الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. ضيفنا هو الدكتور رجب بويا رئيس الاتحاد الاسلامي بكوسوفو وحديثنا مركز حول مباديء وقيم الاسلام والتي تدعو إلى السماحة والتعايش مع سائر الأديان والثقافات الأخرى.. إضافة إلى واجبات الداعية العصري في زمن العولمة والانترنت والتكنولوجيا الحديثة.. ولأن المسلمين في كوسوفو ذاقوا الأمرين من جراء حرب الابادة الجماعية التي قادها جزار الصرب السابق ميلوسيفيتش كان لابد ان يتطرق الحوار إلى جدوى عقد مؤتمرات دولية لمناقشة مشكلات الاقليات المسلمة.. وفي هذا الحوار الكثير والكثير. عن أهمية الدعوة الاسلامية خارج بلاد المسلمين قال محدثنا الدكتور رجب بويا رئيس الاتحاد الاسلامي في كوسوفو لابد ان يكون معلوما لنا ونحن نناقش قضية الاسلام وتحديات العصر وما يترتب عليها من فرعيات ان الخطاب القرآني ليس موجها إلى فئة من البشر، وكما هو موجه إلى امة الاجابة فهو موجه إلى أمة الدعوة عامة وقال ان التحديات الثقافية وغيرها في الوقت الراهن تتطلب منا العودة إلى المنهج القرآنى وان نعرف ان علاقة العقيدة بالسلوك علاقة وطيدة في التصور الاسلامي الصحيح حين تتمثل ثمرة العقيدة في ربط السلوك بالاعتقاد وجعله جزءا اساسيا في صياغة حقيقة الايمان. وأشار إلى ان الاسلام أضر بالمباديء السامية التي تؤهله للتعايش مع كل الاديان والثقافات داخل بلاد المسلمين وخارجها بلا خوف ولاتردد، والجامعات الاسلامية والمنظمات العالمية العاملة في حقل الدعوة مطالبة باعداد دعاة قادرين على عرض مباديء الاسلام بأسلوب القرن الجديد وبما يناسب عصر المعلومات وثورتها والكمبيوتر والانترنت والبث المباشر والقنوات الفضائية لمواجهة الغزوات الفكرية ومحاولات التشكيك في كل شيء والتي تستهدف جيل الشباب والتكامل الاقتصادى الاسلامي وتطبيق التكنولوجيا وهذان شرطان أساسيان للتعامل مع الواقع الجديد وهناك خطورة على الجيلين الثاني والثالث بدول الاقليات وأطالب وبالحاح بعقد مؤتمرات اقليمية للاقليات تمهيدا لعقد مؤتمر عام يضع حلولا عملية قابلة للتنفيذ لمشكلاتهم لوضع معايير واضحة وضوابط للداعية المطلوب في هذه المناطق وطرح القيم التي افرزها مدعو الحضارة ووضع علامات استفهام على ما لايناسب اسلامنا الحنيف . الالتزام شرط للداعية ـ ماهي الشروط المطوبة في الداعية الاسلامي خارج بلاد المسلمين ـ لابد ان تتوافر فيه الاهلية والصلاحية المطلوبة والضرورة لهذا الامر منها ان يدعو إلى الله عز وجل ملتزما الحكمة سالكا مسلك اللين بعيدا عن العنف والتنفير لقول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن، إن ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين) فهذا توجيه عام لكل من يدعو إلى الله ويعرض الإسلام على غيره . وثانيا أن يكون الداعية إلى الله تبارك وتعالى على بصيرة من أمره، ودراية تامة بما يدعو إليه لقول الله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) فهذا النص القرآني الكريم يلزم الدعاة إلى الإسلام والذين يبلغون رسالات الله للناس ان يكونوا على بصيرة ومعرفة تامة بأحكام الإسلام أولا، ثم العلم التام بأحوال من يدعونه مراعين كل الظروف والملابسات التي تحيط بالدعوة التي وفقهم الله إلى سلوك طريقها. وثالثا: أن يكون الداعية مأذونا فيما يدعوإليه الناس لقول الله تعالى: (يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) فهذا قيد على كل داعية لابد أن يكون مأذونا وإذا كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم قد منح الإذن من الله فإن نوابه وورثته الداعين إلى الله، والمأذونين منه صلى