لعل الميدان الاقتصادي هو أبرز نقاط التحدي في مجال تجديد الفكر الإسلامي، وأيضا أكبر المجالات إثارة للجدل بين الفقهاء والمفكرين، فلا يزال السجال مستمرا بين الفقهاء حول العديد من القضايا الاقتصادية التي تتعلق بالبنوك التجارية ومدى قربها أو بعدها عن الربا، وقضايا التأمين، والتجارة الإلكترونية والفيزا كارت، واستثمار أموال المسلمين خارج حدود العالم الإسلامي.. والقائمة طويلة. ولا يزال المسلم المعاصر محتارا بسبب تضارب الفتاوى حول هذه القضايا وتنوعها بين من يجيز ومن يحرم، ومن يتحفظ. ونحن نناقش قضية تجديد الفكر الإسلامي لن نتوقف عند الأحكام ذاتها، وإنما نركز على الآلية التي يتفاعل بها الإسلام مع المستجدات في الميدان الاقتصادي، وكيفية تجديد الفكر الإسلامي في هذا الميدان. يتضمن الفقه الاقتصادي الإسلامي آلية ذاتية للتجديد، فهو يتميز بخاصيتين تجعلاه يتجدد تلقائيا باستمرار- يوضحهما الدكتور رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة بجامعة الأزهر - الخاصية الأولى: هي أن الإسلام يميز بين منطقتين في عالم الاقتصاد، المنطقة الأولى هي تلك التي جاءت فيها الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان بأخيه، وقد أراد الإسلام لهذه المنطقة الا تترك لعقول البشر وانما جاء بتشريعات فيها لتنظيم وضبط العلاقات بين الناس. اما المنطقة الثانية في عالم الاقتصاد الإسلامي، فهي التي تشمل الجوانب الفنية في تنظيم الحياة الاقتصادية، وهذه المنطقة لم يأت الإسلام فيها بأحكام. وغالبية التجديد والتطوير في الحياة الاقتصادية يقع في المنطقة الثانية، فعلى سبيل المثال تضم هذه المنطقة المؤسسات التي تنظم الحياة الاقتصادية في المجتمع مثل البنوك والشركات.. الخ، وهذه أمور فنية لم يأت الإسلام بأحكام حولها، ومن ثم فإن الفكر الإسلامي يقبل كل صور وإمكانات التطوير والتجديد في تلك المنطقة التي تشمل أيضا الأشكال الفنية للإنتاج في المجالات الزراعية والصناعية والتجارية وغيرها من الميادين بما يلبي احتياجات المجتمع. بل ان هذه المنطقة ينطبق عليها قول الرسول صلى الله عليه وسلم ـ «انتم اعلم بشئون دنياكم». وينطبق على هذا المجال قول الإمام ابن تيمية: «أفعال العباد قسمان: عبادات وعادات: كل العبادات لها حكم، أما العادات فالأصل فيها الإباحة» وتشمل العادات هنا الاقتصاد وغيره من شئون الحياة. أما الخاصية الثانية التي تجعل الاقتصاد الإسلامي يتجدد تلقائيا، فهي تتعلق بطبيعة الحكم في المنطقة التي بها أحكام، وقد جاءت هنا على نحو أجمالي مما يعني أنها تسع المعاملات التي كانت موجودة عند نزول القرآن الكريم، والمعاملات التي تأتي بعد ذلك. ويعرض الدكتور العوضي نموذجا يوضح هذا المعني، مشيرا إلى أن الآية القرآنية: «واحل لكم البيع وحرم الربا» تنص على أن البيع حلال ولكن لم تحدد صورته، لأن هذا الأمر يخضع للتطوير والتجديد وبهذا وسع الإسلام كل أشكال المعاملات التي تدخل في البيع. هناك نموذج آخر يوضح هذه الحقيقة، وهو أن عقد المضاربة - وهو من بين العقود الحلال في الشريعة الإسلامية - يشترط المشاركة في الربح بين العامل وصاحب العمل مع شروط اخرى فهذا هو الأمر الثابت في تلك المعاملة. أما شكل المشاركة وغير ذلك فلا حكم فيه، ومن ثم فإن المضاربة ـ إذا توافر فيها شرط المشاركة ـ يمكنها أن تطبق في صور أو أشكال وصيغ فنية أو قانونية متعددة بحيث تعكس كل التطورات في الحياة الاقتصادية، ومنها البنوك الإسلامية التي تقوم على عقد المضاربة، ومن ثم فإن هذه الخاصية تعنى أن الاقتصاد الإسلامي، يسع أيضا التجديد والتطور حتى في المنطقة التي بها أحكام. يضاف إلى ذلك أن تراث المسلمين في الميدان الاقتصادي يمكن الاستفادة به في هذا التجديد: يوضح ذلك الدكتور العوضي قائلا: لدينا تراث فقهي استطاع به المسلمون أن ينظموا حياتهم الاقتصادية ويمكنه أيضا أن يستوعب التطورات التي تستجد في المجتمع، ولكن الصيغات واللغة التي استخدمت في كتابة هذا الفقه، وان كانت مفهومة في عصرها، إلا