عندما أسرى الله عز وجل بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.. قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بربط البراق الذي أسرى به على الحائط الغربي للمسجد الأقصى.. ومنذ ذلك التاريخ. قبل أكثر من أربعة عشر قرنا. عرف هذا الحائط باسم: حائط البراق. حول هذا الحائط المقدس الذي يطلق عليه اليهود زورا وتدليسا: حائط المبكى تقدم لنا الدكتورة زينب عبد العزيز كتابها المهم: حائط البراق. أساليب تدريجية في البداية تؤكد المؤلفة أن فرية حائط المبكى المزعوم.. مثلها مثل كل الفريات الصهيونية. بما فيها عملية غرس ذلك الكيان نفسه وقد تمت بنظام التسلل خطوة خطوة حتى لا ينتبه أحد إلى حقيقة ما يحاك. وقد بدأت الأساليب التدريجية التي عمدت إليها الصهيونية لتغيير الوضع الراهن عن ذلك الحائط بعد الحرب العالمية الثانية. وتتلخص هذه الأساليب التدريجية التسللية في جلب الكراسي والمصابيح والستائر من قبل المصلين اليهود. وذلك على غير عادتهم السابقة منذ هدم الهيكل.. ووضع هذه الأدوات أمام الحائط وتركها حتى يحدثوا سابقة تمكنهم من التقدم إلى الإدعاء بحق ملكية الأرض التي يضعون عليها هذه المعدات. ويزداد التسلل ليضاف إلى هذه الفرية أن ذلك المكان يمثل: قدس أقداس الهيكل. وتنبه العرب إلى هذه الحيلة.. وقاموا بالاحتجاج لدى الحكومة البريطانية على هذا الخرق الواضح للوضع الراهن.. كما قاموا بتعبئة الرأي العام الفلسطيني للتصدي له.. ودارت محادثات طويلة بين رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وحكومة الانتداب.. بدأت في 19 فبراير 1922وإستمرت بلا إنقطاع تقريبا إلى عام 1929 عندما أدى الاستفزاز اليهودي عند الحائط الغربي إلى انفجار عربي مسلح ضد الجوالة اليهودية في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية.. ردا على المؤامرة الصهيونية على حائط البراق وتحويله إلى حائط المبكي. وكلما أشتد الموقف العربي كان رجال الإنتداب يأمرون الصهاينة برفع تلك المعدات.. فينصاعون لفترة ثم يعاودون المحاولات. وتكررت المحاولات إلى أن وقع إنفجار 1929 المعروف باسم ثورة البراق. واثر هذه الاضطرابات ارسلت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق في حقوق العرب واليهود في حائط البراق. وتقدمت الحكومة البريطانية إلى مجلس عصبة الأمم تطلب الموافقة على تكوين لجنة خاصة لهذا الغرض. وفي 15 مايو 1930 وافق مجلس عصبة الأمم على الأشخاص الذين تم ترشيحهم من قبل بريطانيا لعضوية الجنة وهم: إلياس لوفعزين وزير الشئون الخارجية الأسوجي سابقا وعضو مجلس الأعيان في أسوج شارل باردي نائب رئيس محكمة العدل في جنيف ورئيس محكمة التحكم النمساوية - الرومانية المختلطة.. س.فان كمبن عضو البرلمان الهولندي وحاكم الساحل الشرقي لجزيرة سومتر سابقا. وقد وصلت هذه اللجنة الدولية إلى مدينة القدس في 19 يونيو 1930. واقامت بها شهرا كاملا.. عقدت خلاله 23 جلسة.. التزمت خلالها بالأصول القضائية المتبعة في المحاكم الإنجليزية.. كما استمعت بالإضافة إلى ممثلي الطرفين الرسميين إلى 51 شاهدا.. استدعى اليهود 21 منهم واستدعى العرب العدد الآخر.. واثناء هذه الجلسات تم إبراز 61 وثيقة أو مجموعة من الوثائق منها 35 وثيقة قدمها اليهود.. و26 قدمها العرب. ويوضح وليد الخالدي الذي قدم لهذا التقرير عندما قامت مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت بنشره في عام 1968. كيف كان الدفاع العربي يثير الاعجاب بادراكه العميق لمغزى القدس.. وما ترمز إليه في نظر العرب والمسلمين. وقد حضر جلسات اللجنة مندوبون من جميع الدول العربية والإسلامية في العالم بما في ذلك مندوبون من المغرب وإيران وأندونيسيا. وانتهت اللجنة الدولية في وضع تقريرها في أول ديسمبر 1930.