لا يقتصر الجمال في القرآن على الجمال المحسوس، وإنما لك أن تتخيل أشياء يمكن أن تحصل، وقد وعد الله سبحانه وتعالى الخلق جميعاً إن أطاعوه فإنه يمدهم بنعيم لا ينقطع وسعادة غامرة ومتعة حقيقية، فقال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) 96 الأعراف. والله سبحانه وتعالى هنا يفتح الخيال في تصور هذه البركات النازلة من السماء والصاعدة من الأرض، ويفتح الخيال للأماني الإنسانية، وأكثر الناس لا تتمنى من الدنيا إلا ما يملأ بطنها، ولذلك قال الله تعالى عن أهل الكتاب: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) 66 المائدة. ولنا أن نتخيل كيف يأكل الإنسان من فوقه، وكيف أنه إذا اتجه هاهنا وجد نعم الله وبركاته، وإذا اتجه هاهنا وجد كل ما يتمناه، وإذا نظر تحت أقدامه وجد رزقاً مباركاً يأكل منه ويشرب دون حساب أو جهد يذكر، لأن المضاعفة التي يمن الله بها على عباده لا حد لها فقد يضع حبة في الأرض فتعطيه سبعمئة حبة، كما قال تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) 261 البقرة. فهذه اللوحة إذن لوحة كبيرة تمتد مع الإنسان حيث وجد وأينما سار وكيفما اتجه، شريطة أن يطيع الله عز وجل، ولكن هذا الخيال ليس مجرد خيال، بل هو متصل بالواقع اتصالاً وثيقاً، لأن الله سبحانه وتعالى أعطى كثيراً من الأمم هذا العطاء، ولكنهم لم يشكروا تلك النعم فسلبها الله منهم. فوجود هذه النعم سابقاً تعطي الخيال قوة وأرضية يتركز عليها، كيلا يكون خيالاً لا صلة له بالواقع. ومن ذلك المنطلق ينطلق الخيال البشري ليحلم بجنات أشجارها مرتفعة مليئة بالثمار كالنخل الباسقات ذات الطلع النضير، تغدق عليه الثمر من فوقه أو كرمة العنب المتدلية على الأرض كأنها تنحني احتراماً لهذا الإنسان لتعطيه ما خلق الله فيها من طيب الثمار، أو يحلم بالأزهار والورود والزروع (والحب ذو العصف والريحان) وكأنها فرشت نفسها في الأرض ليدوس عليها وتحميه من صلابة الأرض إذا مشى، أو تكون له فراشاً إذا أحب أن يستلقي بين أحضانها، وهي بين هذا وذاك تنفحه برائحتها العطرة وجمالها الساحر، فيتحرك في الأرض وكأنه يمشي في عالم من الخيال الحالم. أو في عالم بديع رسم في الخيال ثم نفذ بيد ماهرة حكيمة فكانت دنيا متقنة الصنع رائعة الجمال. شهد الهاجري