لم تكن هناك في تلك الفترة امرأة واحدة مشهورة على مستوى القطر المصري وإذا أردنا المزاح فسنقول أنه كانت فقط هناك امرأتان مشهورتان هما ريا وسكينة اللتان حوكمتا واعدمتا ودوت قصتهما في البلاد، ومازالت تدوي. وكانت موضوعا لفيلم سينمائي هام هو ريا وسكينة لصلاح أبوسيف. والذي استوحى منه أديب فرنسا الكبير مسرحيته سوء تفاهم كما كانت الحادثة موضوعا لمسرحية شهيرة بنفس العنوان ريا وسكينة التي كانت المسرحية الوحيدة التي مثلتها شادية. وكان هناك فيلم أولاد ريا وسكينة إذا كان اسمه هكذا فالفيلم لا يستحق أن تحتفظ باسمه الذاكرة كما كانت الحادثة موضوعا لدراسات تحقيق وتأريخ أذكر منها دراسة للأستاذ صلاح عيسى وأخرى للأستاذ محمود صلاح. لكن لا ريا ولا سكينة أقصد بهما المرأة المشهورة التي لم تكن موجودة في بدايات القرن. ولكن فجأة ومع قيام ثورة 1919 بدأت شهرة عدد كبير من النساء وبدأت شهرتهن من ثورة 19. وتتنازع الصدارة اثنتان: صفية زغلول التي اكتسبت شهرتها من انها زوجة لزعيم الثورة سعد زغلول وعندما قام الانجليز في 18 مارس 1919 بنفي سعد زغلول وثلاثة من زملائه خارج البلاد طلبت أن تسافر معه الى المنفى، ولكن السلطات البريطانية رفضت ربما لممارسة النكد على سعد زغلول وطلبها لفت النظر، فها هي امرأة من قمة الارستقراطية تطلب النفي واذا كان سعد زغلول فلاحا، فأبوها مصطفى فهمي باشا كان رئيسا للوزراء عدة مرات وربما كان صاحب رقم قياسي في تولي الوزارة وعدد سنوات توليه. ولما رفض الانجليز سفرها الى المنفى، فتحت بيتها للثوار، وقد أطلق على هذا البيت بيت الأمة حتى الآن وعندئذ وافق الانجليز على سفرها حتى يتخلصون منها. لكنها رفضت السفر وقادت المظاهرات ورأست الاجتماعات ولقبت بأم المصريين وربما كان ذلك تعويضا عن عدم انجابها أطفالا. أما التالية التي كانت تنافس صفية زغلول فكانت أيضا من الأرستقراطية المصرية وهي هدى شعراوي التي ولدت بعد صفية بعام وتوفيت بعدها بعام أي عام 1947 وكان والدها محمد سلطان باشا أول رئيس لمجلس نيابي في مصر. وكان زوجها علي باشا شعراوي واحدا من أغنى خمسة أشخاص فترك لها ثروة كبيرة. وكانت هدى شعراوي من زعيمات النساء في ثورة 1919 وقادت عددا من المظاهرات وتعرضت لاطلاق الرصاص. وكانت أول مصرية مسلمة ترفع الحجاب في عام 1922 وقضت حياتها في الدفاع عن قضايا المرأة وأيضا من شهيرات هذه الفترة سيزا نبراوي ويبدو من اسمها انها أجنبية لكن في الحقيقة اسم سيزا هو اسم تدليل. واسمها الحقيقي زينب محمد مراد وكانت مصاحبة لهدى شعراوي لكنها مالت الى اليسار بعد ذلك وشاركت في حركة السلام العالمية، وحصلت على وسام لينين. وكانت سيزا نبراوي الوحيدة التي رأيتها في حياتي، وكنت آنئذ طالبا في الجامعة، وأكتب قصصا ومقالات في الصحف، فأوصاها أحدهم بأن أراجع لها مذكراتها التي كتبتها بالفرنسية وترجمها لها أحدهم وكانت تتعثر في قراءة وكتابة العربية. وأشير أيضا الى استر فهمي ويصا التي طعنها جندي انجليزي بالسونكي في ثورة 1919 وعاشت حياتها تدافع عن القضية الوطنية وقضية المرأة وفي عام 1969 منحها الرئيس جمال عبدالناصر وسام الكمال. صفية زغلول وهدى شعراوي وسيزا نبراوي واستر فهمي ويصا وغيرهن وجدن شهرة كبيرة منذ ثورة 1919 حتى اليوم. وبالطبع هناك غيرهن، لكنني اتوقف عند واحدة كانت الهدف من هذا الحديث كله هي نبوية موسى، وكانت ايضا من اللاتي ولدت شهرتهن مع ثورة 1919 ولا يخطر على بالك ياعزيزي القارئ ان تسأل نفسك هل كن جميلات أم لا؟ وعندما خطر هذا السؤال على بالي حاولت ان استعيد صورة سيزا نبراوي، وكانت فوق الخمسين عندما قابلتها، وأظن انها كانت جميلة لكن هذا لم يكن يشغل أحدا أما نبوية موسى فلقد شغل البعض أنها لم تكن تتمتع بالجمال، ولذلك قادت عليها احدى الصحف الكبرى حملة من السخرية استمرت سنوات. ويبدو ان نبوية موسى لم تكن تهتم بهذه الحملة، فلم تحاول أن ترد عليها، أو أن تلجأ للقضاء ورغم جهود نبوية موسى التي قد تفوق جهود زميلاتها الا انه لم يبق في ذاكرة البعض الا انها سيدة غير جميلة كما روجت هذه الصحيفة. والجهد الأكبر لنبوية موسى كان في مجال التعليم، فلقد كانت مدرسة في الاسكندرية عندما قامت ثورة 1919 فقادت المظاهرات، وعندئذ ابعدها الانجليز الى القاهرة، وقيل انهم ابعدوها في قطار خاص ولا أدري كيف يكون هذا، ولا اسبابه، لكنها على أي حال شاركت في مظاهرات القاهرة، ثم عادت الى الاسكندرية لتصرف جهدها كله على قضية التعليم الى عام 1951 عندما توفيت وكانت قد انشأت سلسلة من مدارس البنات سميت بمدارس الاشراف. ونعرف ان نبوية موسى اصدرت مجلة الفتاة عام 1937 والبعض يعرف انها صاحبة كتاب المرأة والعمل لكن لم يخطر على بالي ان نبوية موسى لها علاقة بالأدب الا منذ أيام قليلة. فلقد اتصلت بي سيدة فاضلة وقالت لي انها تلميذة لنبوية موسى وانها ممتنة لأنني ذكرتها بالخير في مسلسل اذاعي عن طلعت حرب في حين أن الصحافة سخرت منها وان كاتبة كبيرة ذكرت انها كانت تتعلم في مدارسها وانها كانت تفرض عليهن ارتداء اللون الأسود، كأن هذا كل مابقى من هذه الرائدة الجليلة. وقالت لي انها ستقرض لي كتابين لنبوية موسى، ظننت أن احدهما المرأة والعمل فإذ بالمفاجأة أن الكتابين ينتميان الى الأدب. اهتممت بالكتاب الأول فهو مسرحية وان كانت قد اسمتها رواية كما كان يفعل معاصروها، وما زال الاصطلاح سائدا في كواليس المسرح والمسرحية في عام 1932 وهو من اسوأ أعوام المسرح المصري ربما لأنه يتبع فترة الأزمة الاقتصادية العالمية 29 ـ 30 والأزمة الاقتصادية المصرية 30 ـ 32 وانخفاض سعر بيع القطن الذي كان المحصول الرئيسي. ولكن قبل نشر المسرحية وبعدها كانت هناك حركة مسرحية ثرية تمثلت في نشاط جورج أبيض ويوسف وهبي وعلي الكسار وفاطمة رشدي وعبدالرحمن رشدي وغيرهم ولقد عددت لبديع خير سبع مسرحيات كتبها في موسم واحد وهو رقم قياسي حتى لو اعتمد على التمصير عن نصوص أجنبية. ومسرحية نبوية موسى بعنوان توب وتب او الفضيلة المضطهدة وهي مسرحية تعليمية تحدث أيام الفراعنة، يعلو فيها صوت الاخلاق على صوت الفن واتخيل ان هذه المسرحية كانت من المسرحيات التي تمثلها طالبات مدارس الاشراف. وكان من تقاليد المدارس انتاج مسرحية للتلاميذ في كل عام. أما الكتاب الثاني فهو ديوان شعر كتب عليه الجزء الأول، ولا أعرف هل صدر له جزء ثان أم لا؟ ولقد أوليته اهتماما أقل من الكتاب الأول فأنا لا أقرأ للشعراء الا اذا أحببت شعرهم، ودخول شاعر جديد الى قلبي صعب جدا ولا أزعم أنني أحببت شعر نبوية موسى ولكني انتبهت بشدة الى ظواهر مهمة منها أن هذه المرأة لم تعشق في حياتها سوى التعليم، فإما ان تتحدث عنه مباشرة في قصائدها، واما أن يكون عبر موضوع آخر. وعندما قرأت المقدمة التي كتبتها كان ذلك بعد قراءة الديوان، اذ بها تقول ما توصلت. فقد كتبت: ولست كغيري ممن يقولون الشعر أو النظم وهم متفرغون له، بل أنا معلمة شغلني حب التعليم عما سواه من الفنون الجميلة، وما قلت شعرا لحاجة أطلبها لذلك التعليم، أو لشيء آسف على ضياعه وكنت أروم منه الخير لتعليم البنات الذي شغفني حبه. إنها امرأة عاشت لتعطي لقد كانت فاتنة الجمال في روحها، وإن لم تتمتع بالجمال وانتهى الجمال الدنيوي منذ نصف قرن ولم يبق سوى الجمال الروحي فهو أطول عمرا بكثير.