ـ يعتبر يوم الجمعة 15 رمضان سنة 658 هجرية، يوماً مشهودا وعظيما في تاريخ الاسلام والعروبة ومصر على وجه الخصوص. ففي هذا اليوم المجيد منّ الله على الجيش المصري بالنصر في معركة عين جالوت ضد جحافل التتار التي أبادت الحرث والنسل في البلاد الاسلامية التي اكتسحتها منذ قدموا من بلادهم في وسط آسيا تحت قيادة ملكهم جنكيز خان سنة 601 هجرية، فابادوا شعوبا وازالوا دولا في سلسلة من الفتوحات تشبه الاساطير التي لا تدانيها فتوح الاسكندر الاكبر والرومان، وذلك في فريج غريب اختلطت به ضروب من الوحشية والفظائع والمذابح التي تثير القلب والنفس والعقل، صنعوا بها انتصارات مدوية كأنها معجزات. ـ وبعد وفاة جنكيز خان خلفه حفيده «منكوخان» الذي كلف اخاه «هولاكو» بتجريد جيش لفتح البلاد من ايران الى العراق والشام وفلسطين ومصر، واسقاط الخلاقة العباسية، ثم اكتساح شمال افريقيا والجزيرة العربية. وبالفعل لم يضيع هولاكو وقتا، فبادر على الفور باجتياح ايران ثم العراق حيث دار حول بغداد ـ عاصمة الخلافة الاسلامية ـ قتال دموي لفترة شهر كامل انتهى بسقوط بغداد وتخريبها، وابيح القتل والسلب والنهب والاغتصاب دون حد، وسفكت الدماء باسلوب وحشي لم تشهد البشرية له مثيل من قبل، حيث قدر المؤرخون عدد القتلى من المسلمين بحوالي مليوني مسلم. كما اجبر التتار الخليفة المستعصم بالله على تقطيع اجزاء جسده واكلها قبل ان يلفظ آخر انفاسه. ـ وبالطبع كان لهذا الاجتياح الدموي وما حل ببغداد من مآس، انعكاسه فيما اصاب الدول والشعوب الاسلامية الاخرى من فزع وذهول وحيرة مما ساعد جيوش التتار على اكتساح بلاد الشام وفلسطين دون مقاومة تذكر.. فسقطت مدن «فيارتين»، «نصيبين»، «حمص»، «حران»، «الرها»، «البيرة» ثم «حلب» و«دمشق». حيث قطع التتار رأس الملك الكامل وعلقوها على باب الفراديس في دمشق ليكون عبرة لغيره من الملوك والامراء الذين يفكرون في مقاومة التتار. ثم تقدموا الى غزة دون مقاومة، وهكذا اصبحت جيوش الموت والدمار وجها لوجه على باب مصر الشرقي تستعد لغزوها والاطاحة بقلعة الاسلام المنيعة في المنطقة. موعد مع القدر ـ اذا اردنا ان نتعرف على الموقف الداخلي في مصر آنذاك، حيث قدر لها التصدي لتلك «المطرقة» البشرية التي ابتليت بها البشرية، فسوف نجد ان الناس باتوا يتوجسون خيفة، وينتظرون احداثا جساما في ظل هذا الجو النفسي المشبع بالتوتر والقلق الذي ساد العالم الاسلامي، وكانت مصر تحت حكم السلطان الطفل «الملك المنصور» الذي كثرت مفاسده وشغل عن شئون الملك باللهو والعبث. ـ وعلى الجانب الآخر وقف (قطز) نائب السلطان يرقب الاحداث، وقد حز في نفسه ان تترك البلاد في هذه الفترة الحاسمة لهذا الملك العابث الذي التفت حوله بطانة السوء، في حين رأى الناس في (قطز) انه الاصلح لتولي حكم البلاد لصلاحه وتقواه وقوته وشدة بأسه في قتال الصليبيين في المنصورة والشام. وفي وسط هذا الظلام الحالك الذي خيم على المسلمين، قام (قطز) بخلع الطفل واعلن نفسه سلطانا على مصر بعد ان تلقب بـ (الملك المظفر). رسالة هولاكو الى سلطان مصر ـ بعد ان تولى قطز عرش مصر، وصله رسل هولاكو وسلموه انذارا منه قال فيه : «من ملك الملوك شرقا وغربا، والخان الاعظم الى الملك المظفر قطز، اننا نحن جند الله في ارضه، خلقنا من سخطه وسلطانه على من حل بهم غضبه. فلكم بجميع البلاد معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم واسلموا الينا امركم قبل ان ينكشف الغطاء