هذا دليل واضح على أن الثقافة الغربية قد نهلت من ثقافتنا العربية والاسلامية واستمدت من أصولها وفروعها الكثير الكثير. ـ قلت للاستاذ الفحام: لقد أدخلتنا يا استاذ بأسلوبك المثير وبحكائيتك الرائعة للاحداث في تفاصيل الأزمنة القديمة وكأننا نحياها ونعيشها. وأردف هانز: نعم، فأنا مازلت متشوقاً للدخول في تفاصيل حكايات أخرى عن أصحابنا الصعاليك. ـ قال الفحام: من يبحث في الأوراق القديمة يجد كنوزاً من الاخبار والأسرار، ومن ينقب يكتشف عوالم لم يتطرق إليها أحد. ـ قلت: لقد كانت رفقتك يا استاذ أكثر من رائعة. ـ وأنتما كذلك.. خاصة هانز عاشق الصعاليك والشطّار. ـ شكرنا الأستاذ الفحّام. وانطلقنا عائدين إلى اتجاه آخر. ـــ أخذت هانز إلى أماكن تراثية قديمة حتى يشعر بالتغيير، فزار من خلال شبكة الانترنت مناطق متعددة في الامارات من بينها بيت الشيخ سعيد ومسجد البدية، واطلع على آثار القصيص وآثار العين، وكثير من المزارات التراثية في مناطق الفجيرة ورأس الخيمة والشارقة. ولم تكن هذه الزيارات سوى رحلة أولية للقيام بالرحلة الأهم بالنسبة لنا، والتي سنعبر من خلالها أزمنة كثيرة للوصول إلى زمن نعيش حكاياته ونتواصل مع شطّاره وصعاليكه. ـ قلت لهانز: هل أنت مستعد للتصعلك في زمن آخر؟ ـ أنها أمنيتي ومطلبي، وأنت تعلم ذلك جيداً. ـ اذن عليك أن تستعد لأنني قررت أن ندخل من بوابة اللصوص الصبيان، وبالذات من مدخل عثمان الخياط. ـ عفواً، أخذتني على غرة، هل لي أن أتساءل عن المدعو عثمان الخياط، من هو، وما هي صنعته؟ ـ لا تتعجل يا هانز، لقد سمعت عن هذا الاسم من خلال جلسات عديدة مع أدباء وباحثيون في التراث العربي، لكني فعلاً لا أعرف عنه شيئاً، وسأحاول معك البحث عنه لنصل إلى زمنه ونتعرف عليه بشكل أفضل. ـ وماذا تنتظر.. عليك به إذن! وبسرعة قمت بتحديد الاسم والبحث عنه، وجاءت النتيجة مذهلة، إننا حقاً نعيش زمن العولمة والاتصال والتواصل.. فقد اشارت المادة التي ارتسمت بوضوح على الشاشة البلورية إلى أن أبا القاسم الراغب الاصفهاني ذكر في فصل كتبه عن التلصص وما يجري مجراه شيئاً من طوائف اللصوص، وأخبارهم، ونوادرهم، وحكاياتهم وأحاديثهم ووصاياهم، ونقل عن الجاحظ بضع فقرات من وصية «عثمان الخياط للشطار اللصوص».. والوصية تحمل فيما تحمله خلائقهم الفروسية الرائعة التي حرصوا عليها حرص الابطال على شيم الرجولة، وفلسفتهم التي برروا بها احترافهم هذه الصناعة، فالوصية التي وجهها عثمان الخياط لرجاله اللصوص تقول: «جسروا صبيانكم على المخارجات، وعلموهم الثقافة، واحضروهم ضرب الامراء أصحاب تصوير الجرائم لئلا يجزعوا إذا ابتلوا بذلك، وخذوهم برواية الاشعار الفرسان، وحدثوهم بمناقب الفتيان وحال أهل السجون، واياكم والنبيذ فانها تورث الكظة وتحدث الثقل، ودعوا البول والنوم ولا سيما بالليل، ولابد لصاحب هذه الصناعة من جراءة وحركة وفطنة وطمع، وينبغي ان يخالط اهل الصلاح ولا يتزيا بغير زيه». وهكذا اتضحت لنا الصورة جلية، فقلت لهانز: ما رأيك ندخل زمنهم ونتواصل معهم ونتحدث إليهم. قال هانز: نعم الرأي والمشورة. ومن تلك البوابة العامرة، لذلك النص المفتوح بوصيته المقتدرة دخلنا فضاء ذاك الزمن.. فوجدنا أننا نقف وجهاً لوجه أمام رجل ملتح ذي وقار وهيبة، فاعتقدت أننا أخطأنا العنوان، فاعتذرت للرجل عن هذا التطفل. قال الرجل: يبدو أنكما غريبان.. هذا ما تدل عليه هيئتكما. ـ قلت: نعم، لقد أتينا من زمن آخر نبحث عن شخص يدعى عثمان الخياط. قال الرجل: لقد وصلتما، فأنا هو من تبحثان عنه. .. وغداً نكمل