تمتلك الأمة الاسلامية كل المقومات التي تهيئ لها فرصة الانطلاق الى آفاق التقدم والازدهار بلا حدود.. ولا تقتصر هذه المقومات على الجوانب الروحية فحسب.. بل لدى الأمة الاسلامية كل المقومات المادية والبشرية أيضا.. فبلاد المسلمين تشتمل على كل خيرات الدينا من معادن وكنوز مختلفة.. كما ان لديها رصيدا حضاريا ضخما يشكل قاعدة للثقة والاعتزار والفخار. وفي الوقت نفسه للانطلاق والنهوض. وهذا يعني ان لدى الأمة الاسلامية ما يؤهلها للاسهام بدور مؤثر وفعال في مسار التاريخ. وتوجيه أحداثه. وتقرير مصير عالمنا. واحتلال مكان لائق في خريطة العالم. ولكن الواقع الذي عليه المسلمون شيء مختلف تماما عن هذه الصورة المشرقة.. فالأمة الاسلامية أمة متقطعة الأوصال. منهوكة القوى.. مستنزفة الموارد.. مسلوبة الارادة. وهذه صورة تدمي قلب الصديق وتبهج قلب العدو. حول هذه القضية الخطيرة يقدم لنا الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري كتابه المهم: «هموم الأمة الاسلامية» الذي يتضمن ثلاثة فصول ويقع في 248 صفحة. مفاتيح الحضارة! في الفصل الأول يؤكد المؤلف ان هناك ارتباطا وثيقا بين الآيات الأولى من الوحي القرآني التي بدأت بالأمر بالقراءة وبين مفاتيح الحضارة. وقد أدرك المسلمون الأوائل ذلك فاستطاعوا ـ بعد فترة زمنية قصيرة نسبيا من ظهور الاسلام ـ ان يقيموا حضارة زاهرة كانت من أطول الحضارات عمرا في التاريخ. وعندما اختفى الفهم المستنير للتعاليم القرآنية. وأصبح المسلمون يتعاملون مع القرآن على أنه كتاب يردد الناس آياته دون فهم.. ويقرأون به على الأموات. ويصنعون منه الأحجبة. ويضعونه في البيوت أو السيارات بمثابة ديكور أو للبركة. ثم في الفترة الأخيرة يتخذون منه حرفة التداوي بالقرآن ـ عندما صار الأمر على هذا النحو اختفى الفهم السليم وغابت معالم الطريق.. وفقد المسلمون مفاتيح الحضارة التي ظلت في أيديهم ما يقرب من ثمانية قرون. ومن هنا فان عدم مشاركة المسلمين في صنع الحضارة يعني أنهم قد تخلوا عن مسئوليتهم في عمارة الأرض. وتركوها لغيرهم. وهي تلك المهمة التي أكدها القرآن الكريم. هل ينتظر المسلمون انهيار الحضارة المعاصرة حتى يقيموا حضارتهم على أنقاضها؟.. اذا كان الأمر كذلك فسيطول بهم الانتظار!! أم يرى المسلمون ان واجبهم في المشاركة في صنع الحضارة المعاصرة يتمثل في الاهتمام بالجانب الروحي الذي أهملته الحضارة الحديثة حتى يقييم المسلمون بذلك التوازن الذي اختل في الحضارة الحديثة؟ ان هذه مهمة جزئية هي ما يريده الاسلام من أبنائه. فالاسلام لا يفصل الجانب المادي عن الجانب الروحي.. والنموذج الذي ينبغي ان نسعى اليه ونقدمه لأمتنا ولغيرنا.. لابد ان يكون جامعا للأمرين.. والا كنا خائنين لرسالتنا نرتضى لأنفسنا ان نكون لقمة سائغة في فم القوى العظمى. أننا في عالم اليوم في عصر لم يعد يعترف الا بالقوة.. وقوة اليوم لم تعد هي قوة السلاح فقط.. أو قوة الايمان فقط. وانما هي القوة التي تجمع بين الأمرين.. وهذا هو جوهر تعاليم الاسلام. فلا يجوز لنا ـ اذن ـ ان نتخلى عن فريضة العلم.. وما يرتبط به من تقنية متطورة بجوار قيامنا بفرائض الروح والقلب. ومن