الحمد لله واهب النعم والمنان بالحكم وأصلي على من بعث رحمة للعالمين وبعد. سورة الروم من السور المكية وعدد آياتها ستون آية وهي السورة الرابعة والثمانون في تعداد نزول السور، نزلت بعد الانشقاق وقبل سورة العنكبوت. وسورة الروم من السور المكية التي تمتاز بذكر صفات الله الواجبة له، وتهديد المشركين وبيان ان الاسلام دين الفكرة، وبيان طبيعة الانسان، ويلاحظ فيها ذكر الآيات الكونية الدالة على العلم والقدرة والوحدانية لله سبحانه وتعالى. وسورة الروم نذكرها بما ورد فيها دل عليها وأخذ اسمها منها، وتنبه هذه الكلمة الواردة في الآية (الروم) تشير إلى تلك الدولة الرومانية وعاصمتها القسطنطينية ، ونزلت هذه الآيات عندما غزا الفرس الرومان وغلبوهم في مشارف الشام، مما يلي بلاد العرب، ففرح بذلك مشركو العرب إذ قالوا: ان الفرس لا كتاب لهم، مثلنا والرومان لهم كتاب مثلكم لانهم من النصارى، ولننتصرن عليكم كما انتصر الفرس فحلف أبو بكر رضي الله عنه بعد نزول الآية ان الرومان سيغلبون الفرس، بعد هزيمتهم هذه قالوا له: اجعل لنا موعداً ونراهنك على ذلك، فضرب موعداً بسيطاً، ثم استشار النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: زد في الرهان ومد الأجل فإن البضع من ثلاث إلى تسع، ففعل وانتصر الرومان في السنة التاسعة، وأخذ أبو بكر رضي الله عنه الجعل وتصدق به.إ ذن اسم سورة الروم اتضح جلياً عندما تمت معرفة سبب نزول الآية، والقرآن الكريم كما نعلم انه الكتاب المعجز ولا ينكر من ذلك شيء، ولكن بعض العقول في حاجة إلى ترويض وهكذا عالج القرآن مشكلة هذه القلوب بضرب الأمثلة، وهنا في سورة الروم مخاطبة حية لأهل قريش، ودليل واضح ان القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم بل هو من عند الله العزيز الحكيم وذلك ليدلهم على الإيمان والتسليم، فيذكر سورة الروم وقص قصتهم وهي ما زالت حديثة، وأخبرهم عن الغيب وان الروم الذين غُلبوا سوف يأتي وقت آخر ويَغلبون وهذا ما حدث، كما ذكرنا فكان دلالة واضحة على صدقه وإشارة موجهة إلى قلوب كفار قريش لهذا خاطبهم بدلائل العقل والحكمة والمعجزات الظاهرة والباطنة، ولكنهم اعموا أعينهم ولم يتفكروا في أنفسهم من الذي خلقها فسواها؟ ومن الذي قدرها فهداها؟أ ولم يتفكروا في أنفسهم وما انطوت عليه من دقائق ودلائل شاهدة على ان هذا الخلق خلق الله وان هذا التركيب العجيب تركيب الخبير البصير القوي الحكيم، انك ان نظرت في نفسك إلى جهاز الاحساس لرأيت عجباً أو إلى جهاز الدورة الدموية وكيف تخرج من القلب ثم تتفرع إلى فروع فشعريات تصل إلى جميع أجزاء الجسم وهكذا من دلائل عظيمة لا منتهى لها، ألا ينظر كفار قريش إلى خلق السموات والأرض وما فيها لا يمكن ان يكون إلا وفق حكمة حكيم، وتدبير الخبير البصير وأنه لابد لهذا الكون من آخر، وله نهاية ينتهي إليها للحساب والعقاب وانه لا يعقل أبداً ان يُخلق عبثاً إلا لحكمة.وصدق الله إذ قال (أفحسبتم انما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون). هذا قليل من كثير لسورة الروم والتي نقف أمامها وقفة اجلال في مدى ترابط عنوانها بمضمونها، ولماذا سميت بسورة الروم، وما أهمية هذه الدولة إلى ان تذكر في كتاب الله؟ كل هذه الأسئلة وغيرها قد تدور في ذهن المسلم وعلينا توضيح ان مقاصد أسماء السور لها دلالاتها التي توضح لنا منهجيتها في تحديد المراد ونحن نحاول توجيه النظر لدراسة أسرار هذه الأسماء وهنا في سورة الروم فيها توجيه إلى المسلمين ان عليهم الجهاد وما الروم والفرس إلا مثل ليفرح المؤمنون بهذا النصر والذي هو مدعاة للتمسك بهذا القرآن وفيه توجيه للأمة ان تعلم ان النصر من عند الله ولكن على أهل الاسلام ان ينتصروا أولاً على أنفسهم الأمارة بالسوء، ثم يبحثوا عن جهادهم ضد أعدائهم من يهود ونصارى وفرس لأنهم يكيدون لهذا الدين ويحاولون نسفه من كل جهة وأهم جهة عندهم القضاء على شخصية الفرد بذاته فهم لا يقولون لا تصلون أو لا تصومون إلى آخره، ولكن يأتون كما نرى في هذا الزمان بكل وسائل اضعاف النفس من شهوات تبعد المسلم عن دينه، وتضيع عليه صلاته وصومه وكل عباداته، فإذا تحقق هذا فقد نجحوا في القضاء على الإسلام عن طريق أهله ومعتنقيه.أ خي المسلم سورة الروم فيها من الدلائل الارشادية الكثير وفيها توجيه كبير فاحرص على الاطلاع والحفظ والتدبر فيها لأنها سورة رسمت صورة حية لوضع المسلمين ونحن إذ نتحدث في موسم الخير عن خيرات هذا القرآن العظيم ذلك يرجع لنحمل انفسنا على الطاعة ونروض أرواحنا بالإيمان، ونحسن أعمالنا بالعبادة ونكمل شكلنا بالأخلاق واعلم ان الأخلاق الفاضلة من الدين فتجمل بها وكن أخي الصائم من الذين يتزودون من رمضان إلى رمضان ولا أقصد زاد معاش الدنيا كما يفعل البعض في الجري وراء الصدقات والزكوات وكأنهم جوعى ولكن زاد القناعة والإيمان. رزقنا الله وإياك القناعة. والسلام. حتى نلقتي غداً إن شاء الله. سيف الجابري