دون كيشوت أو دون كيخوته حرفيا في اللغة الاسبانية رواية تجمع بين وهم الخيال وحقيقة الواقع. كتبها مؤلفها في جزأين ونشر أولهما عام 1605 ثم أصدر الثاني عام 1615. تقع حوادث الرواية من حيث الزمان في أوائل القرن السابع عشر وتستغرق دورة أحداثها نحو عشرين سنة من حياة أبطالها وفي مقدمتهم الدون كيشوت نفسه الذي نلتقي به في بداية جزأها الأول وعمره خمسون سنة ثم ينتهي به الحال مع ختام الجزء الثاني وقد نيف على السبعين. ومن حيث المكان فمواقع أحداث الرواية في قرى اسبانيا وبالذات في اقليم لامانشا بوسط البلاد ثم في جبال سيرا موريتا وأخيرا في مدينة برشلونة. والطريف ان مؤلف الرواية ـ ميجيل سيرفانتس عمد إلى حيلة فنية في مجال السرد الروائي حين حاول ان يوهم قارئيه ان جزأها الأول استنفد ما كان عنده من مادة القصة والأحداث.. ومن ثم سكت عن الكلام المباح كما يقولون عدة سنوات.. وفيما كان يجول في أسواق مدينة طليطلة عثر ـ كتر الله خيره ـ على مخطوط مكتوب باللغة العربية يحوي بقية الأحداث، والمخطوط كان من وضع المؤرخ الاسباني المسلم سيدي حامد بن غالي كما يزعم سيرفانتس مما شجعه على اصدار الجزء الثاني من الرواية بعد ان وجد مترجما نقله من العربية إلى الاسبانية. وقت الأحداث لم يكن قد انقضى سوى قرن واحد تقريبا على زوال دولة العرب المسلمين من الاندلس بكل ما نعمت به من ازدهار وبكل ما خلفته على أهلها وعلى شعوب أوروبا من تأثير عميق يستوي في ذلك مجالات الفيزياء أو الطب أو الفلسفة أو أساليب السلوك في الحياة اليومية. المبدع ميجيل سيرفانتس (15471616 ـ نفس عام وفاة ويليام شكسبير) مولود في الكالا (أصلها القلعة) دي هيناريس من أعلى اسبانيا يعده النقاد العالميون في مكانة «الاب» للرواية الحديثة في آداب العالم. لا نعرف شيئا مذكورا عن تعليمه أو عن تكوينه الثقافي أو المعرفي، الذي نعرفه انه حارب في جيش اسبانيا ضد الاتراك الذين هزموه وأسروه خمس سنوات في الجزائر وانه عاش في مدينة اشبيلية موظفا حكوميا متواضعا.. وان حياته كأديب كانت مجللة بالفشل والاحباط حتى اطلقوا عليه اسم «مستنقع الوحل» وعندما شارف على الخمسين كاد يفقد الأمل في ان يكون شيئا مذكورا في عالم الأدب والفن لولا ان لمعت موهبته في تلك السن المتأخرة ابداعا.. فقدم الى الناس الجزء الأول من رواية «دون كيشوت دي لامانشا» التي حققت فور نشرها نجاحا باهرا. وقد أخرجت مسارح برودواي في نيويورك عملا أوبراليا موسيقيا عن الرواية بعنوان «رجل لامانشا» وهو اسم الضيعة التي كان يملكها ويعيش فيها «دون كيشوت». ونظن انها مستقاة من كلمة المنشأة أو المنشية في اللغة العربية والله أعلم. أصل الحكاية في ضيعة لامانشا ـ وسط اسبانيا يعيش بطل الرواية الونسو كيشانو أو كويكسانو.. سيد في منتصف العمر استبد به الشغف لقراءة روايات الفروسية التي كانت شائعة في زمانه، تلك الأعمال التي يسترسل فيها مؤلفوها في أوصاف وحكايات ما أنزل الله بها من سلطان حول فرسان الزمان الماضي الجميل حول مروءاتهم واغاثتهم للملهوف وانتصارهم للضعفاء وانقاذهم لكل من يقع في ضيق وحسن معاملتهم للنساء وخاصة الشابات الجميلات.. يحارب الفارس كي يصون شرف الحسناء وكي ينال رضاها ولو جاء على شكل