البيئة هي الرحم الذي يحتوى الإنسان والذي سخره لنا الله عز وجل في أحسن صورة، وفي أعظم حال. وقد كان المنهج الإسلامي سباقا - كعادته - في مطالبة الإنسان بالحفاظ على البيئة. حيث حذره من الإساءة في التعامل معها.. معتبرا كل من يقترف هذه الجريمة خائنا لما أئتمنه الله عليه وأنابه عنه عز وجل في التعمير والبناء.. وليس في التخريب والتدمير! حول هذه القضية الخطيرة تقدم لنا الدكتور آمنة نصير كتابها الجديد : الإسلام وحماية البيئة الذي يتضمن ستة فصول. ويقع في 92 صفحة مقاييس حيوية! في الفصل الأول تؤكد المؤلفة أن الإنسان أعظم المخلوقات في هذا الكون واثمنها.. لأنه المستخلف من قبل الخالق سبحانه وتعالى.. ولكن للأسف أنه قلما يتصرف على ضوء هذه الحقيقة. .وبما يتناسب معها. .سواء مع نفسه أو مع من حوله من بشر أو بيئة.. فقد خلقه الله العظيم واتقن خلقه مع هذه البيئة المحيطة به على سطح هذه الكرة الأرضية.. ومثال عظيم على دقة الصنع وتناسبها مع البيئة التي وجد عليها.. نجده في تكوينه المتميز مع جاذبية الأرض. وهو شكل يعتبر ناجحا بالمقاييس الحيوية وما حدث لرواد الفضاء. وعدم تناسب البيئة القمرية مع جاذبية الإنسان.. حيث تبلغ جاذبية القمر سدس جاذبية الأرض. ومغزى ذلك أن الله خلق الإنسان لهذا الكون في صورة دقيقة متلائما مع البيئة التي يعيش عليها ويعمرها.. ولهذا أوجبت المسئولية تجاه هذه البيئة رعايتها من منطلق عقيدي وخلقي ومسئولية الحرص على مصلحة ومصالح أجياله القادمه مع هذه البيئة.. حتى تتبقى بصلاحها لحياة الآدمي كما خلقها الخالق له. وعلى الإنسان ألا ينسى أن أي تدمير لها سواء في تربتها.. أو في هوائها.. أو في زرعها أو فضائها.. أو مائها معناه تدمير للإنسان.. ويقول سبحانه وتعالي في سورة العنكبوت : قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق.. ويقول عز وجل في سورة البقرة : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون. ويقول سبحانه في سورة آل عمران ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا. حسن الانتفاع! وفي الفصل الثاني توضح المؤلفه أن الإسلام اعتنى بالبيئة بكل معانيها وأبعادها.. سواء ما يخص الأرض وقوانين التعامل معها. أو علاقة الإنسان بها في حالة تملكها أو رعايتها والحرص عليها من كل أذى يصيبها نتيجة عبث الإنسان.. مع رعاية العلم والعلماء الذين يسعون للترقي في العلم لكي ينهضوا بالبيئة بكل أنواعها وأبعادها سواء فيما يخص الإنسان أو مكونات الكون من سماء وأرض وبحار وجبال وغير ذلك.. وقد أفرد فقهاء الإسلام لقوانين الملكية الجماعية والفردية العديد من أبحاثهم وإجتهاداتهم للوصول إلى أفضل استعمال للبيئة وصيانة التعامل معها.. فإهتم الفقهاء بتعريف الملكية. ومدى التصرف والإنتفاع بها على وجه شرعي.. وتشمل الملكية الفردية والجماعية مع التأكيد على حسن الإنتفاع الكامل سواء للمالك أو للأرض المملوكة. حيث يقول الله عز وجل في سورة البقرة : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا.. كما يقول تعالي في سورة لقمان : ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة. ويؤكد الفقهاء على أن الإسلام قد قرر الحقوق - ومنها حق الملكية - محدودة بأوامر الشرع ونواهيه اجتنابا للهوى والنزعات الفردية. ولكي لا تتخذ هذه الحقوق وسيلة للإضرار بالأفراد أو بالاراضي أو بالبيئة بصورة فيها استبداد بالأفراد أو بالأرض.. ومن هنا كانت الملكية في الشريعة الإسلامية وظيفة احتماعية. وهذه الحقيقة الشرعية تأكيد على علاقة الجماعة بالأرض ومدى عناية الإسلام بتنظيم هذه العلاقة. ومن ثم فإن كل إنسان عليه أن يدرك وظيفته الحقيقية في هذه الأرض.. وحقيقة الاستخلاف وليس الاستخفاف أو الإستبداد. أو عدم رعاية البيئة والحرص عليها كما سخرها لنا خالقها ومالكها الحقيقي الله سبحانه وتعالى الذي يقول في كتابه الكريم في سورة المائدة ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما . وفي الفصل الثالث تتحدث المؤلفة عن تلويث الأرض.. مبينة أن جزءا لا يستهان به من هذه الأرض غير صالح لمعيشة الإنسان. .