فتندموا، فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى، فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص. فخيولنا سوابق وسهامنا صواعق وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع، فأبشروا بالمذلة والهوان، فلا تطيلوا الخطاب واسرعوا برد الجواب قبل ان تضرم الحرب نارها وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاها ولا عزا ولا كافيا ولا حرزا، وتدهون منا باعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية. ولقد انصفناكم اذ راسلناكم، وايقظناكم اذ حذرناكم». قطز يقبل التحدي ـ في تلك اللحظات الدقيقة التي كان يتقرر فيها مصير الأمة الاسلامية بأسرها ولاجيال طويلة، تكلم الرجل الذي وضعته الاقدار ليوقف مد التتار العالي، فبعد ان جمع مجلس الحرب، وقف في الامراء والقادة والمشايخ قائلا: «ان الله تعالى يقول في كتابه الكريم «حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون».. وان السيف الذي يجبن حامله عن القتال، لخليق ان يطعن به.. واننا اليوم امام اختيار من ثلاثة: الصلح او القتال او الجلاء عن الوطن، ساستبعد الامر الاخير لانه لا وطن الا مصر، كما ارى ان نستبعد كذلك الرأي الاول بالصلح مع التتار فهم قوم لا يوثق بعهودهم، والرأي الاخير عندي هو ان نستعد للقتال، فان انتصرنا فهو المراد، والا فكيف نكون مسلمين امام الله؟». ـ ثم امر قطز باحضار رسل التتار ـ وكانوا 15 رجلا ـ بين يديه، وحكم بقطع رقابهم جميعا وتعليقها على ابواب القاهرة، كما امر باجراء استعراض عظيم للجيش المصري في ميدان «الريدانية» ـ العباسية الآن ـ وفي المساء اتخذ قرار الحرب، وبذلك القت مصر القفاز في وجه هولاكو الذي كان يدعو نفسه «الرب في السماء والحاكم في الارض»!! ـ بادر قطز باعداد الجيش المصري للحرب، كما عمل على اقامة جبهة قوية من ملوك الشام وامرائها، وضرب بشدة على ايدي دعاة الهزيمة والتخاذل، وبذلك انزل السكينة والطمأنينة في قلوب الناس التي كانت قد اهتزت بفعل قصص اللاجئين من الشام وفلسطين عما فعله التتار في سكان هذه البلاد، وامتلأت المساجد بالمصلين، ولم يبق للناس من حديث في كل مكان من ارض مصر الا حديث الحرب والجهاد. ـ بعد ان استكمل قطز اعداد الجيش المصري، قام باستعراض قواته، ثم قام الضباط والجنود بحلف اليمين، وتولى قطز بنفسه قيادة القلب، وكان «بيبرس» على رأس المقدمة، وكان قائدا عبقريا اثبت كفاءة عسكرية في حروبه السابقة ضد الصليبيين. ـ اصدر قطز اوامره الى بيبرس بالتحرك الى غزة التي كان التتار قد احتلوها تحت قيادة قائدهم «بايدر» الذي كتب الى قائده الاعلى «كيتوبوقا» ـ حيث سافر هولاكو الى الصين بسبب وفاة اخيه الاكبر «منكوخان» وتنازع اخويه على العرش ـ ينبئه بزحف الجيش المصري نحوه، وجاءه الرد من كيتوبوقا بالثبات وانتظار حضوره على رأس باقي القوات الرئيسية للتتار. الا ان بيبرس لم يمهله، حيث قاد قواته في هجوم عاصف اقتحم بها مدينة غزة، لتنسحب قوات التتار للمرة الاولى في تاريخهم الدامي الطويل على ساحل فلسطين الشمالي، في حين تعقبتهم القوات المصرية بقيادة بيبرس حتى شاطئ نهر العاصي. ـ وكان لهذا النصر الخاطف الذي احرزته القوات المصرية الامامية على قوات التتار اصداء واسعة في كافة مدن الشام التي كانت تخضع للتتار وحلفائهم من الصليبيين الشرقيين حيث ثار المسلمون من سكان دمشق وباقي مدن الشام على حكامهم، اما الصليبيون في عكا فقد قرروا الوقوف ضد التتار وان ادى الامر الى التحالف مع المصريين، كما ارتفعت الروح المعنوية لباقي القوات المصرية التي كان على رأسها