أنها اليوم تحتاج إلى ما يمكن أن نسميه: ترجمة الفقه إلى لغة معاصرة، واشكال تناسب العصر، حتى يمكننا الاستفادة بهذا التراث في واقعنا الحالي. وفي هذا السياق فإن من أمثلة التعامل التجديدي مع التراث الفقهي في المجال الاقتصادي، أن كتب الفقه تتناول بالتفصيل موضوع مقاصد الشريعة ولكنها كتبت باللغة المتداولة في ذلك الوقت، ومن ثم يمكن أن نقوم بإعادة صياغة هذا الموضوع بلغة معاصرة، ونؤسس عليه منهجاً إسلامياً للأولويات الاقتصادية. وثمة مثال أخر: فقد كتب الفقهاء قديما في موضوع الضريبة وكانت لهم مصطلحاتهم المعروفة آنذاك، كما كانت لديهم تصورات لكيفية تطبيق الضريبة بما يتفق مع المؤسسات التي كانت قائمة، أما التجديد في هذا الموضوع فيمكن أن يتم بحيث يحافظ على الأحكام التي قالها الفقهاء ويسع التطورات التي استجدت، فيقول الإمام الجويني: «يوظف الإمام على الغلات وضروب الزوائد من الحاجات» ويترجم د. العوضي هذه العبارة، قائلا انها تحدد ما نسميه بلغتنا المعاصرة «وعاء الضريبة» ويقصد به تحديد الدخل أو الثروة التي تخضع للضريبة وعبر عنها الإمام الجويني بـ «الغلات وضروب الزوائد من الحاجات» ، وهكذا تمدنا الصياغة المعاصرة برافد آخر للتجديد في المجال الاقتصادي غير أن السؤال المهم هنا هو: من يقوم بالتجديد في المجال الاقتصادي اليوم؟ هل الفقهاء أم أساتذة الاقتصاد؟ يرى الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر أن التجديد يتطلب من يتوافر فيه شرطان: الأول: هو معرفته بالإسلام وبمساهمة المسلمين في تخصصه، والثاني هو معرفته بتخصص معين والتطورات المعاصرة فيه وبذلك يمكنه أن يجدد أو يطور في مجال تخصصه ويشير إلى أهمية أن نحدد معنى التجديد في منطقة الأحكام، فليس المستهدف هو تغير هذه الأحكام، وإنما المطلوب هو الحصول على أحكام للمعاملات الجديدة، فالتجديد هنا هو الإستيعاب الفقهي للتطورات المستجدة في مجال الاقتصاد، مثل ما يتعلق بالمؤسسات الاقتصادية كالبنوك وشركات التأمين ويتم التجديد من خلال معرفة الأحكام الفقهية المتعلقة بها، وهو ما يتطلب الدراية بالجانب الفقهي من ناحية، وبالجانب الاقتصادي من ناحية أخرى، وهذا يستلزم أن يقوم بهذه المهمة مجامع فقهية يتوفر بها هذان التخصصان، بالإضافة إلى التخصصات الأخرى المطلوبة للاجتهاد مثل الدراية التامة باللغة والتفسير. والمؤسف أن أمر تجديد الفكر الإسلامي في المجال الاقتصادي، يعتمد على الجهود الفردية التي يقوم بها العلماء والأساتذة بدوافع ذاتية، يضاف إلى ذلك أن البحث في هذا الميدان يتطلب، وجود من يموله، إو على الأقل أن يقتنع الباحث بوجود حافز عملي لكي يمضي في هذا التخصص، في حين أن سوق العمل في غالبية الدول الإسلامية تطلب التخصصات التجارية والاقتصادية العادية - هذا ما يؤكده الكثيرون من المعنيين بهذا المجال ومنهم مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر. وهنا يلاحظ غياب دور كليات التجارة وأقسام الاقتصاد بالجامعات الإسلامية في هذا الميدان، خاصة وان غالبيتها يخلو من وجود مقررات للاقتصاد الإسلامي، ومن ثم نفتقد إلى الكوادر العلمية التي يمكن أن تساهم في دفع مسيرة التجديد في الميدان الاقتصادي. وعلى الرغم من أن البنوك والمؤسسات الاقتصادية الإسلامية قد شجعت بعض الباحثين على الدخول في هذا الميدان. إلا أن الأمر يحتاج إلى اهتمام اكبر من جانب الجامعات الإسلامية، بدءا من تخصيص جانب من المقررات الدراسية للاقتصاد الإسلامي، ومرورا بإنشاء أقسام لهذا التخصص، وانتهاء بتشجيع البحث العلمي في هذا الميدان واعتماد بحوث الترقي التي تتناول الاقتصاد الإسلامي. لاشك أن جانبا هاما من جوانب التجديد الإسلامي لا يمكن أن يترك للمصادفة، وإنما ينبغي أن يخطط له بشكل واع، ليس فقط لأهميته وإنما أيضا لأنه يشكل أحد معالم المشروع الحضاري الإسلامي، وما يمكن أن يساهم به المسلمون على الساحة العالمية في حل العديد من المشكلات التي تعاني منها الإنسانية اليوم وبخاصة الفقر والبطالة والركود. د. محمد يونس