روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه قال: جاء حبر من الاحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على اصبع، والأرضين على اصبع، والشجر على اصبع، والماء والثرى على اصبع، وسائر الخلائق على اصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون). وروى الإمام مسلم رضي الله تعالى عنه في صحيحه عن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وروى ابن ماجه رحمه الله تعالى في سننه عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: يأخذ الجبار سمواته وأرضيه بيده، وقبض بيده، فجعل يقبضها ويبسطها ثم يقول: أنا الجبار، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ويتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن يمينه وعن يساره، حتى نظرت المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول: أساقط هو يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم. الشرح والتعليق جاء حبر من احبار اليهود: أي عالم من علماء اليهود، فقال: انا نجد: أي في التوراة، فيقول الله عز وجل (أنا الملك)، أي المنفرد بالملك لا يشاركني في ملكي شيء. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه، أي حتى ظهرت انيابه وهي الضواحك التي تبدو عند الضحك، وكان ضحكه عليه الصلاة والسلام تعجباً مما قاله الحبر، وتصديقا له، كما جاء في بعض الروايات. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون)، وقراءته عليه الصلاة والسلام هذه الآية تدل على صحة قول الحبر، كضحكه عليه الصلاة والسلام. وجعل الله السموات على اصبع إلى آخر ما قال الحبر امام رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحكه عليه الصلاة والسلام تصديقاً لقول الحبر. هو من المتشابه، واختلف الأئمة في هذا المتشابه، ومنه قول الله تعالى: (بل يداه مبسوطتان)، وقوله عز وجل (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله)، وغير ذلك من الآيات فهل تؤول هذا المشكل؟ أم نفوض معناه المراد منه إلى الله تعالى، مع اتفاق علماء الاسلام على ان جهلنا بتفصيل المعنى في ذلك، لا يقدم في اعتقاد المراد منه، واتفاق الجميع على ان ظاهره غير مراد، والتفويض مذهب السلف، وهو اسلم. والتأويل مذهب الخلف وهو أحكم، لأن فيه الرد على المشبهة وابطال شبه الزنادقة، فالخلف يؤولون الاصبع في هذا الحديث بالقدرة، لأن ارادة الجارحة مستحيلة على الله تعالى لأنها تقتضي مشابهته تعالى للحوادث، وذلك محال في حقه عز وجل. وقد قال الزمخشري رحمة الله تعالي في تفسيره المشهور بالكشاف بعد ذكر ما يماثل هذا الحديث إنما ضحك افصح العرب وتعجب، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان، من غير تصور إمساك ولا اصبع، ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه عليه الصلاة والسلام وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وان الافعال العظيمة، التي تتحير فيها الاذهان، ولا تدرك كنهها الاوهام هي هينة على الله عز وجل هو ان لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا اجراء العبارة على مثل ما وردت دون البحث عن حقيقة معناها فهي تقريب للاذهان، ولا نرى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من باب المجاز، ولا انفع وأهون على تعاطي تأويلات المتشابه من كلام الله تعالى في القرآن الكريم، وسائر الكتب السماوية وكلام الانبياء عليهم الصلاة والسلام. أما الحديث الذي فيه: يقبض الله تعالى الارض، ويطوي السموات بيمينه، فان الطي يطلق على ادراج الشيء في بعضه كما قال الله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)، كما يطلق الطي على الافناء: تقول العرب: طويت فلانا بسيفي، أي أفنيته، قال القاضي عباس رحمه الله تعالى: عبر الله تعالى عن إفناء هذه المظلة وهي السماء، وهذه المقلة وهي الارض، واخراجها من ان يكونا مأوى ومنزلا لبني آدم بقدرته الباهرة، التي تهون عليها الافعال العظام، التي تتضاءل دونها القوى والقدر، وتتحير فيها الافهام والفكر، على طريقة التمثيل والتخييل. ثم يقول الله عز وجل: أنا الملك، اين ملوك الأرض؟ وجاء في رواية أخرى: يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الارض بشماله ويقول: أنا الملك، فأضاف عز وجل طي السموات وقبضها إلى اليمين، وطي الارض إلى الشمال، تنبيها وتخييلا لما بين المقبوضتين وهما السماء والارض ـ من التفاوت والتفاضل. اما الحديث الثالث الذي رواه ابن ماجه وجاء مثله في رواية الامام مسلم رحمهما الله تعالى: أن عبدالله بن مقسم نظر إلى ابن عمر رحمهما الله تعالى، كيف يمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأخذ الله تعالى سمواته وارضيه بيمينه، ويقول: أنا الله، ويفيض أى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه ويبسطها، يقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من اسفل شيء منه، فإطلاق اليدين على الله تعالى كما قال الامام النووي رحمه الله تعالى: فمؤول بالقدرة، وكنى عن ذلك باليدين، لأن افعالنا تقع باليدين، فخوطبنا بما نفهمه، ليكون اوضح، وأوكد في النفوس، وذكر اليمين والشمال حتى يتم لعقولنا التصور، لأننا نتناول باليمين ما نكرمه، وبالشمال ما دونه، ولأن اليمين في حقنا تقوى على ما لا تقوى عليه الشمال، ومعلوم ان السموات أعظم من الارض، فأضافها إلى اليمين، والارض إلى الشمال، ليظهر التقريب في هذا التعبير المجازي، وان كان الله عز وجل لا يوصف بأن شيئا أخف عليه من شيء. أما تحرك المنبر فكان من اسفله إلى أعلاه بحركة النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: نحن نؤمن بالله وبصفاته، ولا نشبه شيئا به، ولا نشبهه بشيء (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق وصدق، فما أدركنا علمه فبفضل الله تعالى، وما خفي علينا انابه، ووكلنا علمه إلى الله تعالى، وحملنا لفظه على ما احتمل من كلام العرب ولم نقطع بأحد معينيه، بعد تنزيهه سبحانه وتعالى عن مشابهة الحوادث. د. محمد عبدالمتجلي