صحيح أن الرضا شيء معنوي وعقيدة داخلية تنبع من أعماق الإنسان ولكنه في الحقيقة يُسيطر على الإنسان من داخله وخارجه، ويسيطر على تصرفاته فترى الراضي السعيد طلق المحيا جميل الصورة ولو لم يكن جميل الشكل، وترى الساخط كريه المنظر ولو كان جميل الشكل. ذلك أن الرضا يعيش الإنسان في جنته ويتلذذ بنعيمه فتظهر آثار الرضا والسعادة على وجهه فترتسم لوحة هي أجمل لوحة في الحقيقة. ونعني بالرضا هنا هو الرضا الديني والرضا الذاتي. وهو أن يمضي الإنسان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. ثم يتلمس رضا الله سبحانه وتعالى في أعماله. فلا يفعل فعلاً إلا إذا كان يرضي الله تعالى، ويبتعد عنه إذا كان فيه سخط لله تعالى وهذا الرضا هو مطلب البشر جميعاً ومطلب الرسل أولي العزم، ثم من بعدهم من الصالحين. قال الله تعالى عن اسماعيل عليه الصلاة والسلام: (واذكر في الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً) 55 مريم. وهو نفس الطلب الذي طلبه زكريا عليه الصلاة والسلام لابنه يحيى فقال تعالى حكاية عن طلبه: (فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من ال يعقوب واجعله رب رضياً) 6 مريم. كما هو طلب سليمان عليه السلام عندما رأى نعمة ربه قال: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين) 19 النمل. ثم يرغبنا الله تعالى أن نكون راضين طائعين لله تعالى ولآبائنا، يقول تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاها وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) 15 الأحقاق، أي أن الإنسان يسعى في حياته كلها ليرضي ربه بالعمل الصالح، والله سبحانه وتعالى يكافئه بالرضا (رضي الله عنهم ورضوا عنه) ويظل هذا الرضا يلازمه إلى الآخرة حين يلقى الله عز وجل (يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي). عندئذ ننظر إلى هذه النفس الراضية المرضية السعيدة الطيبة، كم نجد فيها من معاني الجمال الحسي والمعنوي. فالجمال الحسي هو الذي تتمتع بالنظر إليه. والجمال المعنوي هو الذي تتمتع بصحبة صاحبه، فتتعلم منه الرضا عن الله في كل شيء. وتتعلم استقبال حوادث الله بالرضا والطمأنينة والرضا عن الله في قضائه وقدره، لأنه لا ينفعنا السخط ولا ينفعنا التبرم. ولا ينفعنا إلا الرضا والتسليم لقضاء الله فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط. دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً إذا حكم القضاء فهد الهاجري