لقد فرض الله علينا الصوم في رمضان وما فرضه إلا لأسرار عليا وحكم بالغة نعرف منها ما نعرف ونجهل منها مانجهل ويكشف الزمن عن بعضها ما يكشف فعلينا ان نتأمل حكمة الله من وراء هذا الجوع والعطش وان ندرك سره تعالى في الصوم حتى نؤديه كما أراده الله لا كما اشتهاه الناس. فرض الله الصيام ليتحرر الانسان من سلطان غرائزه وينطلق من سجن جسده ويتغلب على نزعات شهواته ويتحكم في مظاهر حيوانيته ويتشبه بالملائكة فليس عجيباً ان يرتقي روح الصائم ويقترب من الملأ الأعلى ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح ويدعو ربه فيستجيب له ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر والامام العادل ودعوة المظلوم. وإذا كان في الصيام فرصة ـ أي فرصة لتقوية الروح ففيه فرصة ـ أي فرصة لتقوية البدن فإن كثيراً مما يصيب الناس من أمراض إنما هو ناشئ من بطونهم التي يتخمونها بكل ما تشتهي غيرمفرقين بين ما ينبغي وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» وليس كالصوم فرصة تستريح فيها المعدة ويتخلص الجسم من كثير من فضلاته الضارة وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «صوموا تصحوا». وفي الصوم تقوية للارادة وتربية للضمير، فالصائم يجوع وأمامه شهي الغذاء ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجته لا رقيب عليه في ذلك إلا ربه، ولا سلطان إلا ضميره، ولا يسنده إلا ارادته القوية الواعية يتكرر ذلك نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كل يوم وتسعة وعشرين يومياً أو ثلاثين في كل عام، فأي مدرسة تقوم بتربية الارادة الانسانية وتعليم الصبر الجميل كمدرسة الصيام التي يفتحها الاسلام اجبارياً للمسلمين في رمضان، وتطوعاً في غير رمضان. ومن حكم الصوم انه يعرف المرء بمقدار نعم الله عليه، فالانسان إذا تكررت عليه النعم قل شعوره بها، النعم لا تعرف إلا بفقدانها، فالحلو لا تعرف قيمته إلا اذا ذقت المر والنهار لا تعرف قيمته إلا إذا جن عليك الليل وبضدها تتميز الأشياء. ففي الصوم معرفة لقيمة الطعام والشراب والشبع والري ولا يعرف ذلك إلا إذا ذاق الجسم حرارة العطش ومرارة الجوع ومن أجل ذلك ورد ان النبي صلى الله علين وسلم قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك». ومن أسرار الصيام الاجتماعية انه تذكير عملي بجوع الجائعين وبؤس البائسين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وقد روي ان يوسف عليه السلام كان يكثر الصيام وهو على خزائن الأرض بيده المالية والتموين، فسئل في ذلك فقال: «أخاف ان أشبع وأنسى الجائع». وفي الصوم تمام التسليم لله وكمال العبودية لرب العالمين ملك الناس وهذه الحكمة هي القدر المشترك في كل عبادة والهدف الأسمى من كل فريضة ولن تكون العبادة عبادة ولا العبد عبداً إلا بها، يقول رب العباد: «أمرت ونهيت» ويقول العباد: «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»، وما أظهر هذا التسليم والعبودية في الصوم خاصة» فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا حب الله والرغبة في رضاه وايثار ما عنده ولهذا نسب الله الصيام إلى حضرته، وتولى جزاء الصائمين بنفسه، فقال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه من أجلي ويدع شرابه من أجلي ويدع لذته من أجلي ويدع زوجته من أجلي». ذلكم هو الصوم في الاسلام لم يشرعه الله تعذيبا للبشر ولا انتقاماً كيف وقد ختم آية الصوم بقوله: «يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر» وإنما شرعه الله ايقاظاً للروح وتصحيحاً للجسد وتقوية للارادة وتعويداً على الصبر وتعريفاً بالنعمة وتربية لمشاعر الرحمة وتدريباً على كمال التسليم لله رب العالمين، وبالله التوفيق.