هنا فانه لا مناص لنا من ان نتمكن من حضارة العصر بكل منجزاتها المادية. وتطوراتها العلمية والتقنية. في الوقت الذي نراجع فيه موقفنا من الاسلام وتعاليمه. لنزيل الغبش الذي غطى على تعاليم الاسلام فحجب عنا الرؤية السليمة الواضحة لهذه التعاليم على مدى القرون الماضية. وهذا يتطلب تحولا جذريا في العقلية الاسلامية. لتنسجم مع تعاليم الاسلام تصحيحا للأوضاع الغربية. والتقاليد البالية.. والقصور العقلي. والفهم السقيم الذي أراد ان يشد تعاليم الاسلام لتنسجم مع ما درجنا عليه من عقلية متخلفة.. أو يتخذ منه ستارا لعمليات ارهابية اجرامية يرفضها الاسلام رفضا قاطعا. فالعيب ـ اذن ـ فينا نحن المسلمين وليس في الاسلام.. فالاسلام سيظل شامخا بتعاليمه.. اذا أشرأبت أعناق المسلمين وقلوبهم وعقولهم نحوه ـ بصدق ـ جذبهم الى أعلى.. واذا أرادوا ان يخضعوه الى فهمهم السقيم تخلى عنهم. وتركهم يسقطون في وهده التخلف. صراعات مدمرة! وفي الفصل الثاني ينبه المؤلف الى المخاطر التي تهدد صرح وحدة الأمة الاسلامية. مؤكدا ان الاسلام حذر من الوقوع في شراكها.. وتتمثل هذه المخاطر في عنصرين أساسيين يمكن ان ترد اليها جميع الأسباب الفرعية الأخرى التي تستهدف اضعاف الأمة الاسلامية وكسر شوكتها. وأول هذه العناصر يتمثل في الفرقة والتنازع والصراعات المدمرة التي تعد مدخلا خطيرا لانهيار وحدة الأمة الاسلامية.. سواء أكان هذا التنازع والتفرق في أمور الدين. أو السياسة والملك أو بسبب الفوارق الطبقية الصارخة.. أو بسبب الصراعات القبلية أو العرقية التي تحيي ما كان قائما في الجاهلية. وقد جاء التحذير الالهي من ذلك حاسما قاطعا في عبارة قصيرة تبدأ بالحث على التمسك بالوحدة. وتحذر في الوقت نفسه من التفرق. وذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» وفي آية أخرى يأتي التنبيه الى نتيجة التفرق والتنازع وذلك في قوله تعالى في سورة الأنفال: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» وهكذا تؤدي الفرقة والتنازع والتناحر الى الفشل الذي تكون نتيجته النهائية هي ذهاب قوة المسلمين وضياع عزتهم ومنعتهم. وبذلك يكونون لقمة سائغة في يد أعدائهم تتداعى عليهم الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها. أما العنصر الآخر الذي يحذر الاسلام منه. فيتمثل في موالاة الأعداء وفي ذلك يقول القرآن الكريم في سورة آل عمران: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون». وختام الآية أمر في غاية الأهمية لمن يتأمل.. فالله قد وضح لنا الطريق وكشف لنا عن مخاطره وعثراته. وعلينا ان نتدبر أمرنا بعقولنا التي منحها لنا الله لنميز بها الخبيث من الطيب «قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون». وفي آية أخرى يقول القرآن الكريم في سورة الممتحنة: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة».. ولا يخفى على أحد ان هناك كثيرا من الممالك الاسلامية في القديم والحديث قد ضاعت بسبب موالاة الأعداء والركون اليهم والوثوق بهم والاستعانة بهم على حرب المسلمين بعضهم بعضنا. ولم يكن ذلك السلوك الا كالمستجير من الرمضاء بالنار!! واقع ملموس! وفي