لابد ان الكثيرين منا سمعوا برواية «أمير الخواتم» للمؤلف الانجليزي الشهير جون رونالد تولكين. فقد وصفت هذا العمل لشدة براعته بالملحمة، وبأنه أفضل عمل قصصي في القرن العشرين، وأيضاً بأنه كتاب كبير في أناس صغار، وكان لهذه القصة تأثير كبير جداً على الناس، منذ نشر أول كتاب في الثلاثية القصصية في عام 1954، فقد كسبت شعبية مهولة عند جموع غفيرة من الجماهير الأوفياء، وكانت موضوعا لكم كبير من الأبحاث الأكاديمية وينسب إليها الفضل في خلق نوع «قصص الفانتازيا». بيع إلى الآن حوالي 50 مليون نسخة من الكتاب، وربما كانت صحيفة «صنداي تايمز» على حق في مراجعتها للكتاب الأول عندما قسمت العالم إلى مجموعتين: «أولئك الذين قرأوا كتاب أمير الخواتم وأولئك الذين لما يقرأوه بعد». لكن ما سر النجاح الكبير الذي حققه العمل؟ كيف احتفظ برونقه وجاذبيته لأجيال عديدة من القراء؟ ان الموضوعات التي يعالجها أبدية وتصلح لكل مكان وزمان، صراع الخير ضد الشر، صراع الطبيعة مع العالم الحديث، وتأثير القوة في افساد الصداقات، ويعالج تولكين هذه الموضوعات على خلفية عالم خصب الخيال من الأقزام والدلافين والمشعوذين ومخلوقات العالم السفلي وجنس بشري حديث النشأة وشريحة كاملة من أدوات الشر مجموعة في نسيج قصصي مبهر في الثلاثية التي تقع في 900 صفحة والتي طالما استحوذت على اهتمام الصغار والكبار على حد سواء منذ أكثر من نصف قرن، وسيصدر الآن الفيلم السينمائي الأول في ثلاثية أفلام تجسد رائعة تولكين الأسطورية. تتمحور قصة «أمير الخواتم» حول الصراع ضد قوى الشر الخفية، وهو يؤرخ لمغامرات مجموعة من الاقزام والدلافين والرجال في رحلتهم الملحمية لانقاذ الأرض من قوى الشر من خلال ارجاع خاتم سحري خارق إلى وادي الموت الذي تشكل فيه. استخدم تولكين معرفته باللغات والأساطير الأوروبية وحكايا الجن وظواهر الطبيعة لوصف عالمه القصصي الخيالي بتفاصيل دقيقة غاية في الاتقان. حتى انه ابتدع أجناساً جديدة من المخلوقات وبرع في تشخيص ابطاله وابتكر أيضاً لغات تتخاطب بها تلك الشخصيات وتغني أغنيات بديعة، وهذا الثراء المدهش في التوصيف والتفصيل يتيح للقارئ تخيل صورة رائعة عن عالم تولكين الخيالي، لكن هذه السمات نفسها تلقي عبئاً ثقيلاً على عاتق أي مخرج يريد اخراج الكتاب من دائرة خيال القراء ليضعه في بوتقة فنية مرئية. وقد تصدى لهذا التحدي الكبير المخرج النيوزلندي بيتر جاكسون الذي اشتهر بفيلمه العظيم «مخلوقات سماوية» كان جاكسون يدرك تماماً حجم المهمة التي سيقبل عليها، لا سيما انه واحد من أشد المعجبين بأعمال تولكين، حيث يقول: «عندما بدأت كنت أضع هدفاً واحداً نصب عيني: ألا وهو اصطحاب رواد السينما إلى عالم تولكين الفانتازي بطريقة قوية ومقنعة. أردت التقاط كل اللحظات العظيمة من الكتب الثلاثة واستخدام التكنولجيا الحديثة لامتاع جمهور السينما بأفلام لم يشاهدوا مثلها من قبل، يكتب تولكين بأسلوب يبث الحياة في كافة عناصره القصصية، وأردنا ان نضع أيدينا على هذا الجانب من فنه الابداعي. وفي كل مرة كنا نقبل فيها على تصوير أحد المشاهد كنا جميعاً انا والممثلون نقرأ الصفحات التي أخذ منها المشهد من الكتاب، نستلهم منها روح النص الحقيقية. تفرغ جاكسون للمشروع طيلة سبعة اعوام حتى الآن محاولاً جهده الموازنة بين عدم الخروج عن النص الأصلي وتقديم القصة بلغة بصرية مقنعة والأكثر اذهالاً من هذا كله انه شرع في اخراج ثلاثة أفلام كاملة، لتجسيد كل كتاب على حدة في الثلاثية. وفي خطوة غير مسبوقة، قام جاكسون بانجاز الافلام الثلاثة دفعة واحدة في آن معاً، مجنداً طاقم التمثيل في برنامج تصوير ماراثوني استمر 274 يوماً في اكثر من 100 موقع لتصوير مشاهد الافلام الثلاثة. واستغرق اعداد المشاهد للتصوير جهداً خرافياً إلى جانب تحضير التأثيرات الخاصة حيث استمر اربع سنوات. وتولى ريتشارد تايلور، من شركة «ويتافكس» للتأثيرات الخاصة مسئولية كل ما يتعلق بالمخلوقات الغريبة والمنمنمات والاسلحة والدروع وتأثيرات الماكياج للافلام الثلاثة، وهو عمل يحتاج عادة الى خمسة مهنيين محترفين. فهذا النطاق العريض المتنوع في المهام يكلف به عادة اختصاصيون مختلفون في اماكن عديدة في العالم. لكن تايلور يتميز بتحمسه الشديد للاصالة، شأنه في ذلك شأن جاكسون، وشعر ان العمل سينجز على نحو افضل اذا استطاع الاشخاص القائمون على ابداع الفانتازيا العمل جنباً الى جنب في مكان واحد. ويقول تايلور: آمل ان تسيطر الدهشة على الجمهور عند مشاهدة الفيلم، عندما يشعرون انهم يدخلون عالماً بديلاً مليئاً بالعجائب المجسدة بصريا بصورة واقعية مقنعة. ولقد استخدم جاكسون وفريقه احدث ما توصلت اليه التكنولوجيا في مجال التمثيل الحاسوبي والدمج الافتراضي للمشاهد، على نحو لم يسبقه اليه اي مخرج آخر. لكنهم حافظوا في الوقت ذاته على عنصر الاصالة في بناء مسارح الاحداث والشخصيات الرئيسية في العمل. ولا شك في ان جاكسون سيواجه اختباراً قاسياً. فكتب تولكين تلقى شعبية كبيرة لقدرتها على استحضار عوالم خيالية. لكن هل سيجتاز التأويل البصري الذي قدمه جاكسون اختبار عشاق تولكين الذين سيضطرون لهدم عوالمهم التخيلية لكي يتذوقوا عالمه؟ ام سيقرر هؤلاء ان كل ما فعله جاكسون، رغم كل الجهد والمال اللذين بذلهما، هدم عوالمهم الفاتنازية؟ الاجابة ستأتي من ارقام مبيعات شبابيك التذاكر. علي محمد