ونالت استنتاجاتها موافقة الحكومة البريطانية وموافقة عصبة الأمم.. وبذلك أصبح هذا التقرير وثيقة دولية في غاية الأهمية..لابد من الإستناد إليها للرد على جميع الأكاذيب الصهيونية حول حائط البراق. وتتلخص الاستنتاجات التي خرجت بها اللجنة.. في أن حائط المبكى بالذات هو: اثر إسلامي مقدس.. وإنه بكل حجر ومدماك فيه.. طولا وعرضا.. بما فيه الرصيف المقابل والمنطقة الملاصقة له داخل أسوار المدينة القديمة. ملك عربي ووقف إسلامي خالد. وإنه لاحق إطلاقا وشمولا لليهودية في ملكية أية ذرة من ذراته.. وأن كل ما لليهودية علينا هو حق الزيارة إلى الحائط ليس إلا.. وأن هذا الحق منبعه التسامح العربي الإسلامي. ولا ينطوي على أي نوع من أنواع الملكية لليهود. بل هو مقيد بالحدود التي تفرضها الأعراف والتقاليد الإسلامية من حيث أوقات الزيارة أو كيفية أدائها. وما يجوز للمصلين اليهود الإتيان به إلى الحائط من أدوات من أجل الزيارة. ومن الجدير بالذكر والدال على فرية الصهاينة في ملكية حائط البراق أن مكان نواح اليهود قديما كان على جبل الزيتون. حيث كان باستطاعة المصلين مشاهدة أطلال الهيكل عن بعد أو بالقرب منه. تزوير تاريخي وتتحدث المؤلفة عن الحفريات الصهيونية في القدس موضحة أنها تشكل جانبا مهما من الجوانب التي جهدت الصهيونية إلى استغلالها إلى أبعد الحدود.. محاولة منها لتثبيت إدعاءاتها الكاذبة حول حائط البراق.. ولعل من أبرز ما في هذا الجانب هو التزوير التاريخي لاسماء ومكتشفات وموجودات المواقع التاريخية.. من خلال عمليات ترميم الآثار والمواقع الاثرية. حيث أخذت الصهيونية العالمية تحصد نتائج هذه العمليات الترميمية بعد قيام الكيان الصهيوني مباشرة. والمتتبع لهذه الهجمة الهستيرية المحمومة في إجراء الحفريات بأشكالها المتنوعة ومواقعها المتعددة في البلدة القديمة. والإستيلاء على الممتلكات والعقارات والمقدسات الإسلامية عنوة.. يدرك تماما ان علماء الآثار من يهود ومتصهينين إنما يبحثون عن آثار لم تكن لها أصلا جذور تاريخية انعكست مؤثراتها على أهل هذه المنطقة وأصحابها الحقيقيين الذين طبعوا فلسطين بطابعها فلم يخلفوا خلفهم حضارة متميزة خلال سنوات وجودهم في فلسطين. وذلك على عكس الحضارات الأخرى الكبيرة كالفراعنة واليونان والرومان والبيزنطيين وغيرهم ممن خلفوا لهم تراثا ملموسا دون أن يطالبوا أصحابها بملك أو ميراث أو صلة بهذه البقعة أو تلك من بقاع العالم الأخرى. ويمكن القول إنه حتى المراحل التسع من الحفريات التي أجريت في إطار حدود القدس التاريخية البلدة القديمة كانت أولية تمهيدية لأنها مثلت الخطوات الأولى على طريق تغيير المعالم الحضارية والتهويد.. برغم أنها شكلت الدلالة الواضحة على نية سلطات الاحتلال الإسرائيلي لطمس الهوية الحضارية المتميزة لهذه المدينة المقدسة بتسارع وعدوانية لم يشهد لها مثيل عبر التاريخ. وهذه المراحل التسع امتدت على مدى أربعة عشر عاما. ويمكن تلخيصها فيما يلي: - المرحلة الأولى: تمتد من أواخر عام 1967 وحتى نهاية 1968. حيث تم حفر 70 مترا من أسفل الحائط الجنوبي للحرم القدسي.. خلف المسجد الأقصى وأبنية جامع النساء والمتحف الإسلامي والمئذنة الفخرية. - المرحلة الثانية: إنتهى العمل بها عام 1969. وقد شملت حفر 80 مترا من سور الحرم القدسي الشريف.. شملت باب المغاربة مارة تحت الأبنية التابعة للزاوية الفخرية مركز الإمام الشافعي. فهدمت هذه المعالم العربية الإسلامية وطرد أهلها منها يوم 4 يونيو 1969. - المرحلة الثالثة: إمتدت من عام 1970 - 1973 وشملت أسفل المحكمة الشرعية وخمسة أبواب للحرم القدسي هي: باب السلسلة.. باب المطهرة.. باب القطافين.. باب الحديد.. وباب علاء الدين البصري باب المجلس الإسلامي.. إضافة إلى أربعة مساجد ومئذنة قايتباي الأثرية وسوق القطافين.. وقد أدت هذه الحفريات إلى تحويل قسم من المحكمة الشرعية إلى كنيس يهودي. وتصديع