قطز تتقدم خلف قوات بيبرس. ـ كانت تعليمات قطز الى بيبرس تحوي مبادئ هامة ما زالت حتى اليوم تعتبر من قواعد واساسيات الاستراتيجية العسكرية فقد كتب له قائلا: «ان الهجوم هو خير وسيلة للدفاع ضد التتار.. ابدأ على الفور بدفع دوريات مسلحة بقوة لاستطلاع تحركات قوات التتار وطبيعة تشكيلهم للحرب.. افطر بعدوك قبل ان يتغدى بك». ـ ولقد استغل قطز طبيعة الارض في منطقة القتال لصالحه، حيث كانت المستنقعات المنتشرة حول بلدة «بيسان» تحدد بالضرورة اتجاه تقدم جيوش التتار في اتجاه الجنوب الغربي دون سواه، وعليه فقد وضع قطز خطة خداع باهرة قضت بدفع الطلائع تحت قيادة بيبرس للاشتباك مع التتار، ثم في مرحلة معينة من القتال تتظاهر هذه القوات بالانسحاب بغية استدراج التتار نحو ثغرة متروكة عمدا بين جناحي القوات المصرية، وعندما يندفع نحوها التتار كأسلوبهم دائما في المعارك، و بعد ان يتوغلوا داخل الثغرة مسافة كافية، تقوم القوات المصرية الضاربة من الاجناب بالاطباق عليهم من خلف التلال وتدمير قوتهم الرئيسية. ـ وبعد النصر الاول للجيش المصري في غزة تقدم «قطز» على رأس بقية جيشه للانضمام الى قوات المقدمة التي كان يقودها بيبرس، وحدد تشكيل المعركة على أساس قيادة بيبرس للميسرة، والامير بهادر للميمنة، في حين تولى قطز بنفسه قيادة قوات القلب. المعركة ـ اشرق صباح يوم 15 رمضان سنة 658 هجرية، وقد اصطف الجمعان المتضادان تأهبا للقتال، فتقدم «كيتوبوقا» قائد التتار في خيلاء ممتطيا صهوة جواده الابيض وقد امسك بيديه سيفان على عادة التتار، وعلى الجانب الاخر كان الملك «قطز» على ظهر حصانه الارقط يستكمل اللمسات الاخيرة لخطته، ثم اخذ مكانه في قلب الجيش تحيطه ثلة من فرسان المصريين في شكل نصف دائرة. ـ بدأ القتال بصيحة الحرب الهائلة التي اعتاد التتار ان يطلقوها في بدء معاركهم، في نفس الوقت دقت طبول الجيش المصري، وانطلق الفريقان لتنهال السهام من جانب التتار على المصريين حتى اشتد الأمر عليهم، ولكنهم ما لبثوا ان اندفعوا نحو العدو خلف الملك قطز الذي اشار بيده للاندفاع لتشتبك الصفوف الامامية من القوتين بالسيوف، وليبدأ قتال عنيف استبسل فيه الجانبان استبسالا عظيما. وكان بالامكان في تلك اللحظات بالغة الدقة ان يلاحظ الجنود المصريون ابتسامة راضية ارتسمت على اسارير الملك قطز، الذي انشرح صدره عندما وجد رجاله ينقضون على التتار، حيث ايقن انذاك انهم بدأوا يتخلصون من عقدة الخوف من جنود هذا الجيش الذي اشاع في انحاء المشرق انه لا يقهر. ـ ولكن سرعان ما هجم فرسان التتار كسيل جارف هجمة عنيفة على ميمنة الجيش المصري التي تراجعت تحت وطأة ضغط التتار. وفي تلك اللحظة قام قطز بتنفيذ خطة الخداع التي وضعها من قبل، حيث انسحب على رأس القلب الى الخلف وتبعته قوات القلب ثم قوات الميمنة تتبعهم قوات التتار وقد حسبوا ذلك نصرا. وفي تلك الاثناء كان واضحا لقطز ان «كيتوبوقا» يبغي تطويق ميسرة المسلمين التي يقودها بيبرس الذي اخذ يحث رجاله على الصمود، فثبتوا ثباتاً عظيما حتى كثر القتل فيهم وفي اعدائهم. وهنا تقدم الملك المظفر «قطز» كالسهم، فكشف عن خوذته والقى بها على الارض صارخا بأعلى صوته «واسلاماه» ليحمل بمن معه حملة قوية على ميسرة التتار وقلبهم، وردد معظم الجنود المصريين صيحة الملك الهائلة، وحملوا حملة قوية على التتار انتعشت بها قوات الميمنة التي تقدمت ببطء من جموع التتار، ثم قاد هجوما خاطفا بقسم من القلب فيما بين ميسرة العدو وقلبه، في حين انتشرت فرسان الميمنة التي يقودها