تعد قضية تجديد الفكر الإسلامي في الميدان السياسي من القضايا المعقدة، والتي تقف أمام معالجتها العديد من الأسلاك الشائكة، بدءا من رفع شعار لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، وحتى قول بعض الباحثين أن الإسلام لم يطرح نموذجا سياسيا معينا، وإنما قدم خطوطا عامة، يضاف إلى ذلك أن البعض يدور مع مسميات وألفاظ معينة في المجال السياسي الإسلامي مركزا على المباني لا المعاني، مثل الخلافة والحاكمية إلى أخر هذه المفاهيم، لذلك تبدوا أهمية تجلي أبعاد التجديد الإسلامي في الميدان السياسي، مع الأخذ في الاعتبار كل هذه المعاني. ولعل قضية التطبيق المعاصر للشورى وآليات تطبيقها، وهل هي ملزمة او معلمة، قد شغلت حيزا كبيرا من جهود تجديد الفكر الإسلامي في هذا الميدان، وقد ارتبط بها الحديث عن التعددية، والموقف من الأحزاب السياسية، وغيرها من القضايا التي تحتاج الى أكثر من وقفة.. ان رصد حركة الفكر الإسلامي في هذا المجال يتطلب التوقف عند علامة بارزة تتعلق بالبحث عن آليات معاصرة لتطبيق الشورى، وقد أسهم في بلورتها مدرسة التجديد والإصلاح الإسلامي الحديثة وبخاصة جهود محمد عبده وتلميذه رشيد رضا والذي ارتبط أيضاً بمواجهة الاستبداد السياسي. وقد اقترنت بظروف موضوعية تمثلت في تزايد الاحتكاك المباشر بالغرب خلال فترة الاحتلال، وأثناء البعثات التعليمية في بعض العواصم الغربية، فضلا عن تزايد وطأة الاستبداد في غالبية البلدان الإسلامية في أواخر العهد العثماني، لذا اتجه الخطاب الديني إلى الهجوم على الاستبداد والاهتمام بقضية الشورى ووسائل تطبيقها. . وعرض الشيخ محمد رشيد رضا في صحيفة المنار رؤى واجتهادات جديدة -في ذلك الوقت- في هذا المجال، منها جواز تطبيق الشورى من خلال تكوين المجالس النيابية.. وقد استنتج ذلك من تفسير الأمام محمد عبده لقوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..) فهذه الآية الكريمة تشير إلى انتخاب أمة خاصة مثل مجلس النواب من مجموع الأمة وكون الأمة الخاصة منتخبة من الأمة العامة يقتضي أن للعامة رقابة على الخاصة وتوضح المنار أن هذه الآية بمثابة البيان لكون أمر المسلمين شورى بينهم، الوارد فى قوله تعالى «وأمرهم شورى» و «شاورهم فى الأمر» فكل من النصين دال على وجوب كون حكومة المسلمين شورية. ومن ثم اجاز هذه المدرسة استخدام آليات التجربة الديمقراطية الغربية لتطبيق الشورى، بل انها أجازت أن يكون غير المسلمين أعضاء في المجالس النيابية بالدول الإسلامية. ولكن ذلك لا يعني أن هناك اتفاقاً تاماً بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية، إذ انها أشارت الى وجود فروق في المنطلقات الأساسية لكل من النظامين.. ويمكن رصد ملاحظات أساسية في حركة التجديد التي تعاملت مع قضية الشورى: الأولى أن الخطاب التجديدي في هذا الميدان كان اقرب إلى تبرير استخدام آليات الديمقراطية الغربية في تطبيق الشورى، بينما لم يقدم آيات مستمدة من التراث الإسلامي لتحقيق هذا الغرض. . و الثانية تتمثل في أن الحديث عن الشورى وسبل تطبيقها ظل منحصرا في المجال الفكري، بينما كانت التطبيقات التي شهدتها معظم بلدان العالم الإسلامي، منبهرة ومقلدة للديمقراطية الغربية. . والثالثة هي انه لم يتم التعالم مع قضية الشورى بجديدة، في المجتمعات الإسلامية، لا نقصد هنا المجالس النيابية أو مجالس الشورى وإنما نقصد غياب تطبيق الشورى في مختلف المؤسسات الاجتماعية الأسرة والمدرسة، ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية. . لذا كان من الطبيعي أن تحدث انتكاسات في حركة التجديد السياسي فبعد سنوات قليلة من الاجتهادات التي قدمتها مدرسة التجديد الإسلامي الحديثة في مجال تطبيق الشورى، ظهرت اصوات ترى عدم وجود نظام سياسي في الإسلام وذلك في عشرينيات القرن الماضي، مثل الشيخ على عبد الرازق. وحتى داخل الجماعات الإسلامية التي اعتبرت نفسها امتدادا لتلك المدرسة، امتنعت عن الانخراط في العمل السياسي، ورفضت تشكيل حزب سياسي. . صحيح انه قد تم مراجعة هذا الموقف بعد نحو أربعة عقود، أجازت بعض الجماعات الإسلامية في بلدان أخرى تكوين أحزاب سياسية، ولكن الساحة كانت قد تغيرت ولم تعد قادرة على استيعابها ضمن خريطة العمل السياسي. وإن كانت جماعات أخرى قد انخرطت في هذا العمل بشكل مباشر في بعض البلدان، وبشكل غير مباشر في بلدان أخرى. . غير أن المهم في هذا الأمر أن قضية الشورى كمفهوم وكفريضة ينبغي ممارستها في مختلف مؤسسات المجتمع، لا تزال غائبة عن وعي المسلمين. . ويغيب عن أذهان الكثيرين أن الشورى نهج على المسلم أن يمارسه في حياته، وليست مجرد وظيفة سياسية، يوضع لها ركن أو يشيد لها مبنى يحمل اسمها.. والعجيب انه حتى التنظيمات التي تقول عن نفسها أنها إسلامية، تغفل هذه الفريضة، فيرصد الأستاذ عمر عبيد حسنة هذا الموقف موضحا إن غياب الشورى، بأبعادها السليمة عن بعض التنظيمات الإسلامية، شئ مذهل فإمارة الجماعة، وقيادتها، ممنوعة من التداول. وما يوصف به القائد الملهم، فوق ما يوصف به النبي المرسل. وسابقة البيعة مدى الحياة، يمكن أن نقول: إنها انطلقت ابتداء من أجواء التنظيمات الإسلامية، ثم أصبحت شعارات، ومبايعات للزعامات السياسية، إضافة إلى أن مضمون البيعة للقائد، أو الزعيم، لم تُفحص بنودها من الناحية الشرعية، ذلك أن الأمير، أو قائد الجماعة، تؤخذ له البيعة العامة، وتفصل عليه نصوص الكتاب والسنة، للولاية العظمى، ويصبح الإرهاب الفكري، وغياب الشورى، من لوازم هذه التركيبة العجيبة.. فمن شذ، شذ في النار.. ومن خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية!! د. محمد يونس