انقضى عصر الفتوات المحترمين.. وبدأ مع انقضائه عصر الفتوات غير المحترمين، الفتوات المحترمون كانوا رجالاً يحملون مع مؤهلاتهم الجسدية كل مؤهلات الفتوة «الجدع».. الشهم.. نصير الضعفاء وقاهر المغترين من الأقوياء، أما الفتوات غير المحترمين فلم يكونوا رجالاً.. بل كانوا دولاً..، لم تأخذ من «الفتونة» غير القوة.. والقوة الفاشمة بالذات، ولم تفهم الفتونة الا على أنها ضرب.. وسلب.. ونهب، وتصرفت على ان «استهياف» الضعفاء عمل من صميم عمل الفتوة، وعلى أن «استحمار» الشعوب من أبرز خصائص الفتوة الحقيقية، الفتوات غير المحترمين ـ رجالاً كانوا أم دولاً ـ يرون ان الفتوة لا يكون فتوة يستحق اللقب والاحترام الا إذا طاح فيمن حوله، وإلا اذا بنى مجده الشخصي على خوف الناس منه، لا يهم ان يحبوه.. بل المهم والأهم ان ترتعش مفاصلهم اذا جاء ذكره.. وان يولوا الادبار رعباً اذا اطل عليهم بوجهه غير الكريم..! انقرض عصر الفتوات الرجال.. محترمين كانوا ام غير محترمين، وجاء عصر الفتوات الدول..، وتميز هذا العصر الجديد بأن فتواته جميعا كانوا من غير المحترمين، فكلهم غزا شعوبا آمنة مشكلتها الوحيدة انها «غلبانة» و«منكسرة» و«على باب الله» ولكنها ـ الشعوب الغلبانة ـ لا تملك القوة بقدر ما تملك الثروات الطبيعية، وهو مبرر كاف لدى اي دولة فتوة للقفز عليها و«استحمارها» تحت دعوى «استعمارها»، وكان ان تسلط على العالم عدد من الفتوات غير المحترمين تعاهدوا على اقتسام مستضعفيه، واتفقوا ـ كما يتفق زعماء المافيا ـ على احترام حق كل منهم في ان ينهب جزءا معينا ومحددا من الكرة الارضية، يلعب فيه وبمن فيه «على كيفه»، ولإيمانهم العميق بان حقهم في «الفتونة» الدولية هو حق شرعي منطلق من مبدأ ان «ما اخذ بالقوة.. لا يسترد» اعلنوا ذلك على الملأ دون حرج ولا خجل، مؤكدين في الوقت ذاته حق المتضرر من ذلك ان يخبط رأسه في أقرب حائط اليه.. سواء كان هذا الحائط هو «عصبة الامم» سابقا.. ام «هيئة الامم المتحدة» حالياً..! مافيا الفتوات الدوليين غير المحترمين.. كأي مافيا عادية لم يدم شهر العسل بين أفرادها طويلا، وكان ان انتصر مبدأ «شريعة الغاب» بينهم بعد طول وئام..، وعندما يختلف الفتوات وتقع الواقعة بينهم ـ رجالاً كانوا ام دولاً ـ فنهار كل من حولهم أسود، فحربهم ضروس.. ومخالبهم طويلة.. وأياديهم أطول، وهي أياد عمياء.. لا تفرق بين قوي وضعيف.. ولا بين ظالم او مظلوم..، ولا تعرف الصديق من العدو، وهكذا كان الحال في الحرب العالمية الاولى. حين اختلفت الديناصورات فتعاركت وأتت على الأخضر واليابس في كرتنا الأرضية المسكينة، ثم هكذا تكرر الحال في الحرب العالمية الثانية، اختلفت الغيلان.. وطمع كل منها في الاخر..، وهات يا حرب.. وهات يا ضرب، والمصاب الاول دائما هو الغلبان الذي لا ناقة له ولا جمل في صراعات الغيلان والديناصورات..! ولما كان دوام الحال من المحال.. وأيضا لما كان البقاء للأقوى، فقد انتهت حرب الديناصورات وحرب الغيلان بتساقطها واحداً بعد الآخر.. لينفرد الديناصور الاكبر.. والغول الاوحد بالساحة، وليعلن نافشاً صدره.. نافخاً عضلاته.. أنه الفتوة الاوحد..، قاهر الفتوات.. وقاتل الغيلان والديناصورات، وليؤكد على الملأ ان الزمن زمنه.. والعالم عالمه، وان الرأي رأيه.. والقرار قراره، وان «من اراد ان تثكله امه ويتيتم اولاده فليلقني خلف مبنى الامم المتحدة» ..! ومن الوهلة الاولى لاعلان امريكا مسئوليتها الكاملة والشاملة عن شئون «الفتونة» على المستوى العالمي، وتنصيب نفسها «فتوة العالم الاول.. والاخير» اكتشف الجميع ان فتوتهم الجديد والوحيد ينتمي الى فصيلة «الفتوات غير المحترمين»، فهو مع القوي على الضعيف، ومع الباطل ضد الحق، ومع كل ظالم ومفتر على اي مظلوم مفترى عليه، خاصة بعد ان اعلن تبنيه الكامل والدائم لصاحبة اكبر ملف سوابق في العالم الشهيرة باسم «اسرائيل»، وخاصة بعد ان ضم الى جناحيه كل الفتوات الصغار الذي يحملون داخل دولهم نفس مبادئه ويطبقونها بنفس طريقته وبمساندته، وخاصة بعد ان اثبت من خلال ممارساته الاولى عقب توليه قيادة «الفتونة» في العالم انه ضلالي ومفتر وذمته اوسع من حدود دولته.. بل وقارته.. لم يتعظ الفتوة الأمريكي غير المحترم بما حدث لفتوات سابقين تصوروا انهم فتوات العالم «الاوحدون» وطاحوا في العالم ضرباً وحرباً، ثم كانت نهايتهم واحدا بعد الاخر اسود من قرن الخروب ـ كما يقولون ـ، وآخرهم كان المأسوف على نازيته «هتلر» الذي سار على خطاه زعيم الفتونة العالمية اليوم «بوش»، الفارق الوحيد بين فتوة الأمس الراحل.. وفتوة اليوم الذي لم يرحل بعد، ان الاول تعامل مع صنف اليهود بما يستحقونه فلم يرحموه، وظلوا وراءه حتى «قلشوه»، وان الثاني استفاد من الدرس فنصب نفسه «حاخاماً» لهم ومحامياً عنهم.. فناصروه.. وساندوه.. ثم تمكنوا منه وامتطوه.. اخيرا.. فالمؤكد ـ وخاصة في عالم الفتوات ـ ان لكل كبير من هو اكبر منه.. وان نهاية المفتري اتية لا ريب فيها ولو على يد مفتر اخر، وفتوة فتوات العالم اليوم لن يخرج على هذه القاعدة ولو ركب الفانتوم وتسلى بـ «قزقزة» قنابله النووية، او اختبأ في سراديب بيته الابيض واحتمى بـ الـ «سي. آي. إيه» ومغاوير البنتاجون.. وإن غدا لناظره قريب!