إن قادة المسلمين وعلماءهم وقضاتهم ومفكريهم، تربوا وتعلموا في المساجد وتخرجوا فيها وظل تأثير المسجد في نخب المجتمع الإسلامي مستمراً على مر العصور، ولا تجد من برز من علماء الأمة ومفكريها إلا وكان للمسجد دور في حياته وكان تأثير الجوامع الكبرى في عواصم الدول الإسلامية مثل الحرمين الشريفين والأزهر والقرويين وغيرها في تخريج المصلحين والمجددين من العلماء والمفكرين واضحاً بيناً. ولعل التأثير التربوي للمسجد في سلوك الفرد من خلال ما يكسبه المسجد في شخصيته من مهارات وجدانية ومعرفية ومسلكية ومنها على سبيل المثال: أ - إستشعار أهمية الوقت: يبدأ وقت الصلاة في المسجد بوقت معين وينتهي بوقت معين، ولا تجوز الصلاة قبل دخول الوقت، كما لا تجوز في حالة انتهاء الوقت إلا قضاءً، والدقة في أوقات الصلاة تدريب للمسلم على الدقة في المواعيد والمحافظة عليها. يقول سبحانه وتعالى: «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا». ولقد جعل الإسلام للوقت أهمية عظمى إذ هو محور الحياة تدور كل الأعمال في ثناياه ولهذا فإنه لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه. والملاحظ أن الإسلام جعل تكاليفه مقرونة بأوقات معلومة ومنها الصلاة، فلها أزمان محددة تؤدي فيها ولهذا يتعلم المسلم الدقة والحرص على الوقت والاستفادة منه، وأن يظل متيقظاً لمراعاة دخول العبادة حتى لا تفوته بزوال وقتها. ب - تعزيز الشخصية بالوقار والهيبة: وذلك عند الاستعداد للصلاة والذهاب إلى المسجد يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) : «إذا ثوب بالصلاة (أي أقيمت) فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» ، فيكون المشي إلى الصلاة في سكينة وطمأنينة دونما جري أو تعجيل لأن ذلك يذهب الهيبة والوقار، ثم أنه مخل بالخشوع والاطمئنان في الصلاة وكذلك في الحياة، فالمسلم له تميزه في كل شيء حتى في مسلكه وهيئته، وهذا لسان الدين بن الخطيب عند وصفه لأهل غرناطة في أيام الجمع يقول: (تبصرهم في المساجد أيام الجمع كأنهم الأزهار المفتحة في البطاح الكريمة تحت الأهوية المعتدلة)، وفي هذا تربية للمسلم على تكوين شخصيته المتميزة. جـ - تأصيل القيادة والإمامة: وذلك نستنتجه من خلال تعامل المسلمين فيما بينهم في المسجد وخاصة عند اختيار الأئمة وتزكيتهم وتقديمهم، فعن عمرو بن سلمة الحربي قال: كان يمر علينا الركبان فنتعلم منهم القرآن، فأتى أبي النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: «ليؤمكم أكثركم قرآناً» فجاء أبي فقال إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «يؤمكم أكثركم قرآناً»، فنظروا فكنت أكثرهم قرآناً، فكنت أؤمهم وأنا ابن ثماني سنين. وأراد الإمام محمد بن مالك (صاحب الألفية) أن يتلقى البخاري سماعاً من رواية إمام موثوق بسماعه، فرأى أن أكبر محدثي بلدته هو تلميذه أبو الحسن علي بن محمد اليونيني ويصغره بأكثر من عشرين عاماً، وأعلن الإمام أن الاستماع سيكون جامعاً في أعظم مساجد دمشق، واشترط التلميذ أن يقوم هو بالقراءة المضبوطة كما جاءت بها الرواية، ويقوم الإمام بشرح المشكل وإيضاح الغامض وقد تم للتلميذ ما أراد وحين جاءت الجلسة الأخيرة رأى الحاضرون أن يقوم الإمام والتلميذ معاً بكتابة وثيقتين تلحقان بالنسخة المضبوطة، فكتب ابن مالك بخطه الواضح: «سمعت هذا المجلد من صحيح البخاري رضي الله عنه بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد اليونيني رضي الله عنه وعن سلفه» وكتب الحافظ اليونيني ما نصه: «بلغت مقابلة وتصحيحاً وسماعاً بين يدي شيخ الإسلام، حجة العرب، مالك، الإمام العلامة أبي عبدالله بن مالك الطائي الحياني أمد الله تعالى في عمره». د ـ تقوية البدن والروح بالتدريب والترفيه: من المسجد ينطلق المسلم قوي البدن قوي الروح، لقد ترك الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعض جنود الإسلام يتدربون على السلاح في المسجد وهو ينظر إليهم وعندما رآهم عمر انتهرهم وحصبهم، فأمره الرسول الكريم أن يتركهم، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «واللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو وقال المهلب: المسجد موضوع لأمر الجماعة، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه، وقد جعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمداً لسباق الخيل، وكان أحد المتسابقين من صغار الصحابة وهو ابن عمر، قال: أجرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى مالم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق قال ابن عمر: فكنت فيمن أجرى فطفف بي الفرس المسجد. وأقيمت بعض ألعاب الفروسية في المسجد، فقد روت عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قولها: «دعاني رسول الله والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد، فقال: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم، أقامني من ورائه فنظرت من وراء منكبيه» قالت عائشة قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة». د. سالم سعيد غبار الشامسي