ومن أشهر تلك الطوائف أيها الأعزاء طائفة «العيارين» التي ظهرت في بغداد في العصر العباسي، وبلغ من استفحال أمرها ان اشتركت في فتنة الأمين والمأمون، واستعان بها «المستعين بالله» واعترف بزعامة عريفها «بنونه». وقد خلّد المؤرخون وسمّار العرب أسماء كثير من هؤلاء الزعماء، أمثال الطقطقي، وعلي الزيبق، وأبي الباز، وأبي دُلَف الذي قيل انه كان يتزعم 20 ألفا منهم، ونسج الرواة من سيرهم قصصاً طلية مثيرة. وقد حفلت «ألف ليلة وليلة» كما تعلمون بعدد من نوادر المحتالين أمثال زينب ودليلة وعلي الزيبق وأحمد الدنف الذي يظن انه أبودلف ذاته. ولكما أن تعلما ان المستشرق الألماني «فولدكه» قد أخطأ عندما حسب ان قصة «علي الزيبق» قد أخذت عن القصة المصرية القديمة «كنزرامبسينت» التي رواها «هيرودوت» وترجمها «ماسبيرو» عن اليونانية، فقد ورد ذكر علي الزيبق فيما كتبه ابن الأثير في تاريخه عن حوادث بغداد في القرن الخامس الهجري، فهو إذن شخصية حقيقية، كما ان الزمن الذي أنجبه كان سخياً بأمثال تلك الشخصية. ومن الطوائف التي عرفت بالاحتيال، وكثرت عنها نوادر العامة والخاصة، طائفة «الساسانيين» الذين كانوا ينتسبون إلى ساسان بن سفندريار وهو ملك من ملوك الفرس، انتهى به الحال إلى جمع المال بالطرق الاحتيالية. ومن ألاعيبهم الماكرة استوحى «الحريري» مقاماته المعروفة بالساسانية. ـ اعتدل هانز في جلسته بعد أن أصغى كثيراً واستمتع كثيراً بالمعلومات المتدفقة وأشار بيده يطلب الكلمة: وهل سجلت السير والأخبار تلك النوادر والحكايات؟ ـ نعم يا سيد هانز، فمن أطرف نوادر المحتالين في ذلك العهد تلك التي كانت تدور حول «أبي الباز» اللص الداهية، ذلك لأنه كان يتسم بروح فكهة لعوب. وقد روى «المسعودي» جانباً كبيراً من دعاباته ونوادره، في كتابه «أخبار الزمان» الذي خسرت المكتبة العربية للأسف معظم أجزائه، ومنها ما تضمن أخبار ذلك اللص، فلم تبق لنا من سيرته سوى لمحات عابرة ضمّنها المسعودي كتابه الشهير «مروج الذهب». ومن أبدع ما قصه المسعودي من نوادره في ذلك الكتاب: قصته مع الخليفة المتوكل الذي استعان به لكسب رهان بينه وبين طبيبه «جبريل بن بختيشوع» قيمته عشرة آلاف دينار، تعهد الطبيب بدفعها للخليفة إذا استطاع ان يبعث إلى بيته من يسرق منه شيئاً خلال ليال ثلاث، على أن يثبت أن ذلك الشيء ملك للطبيب، ولا يمكن أن يكون ملكاً لسواه. وانصرف الطبيب إلى بيته فحصّنه، حتى أصبح كقلعة من القلاع، وما كان من أبي الباز إلا ان قصد ذلك البيت ومعه شموع ومخدرات، واستطاع ان يهبط إلى حراسه في هيئة ملائكية، تكللها القدسية، ويشع منها الجلال، ولم يلبث أن خدرهم جميعاً، ثم خدّر سائر أهل الدار، ومنهم الطبيب. وعاد في تلك الليلة إلى قصر الخليفة، ومعه صندوق كبير، فتحه على مرأى منه ومن ضيوفه، فإذا بهم يفاجؤون بشيء لا يستطيع الطبيب ان يفكر انه ملك له، ولا يمكن ان يكون ملكاً لسواه، ففي داخل الصندوق شهد الجميع الطبيب نفسه، وكان مستغرقاً في سبات عميق. اهتز هانز طرباً على حكاية إبي الباز والطبيب وقال: إنه لص ظريف حقاً يا أستاذ وذو حيلة واسعة وفكر متقد ينم عن تجربة وممارسة وإدراك بفنون التنكر. ـ نعم أيها الصديق، لقد نقشت كتب السير كثيراً من تلك الحكايات الطريفة التي حدثت في أزمنة مختلفة، وعلى هذا المنوال لم تخل مسامرات الأندلسيين وهم الأقرب إليكم بحكم النقل والترجمة أيضا من ذاك اللون من ألوان القصص الشعبي الذي يدور حول مغامرات اللصوص ونوادر المحتالين. .. وغداً نكمل