المعالم التاريخية كالجامع العثماني ورباط الكرد والمدرسة الجوهرية. - المرحلة الرابعة والخامسة: شرع في المرحلة الرابعة عام 1973. وانتهت في بداية 1974. لتبدأ المرحلة الخامسة. وشملت هاتان المرحلتان المنطقة الواقعة خلف الحائط الجنوبي الممتد من أسفل القسم الجنوبي الشرقي للمسجد الأقصى وسور الحرم القدسي الشريف بطول 80 مترا إلى الشرق.. كما شملت أيضا الحائط الجنوبي للحرم ثم الأروقة السفلية للمسجد الأقصى والحرم ذاته. - المرحلة السادسة: شرع فيها عام 1975 وتركز الحفر خلالها عند منتصف الحائط الشرقي لسور المدينة وسور الحرم الشريف.. وتقع في منطقة بين باب السيدة مريم والزاوية الشمالية الشرقية من سور المدينة.. وكان الهدف منها إزالة المقابر الإسلامية التي تضم رفاة كبار الصحابة وعلماء المسلمين كعبادة بن الصامت والبدري وشداد بن أوس الأنصاري. وإقامة جزء من منتزة إسرائيل الوطني على أنقاضها. المرحلة السابعة: كانت تطبيقا لمشروع اللجنة الوزارية الإسرائيلية لعام 1975 الذي يقضى بضم الممتلكات العربية الإسلامية إلى ساحة المبكى ساحة البراق. وقد نجم عن ذلك الحاق الأضرار وتعريض المعالم الإسلامية إلى الإنهيار. وأهمها: المحكمة الشرعية القديمة. عمارة المكتبة الخالدية. زاوية أبو مدين الغوث ومسجده.. تعرض 35 عقارا عربيا يقطنها ما يزيد على 250 مواطنا عربيا للإنهيار. - المرحلة الثامنة: وهي من أبرز مراحل الحفريات وأكثرها خطورة. وفيها رفع الصهاينة والإسرائيليون شعار: كشف مدافن ملوك إسرائيل في مدينة داود.. أما خطورتها: فتتمثل في تعرض المسجد الأقصى لخطر الإنهيار. - المرحلة التاسعة: مرحلة تصدع البنية: وهي بمثابة اختراق للحائط الغربي من الحرم القدسي الشريف. وقد استأنفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الحفريات تحت المحكمة الشرعية في عام 1987 في عمارة المدرسة التنكزية وجنوبي المسجد الأقصى المبارك. عمليات اقتلاع! وتتساءل المؤلفة في الكتاب الصادر عن دار الحرمين مصر 2001 عن معنى ذلك الصمت الذي يخيم على قلوبنا وأبصارنا حكاما ومحكومين.. وعن معنى ذلك العمى الذي يخرس ضمائرنا إلى درجة التفريط في حقوقنا وفي حقوق الله علينا ؟.. ما الذي يلزمنا بقبول الظلم والمهانة.. بالذل والهوان.. ونحن أصحاب الحق ؟.. ما معنى ذلك الصمت والرضوخ الذي يغلفنا ويسلبنا إرادتنا وحقوقنا ويجبرنا على التفريط في أرضنا ودماء أبنائنا. وعلى التفريط في ديننا ورموزه ؟ ما الذي ننتظره من ذلك الغرب الذي اختلق القضية الفلسطينية برمتها وفرضها علينا ؟ وما معنى هذا التمسك المخادع بالمفاوضات المزعومة والتي ليست في الواقع إلا ذريعة لهم لكسب الوقت وتحقيق مزيد من الاستيطان.. وما معنى الاكتفاء بالإنتفاضة بالحجارة وهي تمثل في واقع الأمر عملية استنزاف بطيئة ومتواصلة للشعب الفلسطيني وشبابه؟ أن الغرب المتعصب الذي دأب على نصب العداء للمسلمين والعرب منذ مجيء الإسلام وبداية إنتشاره. واقام المذابح والمجازر من الحروب الصليبية بل وقبلها إلى يومنا هذا.. مرورا بهدم الإمبراطورية العثمانية. والبوسنة والهرسك. والفلبين. وأندونيسيا. وأفريقيا شمالا وجنوبا.. وكل ما نعيشه من عمليات اقتلاع مكشوفة.. هو نفسه الغرب الاستعماري الذي اتبع نظام الاستعمار. والذي قامت حضارته وثرواته على نهب وامتصاص ثروات ما أطلق عليه العالم الثالث.. إستعمار منذ أكثر من ستمائة عام ومازال.. وهو نفسه الغرب الذي اختلف وغرس الكيان الصهيوني في أرض يعرف العالم أجمع أنها أرض مغتصبة.. لذلك لن يقوم أبدا بحل هذه القضية. فالحل يكمن في أيدينا نحن كعرب ومسلمين.. علينا أن نرفض الظلم والقهر. ونرفض الإلتزام بكل ما يكبلوننا به من إتفاقيات وقرارات مجحفة.. علينا بالجهاد والمقاومة حتى نعيد الحق إلى أصحابه الذين طال بهم الصبر على الظلم والقهر والعدوان.