الله عليه وآله سلم، قد خولتهم الشريعة الغراء أن يأذنوا لمن يرونه أهلا للدعوة أن يقوم بالدعوة إلى الله، وهذا الإذن من صلاحية العلماء، ومما خص الله به العلماء وميزهم به أن يجيزوا ويأذنوا لكل داعية صالح للدعوة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلق عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين). ورابعا: يجب على الداعية إلى الله تعالى أن يكون في دعوته مبشرا لا منفرا، وميسرا لا معسرا، مراعيا ظروف كل بيئة وماتتميز به، وان يختار من الأساليب والوسائل ما يعينه على نشر دعوته، وبذلك يتحقق القبول لها ممن يدعونهم، متجنبا المسائل الخلافية، سالكا الطريق المثلى في المناقشة والحوار متحليا بالرفق واللين، وقد ذكر لنا القرآن الكريم ما وصى الله به موسى وهارون (عليهما سلام الله) في دعوة فرعون في قوله تعالى: (إذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى).. فهذا التوجيه القرآني العظيم يحتم على الداعية ان يسلك مسلك اللين مع من يدع، مهما كانت ظروف المدعو، ولهذا قال المولى تبارك وتعالى لنبيه المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين). فإذا كانت هذه مباديء وشروط عامة أوجبها الله سبحانه وتعالى على من يقوم بعرض الإسلام في كل زمان ومكان، فإن تغير البيئات وتنوع الثقافات المتعددة من قطر إلى قطر ومن بلد إلى بلد ومن قوم إلى قوم. فإن هذا الأمر يتطلب أيضا بالاضافة إلى ماسبق خصوصيات معينة تتلاءم مع كل بيئة، وإذا كان من المسلمات عند المسلمين ان الإسلام رسالة عامة عالمية مخاطب بها الكون كله حيث قال عز وجل: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لايعلمون).. وقال جل شأنه: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) وقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. (الانبياء: 107).. وقوله تبارك وتعالى: «قل يا أيها الناس إنى رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو يحيى ويميت، فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون» وقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم ضمن حديث طويل (كان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).. وقوله صلوات الله وسلامه عليه: (إنما أنا رحمة مهداة). فمن هذه النصوص يتضح انه يجب على المسلمين أن يتخذوا من الوسائل والأساليب ما يمكنهم من القيام بعرض الإسلام على شعوب الأرض جميعا إلتزاما وإنسجاما مع هذه النصوص التي توجب عليهم ذلك. الريادة البشرية جمعاء وقال رئيس الاتحاد الاسلامي بكوسوفو: إذا كانت القارة الأوروبية هي جزء حيوي وفعال في هذا العالم فإنه يجب على المسلمين ان يعرضوا الإسلام علي هذا الجزء الحيوي من العالم مراعين في ذلك الخصوصية التي تمتاز بها أوروبا من التقدم العلمي، وامتلاك احدث وسائل التقنية الحديثة وسيطرة القوة المادية على شعوبها مع شدة احتياجها للمدد الروحى والإيمانى، فهي وإن كانت قد تقدمت تقدما مذهلا في الاكتشافات العلمية واستطاعت السيطرة شبه التامة علي البيئة إلا انها فقيرة جدا في ميدان البناء الإنسانى وقيمه الرفيعة. إن هذا الأمر يجب ملاحظته عند عرض الإسلام في الغرب، فإننا إذا استطعنا ان نخاطبهم من هذا المنظور، فإنهم سيجدون في الإسلام بغيتهم من الدواء الناجع لأمراضهم والبلسم الشافي لما يشكون منه. وقال إن العالم العربي والاسلامي يشكل أكبر حشد بشري واقتصادى على الساحات العالمية بل ان موقع العالم العربي والإسلامي يمثل قلب العالم ونقطة الارتكاز العامة والأساس في حركة التوازن والاستقرار فيه، لذا لابد ان يدرك المسلمون