هيأت طبيعة الحياة بالأندلس، بفوارقها الاجتماعية، وطوائفها المتصارعة، وطبيعة أرضها ذات الأحراش الخضراء، والطرق الملتوية، والجبال الوعرة المرتقى، لوجود طائفة من المغامرين العصاة، الذين استطاعوا أن يجدوا في تلك العوامل منعة كبرى لهم. فتناقل الناس اخبارهم وأعملوا فيها الخيال، وصاغوا منها أعجب القصص. وبلغ من شوكة أولئك الأفاقين، أن استعان «المأمون» أحد ملوك الطوائف، بواحد منهم كان يدعى ابن عكاشة في غزو قرطبة فدبر لذلك الغزو حيلة لا تتفتق عنها غير أذهان المحتالين الدهاة. ولم يلبث أن دخلها ليلاً وقتل ملكها «العباد بن المعتمد» وبقي فيها وأعوانه زمناً حتى أخرج منها بالسيف، ودارت بعد ذلك معركة طاحنة لقي فيها مصرعه. وقد خلد القصص الشعبي بالأندلس سيرة مغامر آخر كان يدعى «الباز السنجابي» وهو غير ابي الباز الذي سبق ذكره، وكان الباز السنجابي لصاً فاتكاً استطاع ان يوقع الرعب في القلوب، حتى أحدق به رجال الشرطة فأسروه، وساقوه إلى «المعتمد» الذي أمر به ان يصلب حياً، وعلى مرأى من الناس في طريق عام، ويترك على الأعواد حتى يموت، فيطمئن الناس، ويتعظون بخاتمته. ومر الناس أمامه بين مشفق وشامت، بينما وقفت زوجته وبناته يبكينه، وهو يشجعهن ويلقنهن آخر نصائحه. وكان على قسوته يطوي بين جوانحه قلباً رحيماً، يقطر محبة لأهل بيته. وفي تلك الاثناء مر بهم تاجر يحمل سلعة على بغل اعتاد ان يتنقل بين القرى، فطرأت للص فكرة رائعة استوقف التاجر، ثم طلب منه أن يدنو منه، فلما اقترب أخبره انه يخفي في مخبأ قريب أثمن أسلابه، وانه لن يرشده اليه الا اذا وعده بأن يعطي أسرته نصيباً منه، فلما وعده التاجر خيراً، أشار له إلى بئر قريبة، فقصدها، وربط حبلاً حول خصره وهبط به، فما كان من الباز إلا أن صاح بزوجته: أسرعي واقطعي الحبل، وخذي البغل وما يحمله وعيشي وبناتك من ثمنه! وكان من حظهن أن خلا الطريق إلا منهم في تلك اللحظة. وعندما ساق الله للتاجر من يلبي استغاثته، ويخرجه من البئر، كانت السهول القريبة قد ابتلعت زوجة اللص وبناته، ومعهن الغنيمة. وترامت أيها السادة تلك القصة في ليلتها إلى المعتمد فضحك لها كثيراً، وأمر باحضار الباز، فلما مثل بين يديه تلطف معه، وسأله عن الحيلة التي لجأ إليها، بحكم الواقع الذي حبّب إليه حياة التلصص، فقال له الباز: عفواً يا مولاي.. انك لو علمت أية لذة تلك التي يحسها الانسان عندما يسلك مسلك اللصوص لوضعت تاجك عن رأسك وألقيت معطفك الملكي هذا، وما اخترت لنفسك الا هذه الحياة. فعجب المعتمد لجرأته وأعجب بحسن تعبيره، فعفا عنه وعينه رئيسا لشرطته، فاستقام، وأبلى في عمله الجديد بلاء حسناً. ـ قلت للاستاذ الفحام: هل تعتقد ان ذلك اللون من القصص أثر في الآداب الغربية؟ ـ في اعتقادي الشخصي نعم، وعند المؤرخين أيضاً هناك تأكيد على هذا الجانب، فقد ذكر الدكتور «فيليب حتي» في كتابه «تاريخ العرب» ان ما ورد في مقامات الحريري والهمذاني من نوادر التلصص والاحتيال، كان مصدر وحي لذلك القصص الشعبي الطريف، الذي عرف في الأدبين الاسباني والايطالي باسم «البيكارسك». وهذا الرأي قد يؤيد فكرة أخرى بأن ادبنا الشعبي القديم يعد المنهل التاريخي الأول لملامح تلك الشخصية القصصية الفذة التي تدعى «اللص الشريف» أو «اللص الظريف» التي يتهافت على ادعاء ابتكارها مؤلفو القصص البوليسي الحديث. ومن أشهر تلك الشخصيات «آرسين لوبين» و«سنكر»، فلقد لقيت حياة الصعاليك وشعرهم عناية فائقة من المستشرقين، أمثال «ريس» الذي ترجم حياة «الشنفرى» ولاميته المعروفة في المجلة الألمانية الشرقية عام 1853، وكذلك كتب «بود» عن سيرة الصعلوك الفاتك «تأبط شرا» وشعره في نفس المجلة عام 1856. وطبع ديوان عروة بن الورد في جوتنجن في العام 1864 مع ترجمة المانية وشروح لـ «نولدكة»، وكتب عنه «بوشر» بالفرنسية في المجلة الآسيوية الفرنسية عام 1867، وترجم ديوانه «روني باس» وذلك الى جانب دراسات أخرى عديدة قام بها المستشرقون الاوروبيون في هذا الميدان الخصيب. .. وغداً نكمل