من اساسه واضطروا الى التراجع تحت ضغط قوات طارق ومن انضم اليه من اصحاب جوليان والمتآمرين على لذريق فأعمل المسلمون القتل في فلول جيش القوط، ولم يرفع المسلمون عنهم السلاح ثلاثة ايام متوالية اما الملك لذريق فقد مات غرقا في النهر في محاولة للهروب بعد ان اثقلته الجراح وقد ذكر الرازي ان المسلمين قد قتلوا من القوط خلقا كثيرا فقال: «اقامت عظامهم بعد ذلك في وادي «لكه» دهرا طويلا ملبسة بتلك الارض». وزع طارق الفيء على جنوده، فلم يبق منهم احد لم يحصل على قدر من ذهب او فضة، كما أرسل الى موسى بن نصير يخبره بالنصر، وكذلك الخليفة في دمشق فسجدا لله شكرا على نصره وتأييده لعباده المسلمين، اما خسائر المسلمين فقد بلغت حوالي 3000 شهيد وذلك بسبب طول فترة القتال التي استمرت ثمانية ايام، وهو ما يعني ان القتال كان شديدا. نتائج المعركة احدث انتصار المسلمين في معركة شذونة ـ يطلق عليها بعض المؤرخين معركة وادى لكة ـ دويا هائلا في الشرق والغرب حيث تهافت على اثرها العرب والبربر على الاندلس اما طارق فقد كان عليه ان يستغل النجاح الذي حققه قبل ان يعيد القوط تجميع صفوفهم مرة اخرى فزحف الى مدينة شذونة ففتحها عنوة، ثم استولى على مدن (مدور) و(قرمونة) ثم اتجه الى اشبيلية فصالح اهلها على الجزية، ثم زحف الى (استنجة) وفتحها بعد قتال شديد، وكان جيش طارق قد زاد عدده بمن زحفوا اليه من العرب والبربر فقسم جيشه الى اربعة اقسام: القسم الاول توجه الى قرطبة والثاني الى مالقة والثالث الى البيزة وكان هو على رأس القسم الرابع الى طليطلة العاصمة التي دخلها سنة 93هـ دون مقاومة بعد ان فر حاكمها ورهبانها الى الجبال، حتى لم يجد في المدينة سوى اليهود الذين جمعهم في وسط المدينة وعين عليهم حامية لتسيطر على تحركاتهم المشبوهة وكان هذا شأن المسلمين عندما يجدون اليهود في فتوحاتهم وقد وجد طارق في طليطلة 170 تاجا من الذهب مرصعة بالاحجار الكريمة الى جانب العديد من التحف ارسلها كلها الى موسى بن نصير ومنه الى الخليفة في دمشق كما نجح مغيث الرومي في فتح قرطبة وقد طلب موسى من طارق الا يتقدم اكثر من ذلك حتى يوافيه في طليطلة على رأس جيش آخر يؤمن له التوازن العسكري في الاندلس وبالفعل عبر موسى بن نصير الى الاندلس في رمضان عام 93هـ على رأس جيش قوامه 18 ألف جندي ولم يكن بعد الفتوحات التي اجراها طارق في الاندلس سوى 6000 جندي فقط فكان لابد لتأمين جيش المسلمين وتعزيز المكاسب التي حققها خلال عام 92 هجرية ان يدعم هذا الجيش بقوات كافية لتثبيت اقدام المسلمين في هذه البلاد البعيدة عن قواعدهم جنوب وشرق البحر المتوسط، وليواصل فتوحاته ايضا حتى يستكمل فتح بلاد الاندلس كلها. لواء ركن حسام سويلم