في خاطرة سابقة كان محك النقد قد عرض رواية السبيكة عرضاً موجزاً اقتصر على سرد الاحداث، والتعليق على بعض الافكار، وهذه الرواية مقسمة الى اربعة وعشرين فصلاً موزعة على 362 صفحة. واول ما يتبادر الى الذهن ان هذا التقسيم قد يضعف تسلسل الاحداث وترابطها، والحق ان مقدرة الكاتب استطاعت ان تحافظ على التلاحق والتساوق، وان التقسيم اضفى عليها شيئاً من التنظيم اعان القارئ على مواكبة الاحداث مرحلة اثر مرحلة، ومكّن الكاتب من الامساك بخيوطها، ومن ادارة الاحداث بهذه الخيوط حول محور واحد، كأنه يدير سلسلة معدنية مرنة حول سبابته، ووهبه القدرة على ابقاء شعلة التشويق متوهجة من مبدأ القص الى منتهاه، فأثار ولم يمل. لقد استطاع الكاتب ان يجري الاحداث ـ على كثرتها واشتباكها ـ في مجرى واحد. فاذا انشعب من المجرى الكبير فرع اعاده الى مجراه بعد حين، ولذلك ظهرت هذه الاحداث الفرعية كأنها شرايين وأوردة تغذي جسم الرواية بدم واحد، ينبع من القلب ويصب فيه في حركة متناغمة، وبناء مرصوص، خلا من الفجوات والكهوف التي يغوص فيها اصحاب الطرق التجريبية الحديثة، وهم يحللون نفوس الشخصيات، فيتحللون من وحدة الحدث. ان السمة البارزة التي تسم احداث السبيكة هي الترابط واحكام العقدة، والبراءة من التقطع والوهن، والحفاظ على التوتر بدرجات متفاوتة من الفصل الاول الى الفصل الاخير. وهذا التوتر يجعلها من الروايات الصالحة للتمثيل القادرة على شد الاسماع والابصار، وغزو الاعصاب بالمتعة الفنية الراقية. اما فكرة الرواية ـ وعنوانها يدل عليها ـ فهي تأثير المال في جوانب الحياة المختلفة، وسلطانه الذي لا يقاوم على نفوس البشر، فقد اراد مؤلف السبيكة محمد مروان اتماز السباعي ان يجعل سبيكته رمزاً لقوة صامتة طول الدهر، لكنها تنطق الابكم بلسان فصيح يصغي اليه خطباء الدنيا ساكتين قانتين، وهي كتلة صلبة من معدن جامد، لكنها تحرك النفوس وتفجر المطامع، وتثير فيها اضرى انواع التنافس والتناحر، فتجعل ارباب الاموال اسماكاً، يأكل كبيرها الصغير، وتضع بين ايديهم قوة سحرية، يشترون بها القيم، ويفسدون الضمائر، ويحددون المصائر، ويتحكمون في الحكم، ويسنون الشرائع، ويفرضون سيادتهم في كل معترك. وحسبك دليلاً على ذلك ان بريق السبيكة طاف بوجه الشريد الطريد احمد، فاذا هو نجم المجتمع الوضيء، وان سحرها انطلق من عصا لؤي، فسخر له جبروت الحاكم، وان شعاعها اخترق قلب خالد، فأحرق مثله العليا، واقتلعه من ماضيه وحاضره، وزرعه على تخوم ارض جديدة، فنسي اباه الشهيد، واوسمة الشهادة، وتبرّأ من العمل والعمال، وغرق في طوفان المال، وان صفرتها اطفأت زهر الوزان، فذوى وانزوى، واقرّ بأن المال فوق الحب، وانه نقل تفاحة القرية من رحابة الحقل الى اصيص القصر، ليمتص رحيقها بعل كهل. وبين الاشعة المنطلقة من السبيكة تتراءى لك ثقافة الكاتب، اذ استطاع ان يمد اطراف الفكرة لتسع افقاً رحباً من آفاق الصراع، وان يكشف صلة السبيكة الصغيرة بالسبائك الكبرى، فسبيكة الحاج احمد وسبائك امثاله من ارباب الصناعة المحلية ليست غير شذرات من ذهب العالم المسيطر على سياسة البشر وفكرهم واقتصادهم، وقطرات من طوفان المال الذي ينساح وينداح في كل واد ليغرق الخلق والفضائل، ويجرف حملة المثل العليا من ميدان العمل الى ميدان الانتهاز، ومن طبقة المظلومين الى طبقة الظالمين، مختارين او مجبرين، واضعاً بين يدي كل منحرف ما يسوّغ انحرافه، وامام كل متزمت ما يصرع تزمته، ليبقى المال صاحب الكلمة العليا في الحياة الدنيا. وكاتب القصة لا يقتصر على تأريخ مرحلة مرت بها البلاد العربية، بل يحاول ان يربط هذه المرحلة بالازمات الاقتصادية العالمية، وان يعرض تطورها وتقلبها على ضوء حقيقة يؤمن بها، وهي: ان كل شيء يفهم على ضوء السياسة، وان كل سياسة تعبر عن نظام اقتصادي خاص، وان اوضاع المجتمع كلها من علم وادب وفن تعبير عن هذا النظام، ولهذا يبدو اشخاص الرواية عبيداً للمال، ولو تفرد كلّ منهم بصورة من صور العبودية. وهم جميعاً ابناء واقع رسم سلوكهم، وبثّ فيهم القيم، ونفث فيهم المشاعر، وصنع لهم الدوافع. فالحسد الذي نشأ عليه احمد قاده الى الطمع ثم الى الجريمة، والحرمان الذي اكتنف طفولة خالد زين له الانتماء الى المترفين. واذا توهمنا ان لكل شخصية من شخصيات القصة كيانها المتفرد فإن استقلالها ظاهري