والجزء الصالح منها بدرجة جيدة لمعيشته فهو صغير نسبيا إذا قيس بالزيادة السكانية التي نراها من حولنا.. والأرض بإختصار هي مواطن الحياة الأساسية للإنسان. فهي تمده بالمأكل والمشرب والملبس.. ولذا وجب عليه أن يعرف حقها وقدرها وأن يصونها من أعدائها.. وأن يركز على ما فيها من نعم وخيرات أودعها الخالق له. فيقول الله تعالى في سورة عبس : فلينظر الإنسان إلى طعامه انا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. متاعا لكم ولأنعامكم. ثم يبين الخالق سبحانه في سورة الغاشية في صيغة هذا التساؤل كيف خلق النعم للإنسان : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت. ثم يلفت نظر المخلوقين إلى أهمية آيات الخلق والإبداع الإلهي سواء لخلق الإنسان أوخلق الأرض فيقول سبحانه في سورة الذاريات : وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون . ويقول عز وجل في سورة الأعراف : أولم ينظروا إلى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ. ويقول تعالى في سورة ق : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ويقول سبحانه في سورة الملك : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور. ويقول جل شأنه في سورة الجاثية : وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. هكذا خلق الله الكون بسمائه وأرضه لكي يستغله الإنسان أحسن استغلال.. ويسعى فيه بالعلم النافع الذي كرم الإسلام به الإنسان وأعلى من مكانته وحتى جعل الله العلماء ورثة الأنبياء. ولذلك حمل العلماء أمانة صيانة هذه البيئة من الأذى. وتقويم ما ينفعها.. وتعويض ما يصيبها من سوء استخدام الإنسان. كما أوجب عليهم التعامل مع ما سخر الله للإنسان في هذا الكون وفق القوانين والسنن التي تحكمها. وهذا بالضرورة يحمل الإنسان على معرفة هذه القوانين على أسس علمية ومعرفة صحيحة. أخطاء هائلة وفي الفصل الرابع تعتقد المؤلفة أن الحروب والمعارك التي نشبت في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات السابقة.. اصابت البيئة بملوثات خطيرة.. كما حدث مؤخرا في حرب الخليج وتسرب النفط من الناقلات العملاقة.. أو من جراء الكوارث التي تلحق بهذه الناقلات.. وتسرب النفط يؤدي إلى أخطار هائلة بالحياة البحرية. فهو يطفو فوق سطح البحر لأن النفط أقل كثافة من الماء. وهو قاتل للكائنات الحية بسبب موت البلانكتون الهائم على السطح.. و البلانكتون هو دقائق الكائنات الحية والنباتية والحيوانية الهائمة قرب سطح البحر.. وهو غذاء رئيسي للأسماك والكائنات البحرية الأخرى.. إلى جانب أهميته كيميائيا في إستخلاص جزء من ثاني أكسيد الكربون من الجو العامل الهام في بقاء نسب غازات الهواء ثابتة.. وفي حالة قتل عدد كبير من هذا البلانكتون بالتلوث. تختل هذه النسب.. وهذا يؤدي إلى خطر.داهم في حق الحياة برمتها. كما لا ننسى أخطار الأسلحة الكيميائية والمواد المشعة ومخلفاتها. والتي انتشرت في الفترة الأخيرة بصورة أصبحت تهدد البيئة ومن عليها من جميع الكائنات الحية بشرية وحيوانية ومائية.. لذا ارتفعت أصوات العلماء تطالب الإنسان بالكف عن التمادي في الإساءة إلى المياه. .