يعد موقف الإسلام من قضية التعددية من أبرز الجوانب التي تتعلق بتجديد الفكر الإسلامي بشكل عام وفي المجال السياسي بشكل خاص، كما أنه يعتبر من الثغرات التي يهاجم منها الفكر الإسلامي، من جانب بعض المفكرين والكتاب الغربيين الذين يعتقدون أن الإسلام ضد التعددية فكرية كانت أو سياسية، ومن ثم فإنه يقف عقبة في تطبيق الديمقراطية في العالم الإسلامي، على حد زعمهم، ويدللون على ذلك بنجاح التجربة الديمقراطية في الهند وفشلها في جارتها باكستان! ومن ثم فإن رصد التجديد في هذا الميدان يخدم أكثر من غرض بخاصة في هذه الظروف التي يزداد فيها الهجوم على الفكر الإسلامي، وتتضاعف فيها درجة تشويه صورة المسلمين واتهامهم بالجمود والإرهاب. إن الرصد العام لحركة الفكر الإسلامي في هذا الميدان يضع أيدينا على جهود عديدة قام بها علماء المسلمين والمفكرون الإسلاميون والتي تؤكد أصالة التعددية في الفكر الإسلامي، وقد تجسدت تلك الجهود في العديد من ندوات والدراسات والمقالات، فضلا عن الدراسات الأكاديمية في عدة مراكز بحثية وجامعات عربية وإسلامية. لعل من أبرز هذه الإسهامات ندوة نظمتها الأمانة العامة للأوقاف بالكويت عام 1996، وأخرى نظمها مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر عام 1998م، كما صدرت عدة كتب حول هذا الموضوع، منها كتاب للدكتور محمد عمارة، و وآخر للدكتور صلاح الصاوي، فضلا عن كتابات الدكتور محمد سليم العوا، والدكتور صوفي أبو طالب، والمستشار طارق البشري. يتفق هؤلاء على أن التعددية سنة إلهية، فاذا كانت الرؤية الإسلامية قد قصرت الوحدة على الذات الإلهية وحدها دون كل المخلوقات وسائر الموجودات. فإن هذه الرؤية قد جعلت التعددية في كل الظواهر المخلوقة سنة من سنن الله سبحانه وتعالى ـ في الخلق والمخلوقات جميعا. وآية من آيات الله التي لا تبديل فيها ولا تغيير. ويستعرض الدكتور عمارة مظاهر التعددية التي يشملها المفهوم الإسلامي في عالم المخلوقات والموجودات والأفكار. ونذكر منها الأمثلة التالية: - ففي القوميات والأجناس يتحدث القرآن الكريم عن التعددية باعتبارها آية من آيات الله في الاجتماع الإنساني. فيقول تعالي «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف السنتكم والوانكم إن في ذلك لآيات للعلمين». - وفي المناهج ومن ثم الحضارات هناك تعددية يرى القرآن الكريم أنها الأصل والقاعدة الأبدية فيقول تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم» فيوضح المفسرون أن الاختلاف أو التعددية هنا هي علة الوجود. - وفي إطار تعددية الشرائع تحت جامع الدين الواحد جاء الحديث في القرآن الكريم عن نجاة أصحاب الشرائع المتعددة اذا جمعتهم أصول واحدة هي الإيمان بالله الواحد. واليوم الآخر والحساب والعقاب. والعمل الصالح في الدنيا: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون». وإذا كان الاجتهاد فريضة إسلامية دائمة أو فرض من فروض الكفايات في كل عصر. فلابد من التعددية في المجتهدين والتي تثمر أيضا تنوع واختلاف الاجتهادات وما يتبلور عن ذلك من مدارس ومذاهب وتيارات كثيرة. والتعددية هي الأساس الذي قامت عليه الدولة الإسلامية الأولى التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة. فيؤكد الدكتور عمارة أن في دستور هذه الدولة الذي أطلق عليه الصحيفة تظهر التعددية في إطار وحدة الأمة الوليدة. فقد تحدثت الصحيفة عن القبائل وأحلافها وحقوقها باعتبارها لبنات في إطار الأمة والواحدة. والمهاجرون والأنصار جوامع فرعية أشارت إليهم الصحيفة في إطار الجامع الإسلامي الواحد. والتعددية الدينية بين جماعة المسلمين وجماعة اليهود تحدثت عنها الصحيفة ونظمتها في إطار الأمة الواحدة بالمعنى السياسي. فقد نصت الصحيفة التي كانت بمثابة دستور الدولة الجديدة ـ على أن المؤمنين والمسلمين. من قريش وأهل يثرب. ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس وأن اليهود أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين. وأن على اليهود نفقتهم والمسلمين نفقتهم. وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم. وأنه إذا حدث بين أهل هذه الصحيفة شجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله. ففي إطار الدولة الواحدة ذات المرجعية التشريعية الواحدة. تعددت الانتماءات القبلية والدينية. ومن ثم فإن التعددية فكرة أصيلة في الإسلام تتنوع تطبيقاتها، وإذا بحثنا عنها في المجال السياسي، وما يعنيه ذلك من تكوين أحزاب سياسية، نجد أن الفكر الإسلامي يتسع لهذا التطبيق، بل البعض يرى أن تاريخنا قد شهد ما يمكن تسميته بالأحزاب السياسية، ومن بين الذين يتبنون هذا الرأي الدكتور صوفي أبو طالب، الذي يؤكد أن الفكر الإسلامي في عصور حرية الاجتهاد كان يفتح الباب أمام تعدد الآراء في إطار المبادئ العامة التي وردت في الكتاب والسنة، وهذا التعدد ظهر صداه في تعدد المدارس الفكرية التي عُرفت باسم (المذاهب الإسلامية). ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل صَاحَبَ ذلك ظهور أحزاب سياسية بالمعنى المفهوم لنا اليوم عُرفت في التاريخ الإسلامي باسم (الفرق الإسلامية)، فالحزب بالمعنى السياسي يتكون من (جماعة تضع لنفسها برنامجاً معيناً تسعى إلى تحقيقه بعد الوصول إلى الحكم بإرادة الناخبين)، والخلاف بين الفرق الإسلامية بدأ سياسياً حول نظام الحكم، ثم تبعه اختلاف فقهي واختلاف في بعض أمور الدين، ولا غرابة في ذلك ؛ لأن نظام الحكم الإسلامي يجمع بين الدين والدنيا. وقد بدأت الفرق في الظهور مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في المجتمع الإسلامي بعد اتساع رقعة الدولة ودخول شعوب كثيرة في الإسلام، فبعد الفتنة الكبرى في عهد الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - والتي انتهت بقتله، وبعد تولي الإمام على الخلافة انقسم الناس إلى عدة فرق تبلورت نظرياتها في الحكم بالتدريج، وأهمها ثلاث فرق: فرقة ترى أحقية الإمام علي بالخلافة وسميت فيما بعد بفرقة (الشيعة)، وتحصر الخلافة في ذريته، وفرقة تحصر الخلافة في قريش، وهم (أهل السنة أو الجماعة)، وفرقة ترى عدم حصر الخلافة في أسرة أو قبيلة معينة، وتجعلها حقاً للمسلمين أجمعين، عرباً كانوا أو أعاجم، وتسمى فرقة (الخوارج). والفرقة الأولى تعتبر الخلافة من أركان الدين، ولا تُترك لاجتهاد الأمة، أما الفرقتان الثانية والأخيرة فتريان أنها من الأمور الاجتهادية المفوضة للأمة. وحاولت كل فرقة جمع الأنصار من حولها بغية الوصول للحكم، وقد نجحت فرقة الشيعة في الوصول إلى الحكم وإقامة الدولة الفاطمية في مصر، ولم ينجح الخوارج في الوصول إلى الحكم اللهم إلا في بعض أجزاء الدولة في عصر تجزئة الدولة الإسلامية في أواخر القرن الثالث الهجري، بينما ظل أهل السنة أو الجماعة قابضين على الحكم في العصرين الأموي والعباسي، وبعد سقوط الدولة الأموية في دمشق نجحوا في إقامة دولة لهم في الأندلس، ومازال الخلاف قائماً بين الشيعة والخوارج وأهل السنة حتى اليوم. ولم يقتصر الخلاف بين الفرق (الأحزاب) الثلاث على المبادئ السياسية ونظام الحكم والقواعد القانونية وبعض أمور الدين، بل تعداه إلى طريقة الوصول إلى الحكم. ويوضح الدكتور أبو طالب أنه لم يُكتب للنظام الحزبي سالف الذكر النمو والتطور على خلاف ما حدث في الديمقراطية الغربية، وذلك لعدة أسباب، أهمها: الظروف التي نشأت فيها في أعقاب الفتنة الكبرى بعد مقتل الخليفة عثمان، وعدم اعتراف أحزاب الأقلية (الشيعة والخوارج) بنظام الحكم الذي أقامه أهل السنة بدءاً من عهد معاوية، وتراضت عنه الأمة لدرجة سُمي العام الذي قام فيه (41ه) بعام الجماعة، وعدم وجود آليات وأدوات فعالة تسمح بتداول السلطة سلماً بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة، وكان من أخطر نتائج هذا الوضع أن الحكام كانوا لا يعتبرون المعارضة جزءاً من نظام الحكم، ولا يسمحون بتداول السلطة معهم. وتبقى نقطة أخرى،وهي أن البعض ينكر على الفكر الإسلامي رفضه لحرية تكوين الأحزاب ورفضه لحريتها في وضع برامجها، وفي رده على ذلك يؤكد الدكتور صوفي أبو طالب أن هذا الرأي مبالغ فيه، فالواقع أن النظم الديمقراطية الغربية تختلف فيما بينها بخصوص حرية تكوين الأحزاب، فبعضها يستلزم لقيام حزب سياسي الحصول على موافقة الدولة، وبعضها الآخر يطلق حق تكوين الأحزاب، كما أن بعض الدول تشترط عدم خروج الأحزاب على بعض المبادئ الأساسية في المجتمع، فلا تسمح بقيام حزب جمهوري في بلد ملكي، والعكس بالعكس، ولا تسمح بقيام حزب فاشي أو نازي في بلد ليبرالي وهكذا، والبعض الآخر يطلق للأحزاب حق وضع برامجها ولو كانت مخالفة للمبادئ التي أقرها دستورها. أما الفكر الإسلامي فيسمح بتكوين الأحزاب السياسية كما رأينا ولكنه يقيدها بعدم الخروج على المقومات الأساسية للمجتمع، كما حددها القرآن والسنة، فلا يجوز إقامة حزب علماني يخلّي مسئولية السلطة الحاكمة عن رعاية الدين، ولا يسمح بقيام حزب ينادي بمبادئ تخالف الأحكام القطعية في الكتاب والسنة مثل نظم المواريث. والفكر الإسلامي في هذه الضوابط ليس فريدا، وإنما يشابه ما تقوم به بعض الأنظمة التي توصف بأنها متقدمة في عالم اليوم، ومع ذلك تضع شروطا لتكوين الأحزاب، وتغلق الباب أمام بعض التوجهات الفكرية، على النحو الذي أشرنا إليه. د. محمد يونس