ما ان دخلت على ابو النور وتبادلنا التحية وجلسنا حتى لفت نظري وجود مبخرة نحاسية من تلك التي نراها في الافلام المصرية بحفلات الزار وتكون للوقاية من عين الحاسد او لاستخراج الجني من بعض المرضى بالوهم، سألته «ما هذه؟» فقال: مضى على يومان وانا افتل في اسواق حلب حتى وجدتها فاشتريتها. قلت: ولكن على علمي انك تضع فوق جهاز التلفزيون الحبوب التي تعطى للجلطة وتوضع تحت اللسان.. وانذارات المياه والكهرباء والهاتف لكي تتذكرها في الصباح وتهب لدفعها كيلا يقطعوا عنك هذه الخدمات فيتحول بيتك الذي تشبهه بالوكر الى وكر حقيقي.. وحينما تسرف في التهام الحلوى، انت المصاب بداء السكري، فإنك تضع وصيتك على ظهر التلفزيون لأنك تتوقع ان «تنفخ» الروح، فلا يعاني من يدخل عليك وكرك من ايجاد الوصية. ضحك وقال: ـ لا هذه ولا تلك ولا هاتيك، اسمع هذه الحكاية ولسوف تفهم: حينما كنا في الخامس الابتدائي كان معنا فتى يفترض به ان يكون في الصف الحادي عشر، فقد رسب بين الاول والخامس ست مرات، اضف الى ذلك انه كان كبير الجسم، غزير الشعر، واسمه كامل. وقد جاءنا في مطلع العام معلم شامي، دخل الصف ففوجيء بكامل الضخم جالسا بيننا نحن الصغار، فتوجه نحوه وقال له «مرحبا يا استاذ!» فقال كامل: ـ انا لست باستاذ، يا استاذ! قال المعلم: انت اذن احد اولياء التلاميذ. نفى كامل، ذلك فسأله المعلم عمن يكون، فقال انا تلميذ يا استاذ! فبلغت دهشة المعلم مداها، وصفر بفمه وقال له: ـ يا ساتر يا رب، انت تلميذ؟! حسنا، اخرج الى السبورة. فقام كامل، وكان من عادته كلما قام ان يقوم معه المقعد، ثم يخلص نفسه منه بصعوبة، واتجه نحو السبورة. قال المعلم: اكتب «انا اعطيناك الكوثر» لم يتحرك كامل، فقال المعلم: اكتب «العلم نور والجهل ظلام» لم يرد قال اكتب «جسم البغال واحلام العصافير» لم يتحرك قال: اكتب «واحد زائد واحد يساوي اثنين» لم يرد اخيراً قال له: ـ هل تعرف كيف تكتب اسمك؟ فقال كامل بحماس: نعم استاذ، وامسك بقطعة الطبشور وكتب اسمه من يمين السبورة الى يسارها بطول ثلاثة امتار ونصف. قال المعلم ساخرا: ما شاء الله عليك يا كامل، انت ولد شطور، ولك مستقبل باهر. ولكن عليك ان تنتبه الى مسألة مهمة للغاية، وهي ان الناس لا يتركون ذكاء خارقا الى هذه الدرجة يمر بسلام، ولذا فإن عليك الآن ان تحمل حاجياتك وتذهب الى البيت، وتطلب من ابيك ان يأخذك الى احد المشايخ من ضاربي المندل ويبخرك بالبخور، ويكتب لك حجابا يقيك من العين ومن شر النفاثات في العقد. انقطع كامل عن المدرسة اربعة ايام، وفي اليوم الخامس جاء برفقة ابيه الذي اعتذر للمعلم اعتذاراً رقيقاً وقال له: ـ لا تؤاخذني يا استاذ فوالله ما ان اخبرني كامل برغبتك في ان نبخره ونضع له حجابا يقيه من العين، حتى اصطحبته بيدي، ورحنا نلف وندور على المشايخ وضاربي المندل، ولكن اتضح لي ان الحكومة تطاردهم في هذه الاونة وتتهمهم بأنهم دجالون، ومن كان منهم يعمل في العلن قبضوا عليه واودعوه السجن، ومن كان يعمل في السر توارى عن الانظار فما عاد يعرف اليه طريق، اخيرا وفقنا الله الى واحد ابن حلال وكتب لكامل هذا الحجاب. بلغت دهشة المعلم حدا كاد معه يخرج من جلده وقال لابي كامل: ـ عفوا يا عم، يوجد التباس صغير، فأنا لم اطلب من كامل ان يصنع الحجاب لنفسه، بل لأبيه!! ضحكنا عاليا وطويلا، وقلت لأبي النور: بشرفي يستاهل ولكن قل لي، لماذا احضرت المبخرة، ولماذا تضعها فوق التلفزيون؟ فقال لي: انت تعرف انني متقاعد وامضي معظم وقتي جالسا امام التلفزيون، وبيدي جهاز الريموت كونترول، ولذلك فإن المبخرة تلزم لي بين اللحظة والاخرى، امس مثلا شاهدت لقاء مع رجل يزعم انه مفكر، امضى اكثر من ساعة وهو يلف ويدور ليقنعنا بأننا شعب لا تليق به الديمقراطية، ولا يفهم إلا بالعفس.. بخرته! مذيع اجرى لقاء مع مفكر وهو لا يعرف عنه شيئا، بخرته، مجموعة من النساء الجميلات والشباب الوسيمين قدموا برنامجا من ساعتين عبارة عن هز وخلع وهيصة وضحك مجاني، بخرتهم! واما ذلك المطرب الذي تنبأ بظهوره ابن الرومي قبل مئات السنين واصفا صوته بقوله: فكأن جرذان المحل كلها في حلقه يقرضن خبزا يابسا فقد جلس يتكلم عن انجازاته في ايصال الاغنية اللبنانية الى كافة انحاء الوطن العربي. ووقتها سألته المذيعة قائلة: وما قولك بالرحابنة وفيروز وفيلمون ونصري وزكي ناصيف؟ فقال بتواضع جم: انا لا اذكر بأنه كان لهم دور في ذلك هل تعرف ماذا فعلت به؟ قلت: ماذا؟ قال: لقد بخرته «وبخرت اباه» على طريقة المعلم الشامي!