كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان؟ كان صلى الله عليه وسلم يخص الشهر المبارك بألوان شتى من ألوان العبادات والطاعات ولعل الاعتكاف واحد من أهم تلك الطاعات والعبادات التي سنها المصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسه في الشهر المبارك. والاعتكاف عبادة قديمة وسنة استنها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم تقرباً الى الله والتماساً لرضاه يقول القرآن الكريم: «وعهدنا إلى إبراهيم واسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود». ومن هنا تتبع الرسول صلى الله عليه وسلم سنة الرسل والأنبياء من قبله في الاعتكاف ولم لا؟ وقد قال الله تعالى: «أولئك الذين هداهم فبهداهم اقتده». وقد اختار صلوات الله وسلامه عليه هذه السنة شهر الصوم المبارك وكان يعتكف خاصة في العشر الأواخر من رمضان ويفسر عبدالله بن عمر رضي الله عنهما اختياره صلى الله عليه وسلم للعشر الأواخر من رمضان التماساً لليلة القدر ولإحياء الليالي الأخيرة منه وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وجدّ وشدّ المئزر كناية عن اجتهاده في العبادة والثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمسك بسنة الاعتكاف طيلة السنوات التسع التي صامها حتى الوفاة فلم يتخلف عن هذه السنة إلا عاماً واحداً حيث تركه ثم قضاه في شوال ومن الثابت كذلك انه اعتكف مرة في العشر الأوائل من رمضان ثم في الأيام العشرة الوسطى منه وإن غلب على اعتكافه في العشر الأواخر وذلك وإن كان الشهر كله خيراً إلا أن العشر الأواخر أكثر خيراً لالتماس ليلة القدر. ومن نوافل الاعتكاف تلاوة القرآن الكريم حيث كان جبريل عليه السلام يعارض الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن كله سنة مرة في الأيام العشرة الأواخر وقد ثبت انه لما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً وعارضه جبريل عليه السلام في القرآن مرتين. كذلك من النوافل التحميد والتسبيح والاستغفار والصلاة والدعاء بأفضل الأدعية والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا قراءة كتب الحديث والتفسير وسير الصحابة والصالحين من المؤمنين. ولم ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه اعتكف مفطراً قط. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: لا اعتكاف إلا بصوم ولم يذكر الله سبحانه وتعالى الاعتكاف إلا مع الصوم ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم. والاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وقد وضع العلماء مواصفات لهذا المسجد فقال الشافعي ومالك رضي الله عنهما: يصح الاعتكاف في كل مسجد فأي مكان أطلق عليه لفظ المسجد جاز فيه الاعتكاف. وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: لابد وأن يكون مسجداً تقام فيه الجماعة الراتبة. وقال الإمام أبوحنيفة رضي الله عنه: لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه صلاة الجمعة. كما نقلوا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه انه خص الاعتكاف بالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح». فالاعتكاف عبادة إيمانية يخلو فيها المؤمن إلى ربه ويتعبد في مسجده وينقطع عن زخارف الدنيا ومتع الحياة ولا شك ان هذه العبادة تطهير للقلب والعقل بالتفرغ لعبادة الله وتسليم للنفس إلى الله وتفويض أمرها إليه وتجنب الشرور. والمسلم في العشر الأواخر من هذا الشهر يلتمس ليلة القدر التي يقول عنها صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». والمسلم بشكل عام مطالب بأن يجعل كل حركة في حياته لله رب العالمين «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». وبالله التوفيق. أحمد عبدالتواب أحمد