الامير «بهادر» في اتجاه الشمال الشرقي لتطويق ميسرة التتار. لواء ركن حسام سويلم ـ وبعد قتال عنيف تمكن «قطز» وفرسان القلب من توسيع الثغرة في صفوف التتار بين الميسرة والقلب، لتندفع اليها القوات المصرية، وهنا امر قطز باستكمال تطويق ميسرة التتار، فاندفعت بقية قوات القلب الى الثغرة لمعاونة ميسرة المصريين على تطويق من لم يتمكن من الفرار من التتار. وبذلك تم حصار معظم جيش التتار في دائرتين وحيل بينهم وبين الفرار، حيث اخذت القوات المصرية تعمل فيهم ضربا بالسيوف وطعنا بالرماح حتى امتلأ الغور بجثثهم واشلائهم، ولم يسلم منهم الا القليل من المشاة الذين تمكنوا من الفرار، فطاردتهم قوة من فرسان المصريين وسحقوهم. النصر الالهي العظيم للجيش المصري وفي نهاية ذلك اليوم العصيب، كتب الله النصر للمسلمين على جيوش التتار التي لم تهزم قط من قبل، اما الملك المظفر «قطز» فقد خر على ارض المعركة ساجدا شاكرا لله تعالى هذا النصر العظيم، واطال السجود، ثم رفع رأسه والدموع تنهمر على لحيته حتى اختتم صلاته، فامتطى صهوة جواده، وخطب في جيشه قائلا: «ايها المسلمون.. ان لساني ليعجز عن شكركم، والله وحده قادر على ان يجزيكم الجزاء الاوفى، لقد صدقتم الله الجهاد في سبيله، فنصر قليلكم على كثير عدوكم. قال الله تعالى: «ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم» وقال عز وجل «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله، والله مع الصابرين» اياكم والزهو بما صنعتم، ولكن اشكروا الله واخضعوا لقوته وجلاله، انه ذو القوة المتين. ومايدريكم لعل دعوات اخوانكم المسلمين على المنابر في الساعة التي حملتم فيها على عدوكم من هذا اليوم العظيم ـ يوم الجمعة ـ في هذا الشهر العظيم ـ شهر رمضان ـ كانت امضى على عدوكم من السيوف التي بها ضربتم، والرماح التي بها طعنتم.. واعلموا انكم لن تنتهوا من الجهاد وانما بدأتموه، وان الله ورسوله لن يرضيا عنكم حتى تقضوا حق الاسلام بطرد اعدائه من سائر البلاد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. الا فترحموا على اخوانكم الذين علم الله ما في قلوبهم من الايمان والخير، فاختار لهم الشهادة والجنة، واختار لكم النصر والبقاء لتعودوا الى الجهاد في سبيل الله، وما عند الله خير وابقى». نهاية درامية لقائد التتار ـ يعطينا المؤرخون وصفا دقيقا لنهاية قائد التتار «كيتوبوقا» على يد الملك المظفر قطز، فبعد ان انفض عنه جنوده في نهاية المعركة، حاول ان يكر على القوات المصرية حتى وقع به جواده فأسره المصريون ليحملوه مكبلا الى قطز، الذي بادره قائلا: «أيها الرجل الناكث بعهده.. ها انت بعد ان سفكت كثيرا من الدماء البريئة، وقضيت على الابطال والعظماء بالوعود الكاذبة، وهدمت البيوتات العريقة بالاقوال الزائفة، قد وقعت اخيرا في يدي «ثم أمر قطز بقتل كيتوبوقا عقابا لما ارتكبه من جرائم وحشية بالغة يندر ان تشهد لها البشرية مثيلا، ففصل رأسه عن جسده لتحمل الى مصر وتعلق على احد ابواب القاهرة. مصر كنانة الله في أرضه ـ وهكذا كتب الله النصر للاسلام والمسلمين في معركة عين جالوت التي تعتبر بحق احدى المعارك الفاصلة والحاسمة في تاريخ الاسلام. ولتثبت هذه المعركة صدق حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مصر كنانة الله في ارضه من ارادها بسوء قصمه الله»، وكذلك حديثه الشريف الآخر: «اذا فتح الله عليكم بمصر فاتخذوا من أهلها جندا كثيفا، فان فيها خير اجناد الارض، وانهم لفي رباط الى يوم القيامة». لواء ركن حسام سويلم