اهمية وخطورة مكانتهم، واهمية دورهم على الساحة العالمية، مع ادراك واجب التكليف الرباني، وقد اكتسبوا به موقع الريادة البشرية جمعاء، ولتحقيق فعالية الوجود الإسلامي. وان حاجة الناس إلى نظام عالمي يقيم حياتهم على العدل والأمن والرخاء، والسلام مطلب قديم تحدث بشأنه الفلاسفة والمصلحون عبر الزمان وتصوره (أفلاطون) في مدينته الفاضلة وتنادى به العرب في جاهليتهم إلى حلف ينصرون به المظلوم، ويضعون حدا للظلم والجور في مجتمعاتهم. وجاء الإسلام فلبى حاجة فطرة الإنسان، وحقق للناس أحلامهم، ووضع لذلك قواعد ومبادئ وقيما وأحل سلوكيات وأدبيات، وعاش الناس في ظله قرونا طويلة ينعمون في الأرض بالرخاء والعدل . ثم حدث خلل خطير حجب الإسلام عن حياة الناس فكان إضطراب كبير في الأرض، وأشعلت حروب أكلت الأخضر واليابس، مما فرض على صناع القرار من عقلاء الأمم أن يتنادوا إلى نظام يجذب البقية الباقية من الأرض الى (هيئة الأمم المتحدة) لتكون الإطار المؤسس للنظام العالمى يومئذ، ووضعت لهذه الهيئة أسس وهي: المساواة، وحب الإسلام، والعضوية مفتوحة للجميع، وفي إطارها وضع (ميثاق الأمم المتحدة) الذي استدرك على قيمه ومبادئه أصحاب التحكم بموازين القوى فقيدوا فاعليته وأدوا خيريته بما ميزوا به أنفسهم من حق سموه (حق الفيتو) الذي أعطاهم حق رفض الحق إذا تصادم مع أهوائهم ومصالحهم، وعاش الناس مع هذا الخلل الكبير على أمل الإصلاح والتغيير إلا أن الزمن أخذ يؤكد للجميع أن هذا النظام معطل ولا يلبي حاجة أكثر من الأمن والسلام، وأعلن ذلك رسميا بقرار مشهور من الأمم المتحدة اتخذته في دورتها لعام 1974م جاء فيه أن النظامين السائدين (الشيوعية والرأسمالية) عاجزان عن تحقيق الأمن والعدل والسلام بين الناس، ولايوجد نظام عالمي جديد يحقق للناس آمالهم وينهي آلامهم، ويحقق لهم الأمن والعدل والسلام. ـ من خلال قيادتكم لمؤسسة عالمية. ماذا تقول لمن يحاولون الصاق تهمة التخلف والرجعية للإسلام؟ وماهو السبيل للحاق بركاب العصر؟ ـ لاشك في أن الإسلام قادر على أن يواكب الحياة ويقودها في القرن الحادي والعشرين المتسم بالتفوق العلمي والتكنولوجى المتسارع ويستطيع أن يقف أمام الإصرار الأوروبي والأمريكي ومخططاته على فرض السيطرة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والعسكرية على العالم بصورة أبدية والإصرار على بقاء الأمة الإسلامية ضعيفة فقيرة مجزأة . لكن هل يستطيع المسلمون أن ينقوا حياتهم وينظفوها مما علق بها من شوائب الفكر الأجنبي وثقافته والتي هي غريبة عن عقيدتهم ومجتمعاتهم وحضارتهم نعم يستطيعون ذلك. ولكن الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة مشتركة واعية لتبقى الشوائب شاخصة واضحة فلا تختلط على الأمة الأمور . ولاريب أن القرآن الكريم هو الركيزة الأولى لأي عمل إسلامي كبير، وهو الروح التي تصب في عقولنا وقلوبنا الأمل الباسم في التغلب على المصاعب والوصول الى الأهداف المبتغاة. وتحقيق وحدة الأمة مهما كانت الغيوم والسحب كثيفة في أجوائنا الحاضرة وعدم تجاهله في التشريع والحياة . وأضاف إن الأمة تعيش واقعا صعبا يوحي بثقل الأعباء المستقبلية، من تفتت الأمة وتأخرها عن ركب العالم المتقدم، وإرتباطات دولية وقوى هائلة متحكمة في العالم ومصيره . ولكن هذا الواقع مهما كانت صعوبته ومهما كانت مرارته لاينبغي أن يحول بين الأمة والعمل والتصميم على تذليل كل العقبات التي تقف في طريق نهوضها . وهي في الوقت نفسه تحتاج إلى صبر ومصابرة وإلى إيمان بالحق وإلى جهود مخلصة بناءة مصممة على نيل الحقوق وتذليل المصاعب التي تعترض مسيرتها . عبد الوهاب حامد