الحج هو اكثر العبادات الاسلامية اشتمالا على الامور التعبدية التي لا تعرف حكمتها معرفة تفصيلية على وجه التأكيد ولكن لعله ايضا اوضح هذه العبادات اثرا في حياة المسلمين افرادا وشعوبا وكيف لا وقد قال تعالى: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله..» ان هذا التعليل القرآني لهذه الرحلة المباركة التي يقطعها الناس ركبانا ومشاة قادمين من كل فج عميق يفتح لنا بابا رحبا للتأمل في هذه المنافع المشهودة التي قدمها القرآن في الآية على ذكر اسم الله. فالحج شحنة روحية كبيرة يتزود بها المسلم فتملأ جوانحه خشية وتقى لله وعزما على طاعته وندما على معصيته وتغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه وتوقظ فيه مشاعر الاخوة لأبناء دينه في كل مكان وتوقد في صدره شعلة الحماسة لدينه والغيرة على حرماته. والحج فيه توسيع لأفق المسلم الثقافي ووصل له بالعالم الكبير من حوله وقد قالوا: السفر نصف العلم. وفي الامثال السائرة ان حكيما قال: من يعش ير كثيرا فقال آخر: لكن من يسافر ير أكثر. وفي هذا السفر للحج تدريب على ركوب المشقات ومفارقة الأهل والوطن والتضحية بالراحة والدعة في الحياة الرتيبة بين الاهل والصحاب وشاء الله ان يكون الحج الى واد غير ذي زرع لا يصلح مصطافا ولا متربعا وذلك تربية للمسلم على احتمال الشدائد والصبر على المكاره ومواجهة الحياة كما فطرها الله بأزهائها وأشواكها بشهدها وصابها، بحرها وقرها فهو يلتقي مع الصوم في اعداد المسلم للجهاد. والحج من الجانب المادي فرصة متاحة لتبادل المنافع التجارية على نطاق واسع بين المسلمين وقد كان بعض المسلمين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحاشون التجارة في أيام الحج ويتحرجون من كل عمل دنيوي يجلب لهم ربحا او يدر عليهم رزقا خشية ان ينال ذلك من عبادتهم او يحط من مثوبتهم عند الله عز وجل فأجاز الله الكريم لهم ذلك ما دامت النية خالصة والمقصود الاصلي هو الحج ولكل امريء ما نوى «ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم». والحج تدريب عملي للمسلم على المباديء الانسانية العليا التي جاء بها الاسلام فقد اراد الاسلام الا تكون مبادئه وقيمه الاجتماعية مجرد شعارات او نداءات بل ربطها بعباداته وشعائره ربطا وثيقا حتى تخط مجراها في عقل المسلم وقلبه فهما وشعورا ثم تخط مجراها في حياته سلوكا وتطبيقا. ففي الحج نرى معنى الوحدة جليا كالشمس، وحدة في المشاعر ووحدة في الشعائر ووحدة في الهدف ووحدة في العمل ووحدة في القول لا اقليمية ولا عنصرية ولا عصبية للون او جنس او طبقة انما هم جميعا مسلمون برب واحد يؤمنون وببيت واحد يطوفون ولكتاب واحد يقرأون ولرسول واحد يتبعون ولأعمال واحدة يؤدون فأي وحدة اعمق من هذه وأبعد غورا؟ والحج طريقة فذة لتدريب المسلم على السلام واشرابه روح السلام فهو رحلة سلام الى ارض سلام في زمن سلام فأرض الحج هي البلد الحرام والبيت الحرام الذي، جعله الله مثابة للناس وأمنا «ومن دخله كان آمنا» والذي قال فيه عمر: لو وجدت فيه قاتل أبي ما مسته يدي، فهل رأت الدنيا تطبيقا عمليا للسلام وتدريبا عليه كهذا الذي صنعه الاسلام في رحلة الحج رحلة السلام الى ارض السلام في زمن السلام؟ والحج يتيح للمسلم ان يشهد اعظم مؤتمر اسلامي سنوي، مؤتمر لم يدع اليه ملك او رئيس حكومة او هيئة بل دعا اليه الله العلي الكبير الذي فرض اقامته كل عام على المسلمين. ان هذا المؤتمر له اكثر من معنى وأكثر من ايحاء انه يحيي في المسلم الأمل ويطرد عوامل اليأس ويبعث الهمة ويشحذ العزم ان التجمع يوحي دائما بالقوة ويوقظ الآمال الغافية والذئب انما يأكل من الغنم الشاردة. ان هذا المؤتمر اعظم مذكر للمسلم بحق اخيه المسلم وان تباعدت الديار وأعظم مذكر بأخوة الاسلام ورابطة الايمان هذا المؤتمر هو الفرن العالي الذي تذوب في حرارته النزعات القومية والوطنية وتختفي فيه كل الشعارات والجنسيات الا شعارا واحدا «إنما المؤمنون اخوة».