التوجه الى فن القصة القصيرة.. قراءة وكتابة، توجه يقوم على فعاليتين: الاولى: ايصال حكمة او رسالة وفق لغة تنشد رشاقة اللغة. الثانية: تحقيق متعة حسية لمعطيات الرسالة. الا ان فن القصة القصيرة في العراق بات يعاني من عقبات شتى ومن رؤى مختنقة عاجزة عن الانفلات من حالة الاختناق هذه. القصة راحت تحكى.. بطريقة تلقائية أشبه بالاحاديث اليومية الكسولة التي يسودها التكرار والتثاؤب والانشائية والحوار السقيم. وراحت تحدد برنامجها المباشر الاكثر حتى من النداء الاعلامي، حتى أصبحت نبرة خطابها المباشر.. سمة يمكن ان نشهدها على وفق نهج واضح وصورة بارزة. واختفت اللغة الشعرية المنتقاة، الصافية من قلب القصة القصيرة. ويعود السبب في هذا الى ندرة ما يقرأه ويتواصل معه القاص العراقي من كتابات قصصية عربية وعالمية.. في وقت يحاط بالخطاب الاعلامي والخبر الساخن والحدث السريع وما يتعلق به من فعل متوتر وقلق مستمر. القصة.. فن تأملي وخطاب يحتكم الى مشروعية الدلالة المنطقية التي ينشدها، انه ليس نتيجة للحظة انفعال سريعة كما هو الشعر، ولا لحظات تجل في الالوان كما هو شأن اللوحة، والى احتكام الى التضاد كما هو المسرح. القصة.. فن يحيا بين الناس، يعيش في وجدانهم ويعبر عن مشكلاتهم واحاسيسهم وتجاربهم، مثلما هو فن الايهام والمخيلة والتأمل الذي ينشد فاعلية الحياة وحركتها وديمومتها.. فكيف يمكن ان يحيا مثل هذا الفن ضمن محيط قلق ومتوتر وغير مستقر؟ ان ما ينشر من قصص قصيرة في الوقت الراهن.. محدود كماً، ومحدود جدا في تقديم رؤى جديدة تعبر عن البيئة المتحركة والمناخ القائم.. واصبح من النادر ان نقرأ قصصا حية فاعلة ومؤثرة كما كان عليه الحال في الحقب الزمانية الماضية. القصة العراقية تعاني من الكسل والرتابة والتقليدية والتقريرية. ان الألق الذي عرفناه في قصص محمد خضير وجليل القيسي بات مفقوداً. في حين شغلت لطفية الدليمي بكتابة نصوص مفتوحة او التوجه الى دراسة الادب النسوي او الترجمة. ومهدي عيسى الصقر ومحمود عبدالوهاب لا نقرأ لهما الا القليل النادر. وعدد من كتاب القصة يغادرون المساحة المحدودة لهم في الصحف والمجلات العراقية، لينشروا قصصهم في مجلات وصحف عربية في محاولة لايصال اصواتهم المحاصرة في ظل حصار ظالم طال امده.. ومن اجل تعويض مادي للجهد الابداعي الذي يقدمونه.. مما يعينهم على مواجهة حياة اقتصادية صعبة. ان ما ينشر من قصص عراقية سواء على صعيد المجاميع القصصية ـ وهي قليلة جدا ـ او على صعيد ما ينشر في الصحف والمجلات.. محدود في افقه، فقير في مخيلته، عازف عن معانقة المشكلات الاجتماعية الراهنة، بعيد عن آنية الحدث، محفوف بالغربة والتعقيد والعتمة والتلوين اللفظي الذي لا لون له.. مما يجعل هذا الفن، يعاني من عقدة المعاني الغائبة تارة، والانشائية والثرثرة تارة اخرى. ولا نجد حركة نقدية موازية لما ينشر، حتى اصبحت كل القصص تنشر دون ان تلقى اي صدى.. لا من القراء ولا من النقاد، حتى اصبح الجيل القصصي الراهن يفتقد تماما الى نقاد يرصدون منطلقاته وتطوره. مثل هذا الواقع، بات يشكل ظاهرة سلبية في مسيرة الفن القصصي العراقي، حيث لم نعد نقرأ للجيل الذي رسخ اقدامه في هذا الفن، ولم يظهر جيل قصصي جدير بالانتباه وجدير بالمناقشة. ويكمن السبب في هذا الحال الى انصراف القاص الى شئون صحفية من شأنها ان تدر له مالا لتحسين اوضاعه الاقتصادية.. او الانصراف الى أعمال اخرى لا شأن لها بالقصة والثقافة عموماً، الى جانب محدودية النشر، ومحدودية الاهتمام بهذا الفن الذي يتطلب قدرا من الانطلاق في افاق رحبة.. والى وضع نفسي مستقر وتأمل يمكن لصاحبه ان يعيش لحظة تخيل وتجل بعيدا عن ثقل الحياة اليومية والتزاماتها القسرية. القصة العراقية، قصة رهنت نفسها لظروف عصيبة، ليس من السهل الخروج منها الا وفق متغيرات جديدة يشهدها عراق يخرج من ازمات الحصار عليه.. وحالات استقرار حياة آمنة. حسب الله يحيى