منديلها المطرز الرقيق تلقي به الأنامل الغضة المخضبة بحناء النعمة الموفورة مشفوعا بابتسامة من ثغر الغادة الحسناء وقد انتصب قوامها الممشوق من أعلى القلعة الفارهة التي تعيش بين أسوارها.. يلتقط الفارس الشجاع المنديل عربونا على الرضا السامي فينطلق لسانه بجميل الشعر وعاطر الثناء ... إلخ. نكاد نقول ان سيد الضيعة قد انكب على قراءة هذه الروايات والحكايات فاذا بها تلحس عقله ان جاز التعبير.. وتملأ عليه ساعات الليل والنهار واذا به يتحول من مجرد قارئ شغوف الى مشروع فارس يلبس الدرع ويمتشق السيف ويمتطي صهوة الجواد وينطلق في المروج والجبال والغابات بحثا عن مغامرة يخوضها أو ضعيف ينصره أو ملهوفة يغيثها. وهكذا كان: خلع على نفسه اسما مهيبا هو الدون (السيد الوجيه الأمثل) كيشوت دي لامانشا واصطنع درعا صدئة وسيفا عتيقا من مخلفات الماضي ولم يكن لديه سوى حصانه الاعجف العجوز فامتطاه وقد خلع عليه بدوره اسم «روسانتي» ولما كان ميثاق السلوك عند فرسان العصور الوسطى يقتضي ان يكون لكل فارس مغوار غادة محبوبة يعشقها ويشبب بها ولما كان الفارس الجديد ـ بطل الرواية ـ «مزنوقا» في امرأة ـ أي امرأة ـ تملأ هذا الفراغ لم يجد سوى الفتاة القروية الساذجة الدونزا لورنزو التي نالت بدورها لقبا أروع وأفخم هو دولسينا دل تويوسو (يعني الحلوة فائقة الجمال). بعدها وجد دون كيشوت نفسه فوق حصانه الهرم منطلقا على الطريق ـ وهو ما أتاح للمؤلف أن يسرد ويصور حكايات ومغامرات رجل يتغذى بالخيالات ويتعيش على الأوهام ويتصور نفسه فارسا وهو ليس بفارس ولكنه يواجه المآزق ومواقف الحرج الشديد بعزم أشد وصبر لا ينفد له معين: يصادف نفرا من التجار في طريقهم الى مدينة مرسية (المغربية) لشراء الحرير ـ يلح عليهم ان يعترفوا بأن معشوقته دولسينا ... الخ هي أروع جميلات الدنيا ـ وحين يعترض بعضهم يشرع دون كيشوت سيفه الذي ليس بتارا ويهمز حصانه الذي ما ان تحرك حتى تعثر وأوقع الفارس بغتة على الأرض فكان ان أوسعه التجار ضربا وتركوه في عرض الطريق. وحين نقله المعارف الى بيته وسألوه عما حدث أجاب بكل ثقة انه كان يحارب ولا فخر في معركة مع عشرة رجال ... هنالك أدرك الأصدقاء والجيران كم أضرت بعقله قراءة تلك الكتب الحافلة بالحكايات. وكان طبيعيا أن يعقدوا محاكم للكتب وان يحرقوا بعضها (طبقا لتقاليد محاكم التفتيش البغيضة التي كانت قد شهدتها أوروبا فيما سلف مباشرة من عصور). وحين افاق دون كيشوت من آثار معركته اياها وفتش عن مكتبته ومحتوياتها افهموه ان ثمة ساحرا اطلق عليها تعاويذه فكان ان اختفت من الوجود بعدها انطلق دون كيشوت الى رحلات اخرى واصطحب معه هذه المرة مساعدا على متن حمار هو جاره في المزرعة، سانكوبانزا (بانزا في الاسبانية تعني البطن او الكرش) اشارة الى بدانة ذلك الجار الفلاح الذي صاحب دون كيشوت طامعا في ان يكون واليا او مختارا ولو علي جزيرة في اي مكان. هنالك يزداد اضطراب العقل عند دون كيشوت.. يصادف طواحين الهواء وقد دارت اجنحتها فيتصورها تشكيلات من الفرسان المحاربين فيشرع سيفه لزوم المواجهة في ساحة القتال.. يدخل خانا صغيرا مظلما كئيبا فإذا به يطلق لسانه بفصاحة كي يشيد بتلك القلعة المنيفة التي تزرى بقصور الاندلسيين تلقاه