لا جوهري، لا يجاوز القشرة الاجتماعية، والثقافة المكتسبة، اما البنية النفسية الجوهرية فواحدة لا متعددة. صحيح ان الحاج احمد ضئيل الحظ من العلم الرسمي، وان خالداً لم يجاوز المرحلة الابتدائية، وان لؤياً خرّجته الجامعة طبيباً، لكنهم من نمط واحد، يمثل التنمر للقنص والافتراس، والانتهاز والاثرة، والنظر الى الحياة والكون بمنظار المصلحة الخاصة، والحرص على اخفاء الوضاعة النفسية بمظاهر براقة من رفعة كاذبة. لقد اجاد الكاتب في تصوير الشخصيات وفي تحليل نوازعها، ووقف على التفسخ والانهيار في تكوينها، لكنه قصّر في بعض الجوانب، وفي المواقف التي تستدعي الاناة في التحليل. ومن هذه المواقف انصراف فاطمة عن الحب القديم الاصيل الى الزواج الطارئ بلا تردد، ونسيانها ذكريات الطفولة والصبا مع ربيبها علي. ومنها وقوف لؤي على حقيقة نسبه وحسبه الملفقين بعد ان افتضح سرّ سوزان، ومنها قتل لؤي اباه، واكتشافه انه كان واهماً فيما اتهم به الحاج احمد. فهذه المواقف جديرة بتحليل عميق يمعن في الغوص على العواطف المصطرعة، ويرصد حركات النفس الخفية، ويظهر ما تضمره من تمزق وانهيار. ومع ذلك كله، فهذا التقصير لا يعني القصور، وانما يعني ان عناية الكاتب بالقالب الفني شغلته عن التحليل النفسي. وعذره في تقصيره، ان التحليل النفسي يقود في اغلب الاحيان خيال الكاتب الى مغاور ومنعطفات، تضعف الترابط بين احداث القصة، فتصاب خيوطها المتوترة بوهن يوهي عقدة الرواية. ولما كان الكاتب حريصاً على الامساك بأعنة الاحداث فإنه فضل الاثارة على العمق، وصحبة القارئ للقصة على صحبة المؤلف للشخصيات، فلم يسمح لنفسه بأن تفرض عليها مسلكاً متعسّفاً، بل تركها تنمو وتتفاعل مع الاحداث والبيئة نمواً لا يخلو من سرعة، وتفاعلاً لا يبرأ من انقطاع. ولعل سرعة النمو وتقطع التفاعل يعودان الى ان احداث القصة اطول من الزمان المخصص لها، واوسع من المكان الذي تجري فيه، أفمعنى ذلك ان البيئة تضيق بالرواية؟ للبيئة عناصر ثلاثة: زمان، ومكان، ومفاهيم. اما الزمان فالربع الثاني من القرن العشرين، وهو كاف لظهور الازمات الاقتصادية، وغير كاف لتطورها وتفاعلها ومشاركة العمال فيها. واما المكان فغامض الملامح، يستطيع القارئ ان يخمن انه القطر العربي السوري، ويستطيع القارئ الحمصي ان يغالي في التخمين، فيزعم انه مدينة حمص، ولا ادري لماذا تعمد المؤلف ان يخفي ملامح الزمان والمكان، فلم يقيد الاحداث بسنوات مرقومة، او بحركة تاريخية معروفة. ولم يسم حيا ولا شارعاً لهما في ذهن القارئ صورة. ولهذا الاغفال اثران: اولهما ان الكاتب اكسب الرواية صفة العموم، فغدت قادرة على استيعاب هذا الموضوع في اكثر من قطر ومدينة من عالمنا العربي. والثاني ان الرواية جانبت الواقعية التي تتسم بها عادة احداث القصص، فصعب على القارئ ان يتصور احداثاً واقعية وشخصيات واقعية في بيئة تفتقر الى التحديد. واما المفاهيم والتقاليد فنسيج لحمته وسداه بنية المجتمع العربي في الربع الثاني من القرن العشرين، تشتبك فيه ازمات الاقتصاد بمظاهر الصراع، وتبرز فيه حركات التحرر الاجتماعي في مراحلها الاولى، وهذه المفاهيم تحوط احداث القصة باطار واقعي يشارك في صنعها ودفعها، وتطويرها وتسييرها، ويصور ما عراها من مدّ وجزر. ولعل اجمل ما في الرواية بعد احداثها المترابطة لغتها السائغة. فالالفاظ واضحة مألوفة، والعبارات طيعة لينة، تمتعك، وهي لا تقصد الى الامتاع قصداً، وتطربك وهي لا تتعمد التطريب. وهذه اللغة ـ على عفويتها ـ لا تنحط الى اساليب اللهجة العامية، ولا تحاور بعباراتها المبتذلة، بل تنساب انسياباً مرناً، متخففة من ادوات الشرط والربط، زاهدة في الوشي والزينة، تبوح بالافكار بوحاً سخياً، لا التواء فيه ولا تعقيد. ولكنها ـ شأنها في ذلك شأن غيرها من الروايات ـ لم تبرأ من عجمة التراكيب المترجمة، ولا من اقحام حروف الجرّ في غير مواضعها. والكاتب معذور في ذلك كله، لان لهذه العبارات شيوعاً واسعاً، يطبعها في الاذهان، والحاحاً مكروراً يغرسها في الالسنة. وحظ الناقد منها لا يقل عن حظ المنقود. وبعد.. فهذه الهنات اليسيرة لا تنال من تماسك الرواية واكتمالها. وهي ليست اكثر من غبار، تمسحه عن الرواية لمسة، وتبقى الرواية قبل النقد وبعده سبيكة من ذهب خالص، لا يزيدها ضربها على محك النقد الا اتقاداً.