الفصل الثالث يطرح المؤلف قضية الغزو الفكري الذي لجأ اليه الاستعمار بعد ان استحال عليه الوجود العسكري في البلاد التي كان يحتلها ويسطر عليها ـ معتقدا ان هذه القضية تتصل اتصالا مباشرا بالضعف الذي يعاني منه العالم الاسلامي كله. أو بمعنى آخر تتعلق تعلقا أساسيا بالتخلف الذي يخيم على الشعوب الاسلامية. وهذا التخلف واقع ملموس حتى وان توارى خلف بعض مظاهر التقدم المادي في بعض المناطق الاسلامية. وغني عن البيان ان الجسم الضعيف يكون أكثر تعرضا لخطر الاصابة بالأمراض الفتاكة من الجسم السليم. فالأمة الاسلامية لو كانت قوية مرهوبة الجانب ورائدة في مضمار التقدم والحضارة.. لما كانت هناك على الاطلاق مشكلة قائمة حول الغزو الفكري وخطره على الاسلام. فالاسلام في ذاته قوى في مبادئه وأصوله وأهدافه وتشريعاته.. ولا يخشى عليه من آية تيارات فكرية مناوئة أيا كان خطرها. وأيا كان مصدرها مادام هذا الدين قد وجد من أتباعه الفهم الصحيح لأهدافه وغاياته وتشريعاته.. ولكن اذا افتقد الاسلام لدى اتباعه ذلك الفهم لضعفهم وانهيار عزائمهم وانحلال عرى وحدتهم فهنا يكون الخطر كل الخطر الذي يهدد كيانهم كله. اننا يجب ان نتسلح بنفس الأسلحة الفكرية التي تستخدمها التيارات الفكرية الوافدة.. حتى يمكننا كشف زيفها على علم وعن بينة. وهذا يقتضى اتخاذ بعض الخطوات العلمية ومنها: انشاء مركز علمي للدراسات الاستشراقية: فليس من المعقول ولا من المقبول ان يكون هناك في أوروبا وأمريكا ما يقرب من مئة معهد للاستشراق تقوم كلها بدراسة عقائدنا وحضارتنا ولغتنا وتاريخنا كله.. ولا يوجد لدينا على امتداد العالم الاسلامي مركز بحوث واحد لدراسة الكم الهائل الذي أنتجته المؤسسة الاستشراقية عن ديننا وحضارتنا. مركز علمي لدراسة التيارات المعاصرة: وانشاء هذا المركز يعد ضرورة تحتمها المصلحة الاسلامية للتعمق في فهم هذه التيارات ودراستها ثم اصدار الدراسات الرصينة الواعية التي تأتي على هذه المذاهب من القواعد باسلوب علمي مقنع يكشف ما فيها من زيف وبطلان. الأمر الذي يحملها على الفرار من الساحة الفكرية في بلاد المسلمين. موسوعة اسلامية عالمية: هناك ضرورة ملحة ليس فقط على مستوى العالم الاسلامي.. بل أيضا على المستوى الفكري العالمي لاخراج موسوعة اسلامية عالمية باللغة العربية وثلاث لغات أوروبية على الأقل تعرض الاسلام عرضا علميا وبطريقة موضوعية تنأى عن الخلافات المذهبية الضيقة. وترد في الوقت نفسه على المزاعم التي تثار ضد الاسلام. وتحل هذه الموسوعة محل دائرة المعارف الاسلامية التي أخرجها المستشرقون ولا يزالون يقومون باخراج الطبعة الثانية منها.. أو على الأقل تكون بجوار هذه الدائرة.. والباحثون لدينا يعتمدون على هذه الدائرة الاستشراقية.. وهم معذورون.. فكل فراغ فكري لدينا لا نشغله بأفكار من عندنا يكون عرضه للاستجابة لأفكار منافية. وربما معادية لأفكارنا فلا نلومن حينئذ الا أنفسنا. جهاز عالمي للدعوة الاسلامية في الخارج: ولا شك ان انشاء هذا الجهاز يمثل ضرورة ملحه.. حتى يقوم بالدعوة الى الاسلام من ناحية وحماية المسلمين بالوراثة من ناحية أخرى. ورعاية المسلمين الجدد من ناحية ثالثة.