وتقييد هذه الأبحاث وقصرها على ما ينفع الناس فقط.. والتركيز على أهمية البحار والمحيطات لأنها مصادر هامة جدا لثروات عظيمة لم تستغل بعد الاستغلال الصحيح.. حيث يقول الله عز وجل في سورة النحل منبها على أهمية ثروة البحار: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. قواعد صارمة وفي الفصل الخامس تقرر المؤلفة أن الاهتمام العالمي بالبيئة قد تنامى خلال الثلث الأخير من القرن الماضي.. متمثلا في المؤتمر العالمي للبيئة المنعقد في استكهولم 1972. ثم المؤتمر العالمي للبيئة الذي انعقد في ريودي - جانيرو في البرازيل 1992 وسمى مؤتمر قمة الأرض. وابرمت خلال تلك الحقبة العديد من الإتفاقيات الدولية في مجال البيئة. وعلى المستوى المحلي تزايد الإهتمام بمشاكل البيئة ومتطلبات حمايتها.. وبدأت المنظمات غير الحكومية تطالب بإصدار التشريعات الكفيلة بحماية البيئة والحد من تلوثها والحفاظ على مواردها وصونها. وذلك أنه من المؤكد رغم ما اكتشف من الوسائل التكنولوجية التي دخلت حديثا في مجال حماية البيئة. وبرغم كل الجهود التي تبذل في هذا المجال.. إلا أن كل ذلك لا يمكن أن يحقق وحده الغاية المرجوة دون وجود نظم وقواعد صارمة وملزمة تكفل حماية الموارد البيئية والحفاظ عليها وصونها. فالعمل على إيجاد نظم وتشريعات بيئية متطورة. وتداركه لكافة الأبعاد العلمية والتكنولوجية. وما حققته من تقدم سريع انعكست آثاره على البيئة في كافة عناصرها ومكوناتها من شأنه أن يكفل الكمال للحفاظ على البيئة في جميع مكوناتها.. على أن يساند تلك النظم التشريعية بالديناميكية والمرونة اللتين تكفلان لها مسايرة التطور السريع في الأساليب العلمية والتكنولوجية بل وفي مفهوم البيئة ذاتها ومضامينها وابعادها. أذى فتاك! وفي الفصل السادس تشير المؤلفة إلى الضوابط الأخلاقية في حماية البيئة مؤكدة أن التلوث لا ينحصر في رقعة أرض محددة.. بل يمتد إلى حدود الآخرين. وهذا ما وضح من أمثلة عديدة مرت في حياة الشعوب وهو ما يلقي تبعة أخلاقية لابد لكل دولة أن ترعي حق الدول الأخرى فيما يصدر من أذى.. وهي مسئولية أخلاقية لابد أن توضع في حساب الدول. ومازال في الذاكرة حادث تشيرنوبل والأذي الفتاك الذي أذى الكثير من الدول المجاورة. ولا ننسى ناقلات البترول التي تصاب بأذى ومدى خطورة ذلك على مياه البحار التي تكون فيها. وفداحة ذلك على الثروة السمكية. ولا ننسى أذى الأمطار الحمضية التي تسقط على بعض المناطق ومدى الخسارة التي تسببها للأرض والتي قد تؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل. وصدق الله العظيم إذ يقول في سورة الروم وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. فالإفساد في البيئة في أي عنصر من عناصرها فيه مخالفه لأمر الله عز وجل فيما استخلفنا فيه. وسوف يحاسبنا عليه في الآخرة.. بعد أن نكون أفسدنا حياتنا في الدنيا. فالمسئولية الأخلاقية تجاه البيئة تحتم علينا كما يأمرنا الحق تبارك وتعالى في سورة العنكبوت ولا تعثوا في الأرض مفسدين. ومن التوجه الأخلاقي في التعامل مع البيئة.. عدم الإخلال بالتوازن البيئي.. سواء في غاباتها. .ومزروعاتها. وحيواناتها. وطيورها. حتى حشرات الأرض ثبت أن التخلص من بعضها له تأثير سلبي على توازن بعض هذه المخلوقات على بعضها.. وبات من المؤكد لدى العلماء أهل الاختصاص أن أي تعد على عناصر البيئة يحدث إخلالا بمكوناتها. لأنه سبحانه وتعالى كما يقول في سورة القمر خلق كل شيء «إنا كل شئ خلقناه بقدر».