عاصفة من غبار في بعض الطريق فيتصوره غبار معركة ولا يتردد في خوض غمارها واذا بالموقف ينجلي عن قطيع من الاغنام كان يعبر الطريق وقد ادت مروءات دون كيشوت وصاحبه الى تشريد افراد القطيع ومن ثم يحق للراعي ان يمطرها بالحجارة والسباب 74 فصلا تحويها الرواية تمر امام عيون وذاكرة القاريء مثل شريط السينما وتصور الحياة الاسبانية منذ خمسة قرون.. الطرقات المتربة.. الفنادق الرخيصة.. لؤم التجار ونفاق الخدم والملل الذي يستبد بالطبقة الارستقراطية فيدفع افرادها الى التسلية بأي طريقة ولو على حساب رجل عجوز اختلط في عقله المجهد طيوف الخيال مع رواسب القراءات القديمة بعيدا عن حقيقة الواقع. في الفصل الاخير يعود دون كيشوت الى ضيعته وبيته، عشرون عاما امضاها مجهدا محاربا (او هكذا كان يتصور) وها هو يعود الى فراش المرض تأخذه نوبة الغفلة وحين يفيق منها ينسى انه كان يوما الفارس الهمام الدون كيشوت دي لامانشا ولا يذكر سوى اسمه الاصلي الذي بدأت به الاحداث.. الونسوكيشانو الطيب.. يحمد مولاه ان حقق احلامه في الفروسية وبعدها تفيض روحه الى بارئها. الافكار و الرموز و الدلالات .. كان المؤلف سيرفانتس يغمس قلمه في مداد بغضه لروايات المغامرات الخيالية التي طالما ملكت على الناس حياتهم بل افسدت ـ في رأيه ـ قدرتهم على معايشة الواقع والتعامل مع حقائق الامور، روايات ظلت تشيد بابطال الملك الانجليزي آرثر وفرسان المائدة المستديرة.. وغيرهم من ابطال الاساطير الذين كرسوا في نفوس الناس الاطلالة على الحياة من منظور مثالي.. خيالي.. يهوم ويحلق في اجواء الفضاء مما ينال من احساسهم بالمسئولية ازاء مشاكل الحياة وتبعاتها. اراد سيرفانتس ان يكتب رواية هجاء لتلك النوعية، من الادب الذي كان يتصوره ضارا بعقول الناس على نحو ما كان ضارا بعقل بطله دون كيشوت. .. لكن سيرفانتس لجأ الى اسلوب السخرية لكي يضحك القاريء ـ ويستوعب الدرس المطلوب في آن واحد. ولكي يفسح الكاتب لنفسه مجال التعليق والتواصل المباشر خلال السرد مع قارئه ـ فقد اصطنع ـ كما اسلفنا ـ حكاية المخطوط المكتوب بالعربية نقلا عن الراوية المسلم «بن غالي» وبهذا امكن للروائي ان يخاطب قارئه مباشرة فيشجعه مثلا على ان يناقش بل ويفند ما تعرضه الرواية من آراء وما ترسمه من صور وما تسوقه من وقائع وأحداث. اكثر من هذا: يعمد الروائي الى ثنائية التصوير لان الرواية تتحرك فصولا من خلال ثنائية الخيال الواقع في عقل البطل دون كيشوت.. لذلك اصبح من مسئولية القاريء ان يناقش المسألة ويتأكد من واقع الصورة المزدوجة المقدمة اليه: طواحين هواء أم فرسان؟ امرأة قروية ام حسناء ارستقراطية؟ دكان تاعس معتم أم قلعة باهرة منيفة؟ في ذاكرة الانسانية ما زالت دون كيشوت تحتل مكانة سامية ورائدة في سجل الاداب الانسانية الحديثة.. حيث تجمع بين خط الملهاة الساخرة من تصرفات البطل فيما يكمن تحت السخرية خط المأساة المفعم بالشجن.. أي السخرية من محاولات البطل ان يكون فارسا ولكن سطورها تكاد تأسى في نفس الوقت على عصر الفروسية الذي اندثرت معالمه وضاعت معه قيم المروءة والشجاعة والشهامة.. بل ان دون كيشوت نفسه هو الذي ينعي على الناس ان فقدوا براءتهم وضاع عليهم العصر الذهبي للحضارة. وغدا نواصل