الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. أكد الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية أن الدعوة إلى التجديد الفقهي لا مبرر لها ولا حاجة للمسلمين إليها لأن الفقه الإسلامي مرن ومتجدد بطبيعته ويلائم كل زمان ومكان. وقال ان بعض الذين يدعون إلى التجديد الفقهي يريدون الغاء الفقه القديم وهذه مسألة خطيرة لأن الفقه مبني متكامل وضعت لبناته كل الأجيال ونحن لا نستطيع الاستغناء عن هذا الفقه بأي حال. ودعا إلى التعاون بين دور الإفتاء والمجامع الفقهية في العالم الإسلامي لتضييق فجوة الخلاف بين المسلمين وإيجاد نوع من الإتفاق خاصة في القضايا الكبيرة. وطالب الدول الإسلامية بمقاطعة الدول التي تعتدي على المسلمين وتعطيل مصالحها في المنطقة مشيرا إلى ضرورة تقديم المساعدات والوقوف إلى جانب الأقليات الإسلامية والحفاظ على هويتها. واشار إلى أن الأقليات الإسلامية لا تحتاج إلى فقه خاص لأن الفقه يراعي اختلاف البيئات والأزمنة وإنما تحتاج إلى التمسك بدينها ومواجهة الإغراءات. وأوضح ضرورة عدم الإختلاط بين الرجال والنساء في مؤسسات العمل والتعليم. ـ توجد في الدول الإسلامية مؤسسات للإفتاء ومجامع فقهية فهل معنى ذلك أنه لا يجوز للأفراد الإفتاء أو بمعنى أخر أنه يجب قصر الإفتاء على هذه المؤسسات؟ ـ دور الإفتاء في الدول الإسلامية - ومن بينها دار الإفتاء المصرية - عبارة عن مؤسسات رسمية للفتوى وتصدر عنها فتاوى في القضايا العامة التي تواجه المجتمعات الإسلامية كما تجيب عن أسئلة كل من يلجأ اليها من المسلمين وهي لا تمنع أحدا من الإجتهاد أو الإفتاء ما دام مؤهلا لذلك، فدار الإفتاء المصرية مثلا هي الجهة الرسمية المسئولة عن إصدار الفتاوى العامة أما الفتاوى الخاصة فمتاحة لكل العلماء والمؤسسات غير الرسمية وهذا ليس منعا من دار الإفتاء لغيرها من الإفتاء وإنما فتاوى دار الإفتاء هي الملزمة أما الفتاوى الأخرى فغير ملزمة، على سبيل المثال دار الإفتاء هي الجهة المنوط بها تحديد بداية الشهور الهجرية ومن بينها شهر رمضان وبالتالي يسير المجتمع على ما يصدر عنها في هذا الشأن ويلتزم به الأفراد وفي نفس الوقت لا يجوز لجهة أخرى أن تصدر فتوى في هذا الصدد وحتى إذا صدرت عنها فتاوى تخالف المؤسسة الرسمية فإن أفراد المجتمع ملزمون بتنفيذ فتاوى المؤسسة الرسمية وليس غيرها. وإذا كان الإفتاء حقا لكل مؤهل فإن العالم الذي يجتهد وتصدر عنه فتاوى يكون مسئولا عما يترتب على فتواه واجتهاده خاصة إذا أثار بلبلة أو اضطرابا بين عامة الناس. وبالطبع نحن لا نريد أن تقوم دار الإفتاء بالرد على كل كبيرة وصغيرة وإنما نريد أن تركز دار الإفتاء على القضايا العامة والقضايا الكبيرة التي قد يثار حولها الخلاف بين الناس وتحتاج إلى حسم وإنهاء الخلاف. ودار الإفتاء لا تصادر الآراء الأخرى وإنما هي تختار من بين الآراء ما يمنع النزاع بين المتنازعين أو المتخاصمين لتكون حكما بينهم في بيان الحكم الشرعي الذي يلائم ظروف الناس في الزمان والمكان الذي يعيشون فيه وبما يتوافق مع كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم. قضايا قومية ـ هناك دعوة إلى الاجتهاد الجماعي كوسيلة لتوحيد الآراء والقضاء على الإختلاف. فما رأيكم في هذه الدعوة؟ ـ الاجتهاد الجماعي معناه أن هناك خلافات وتحاول جهة معينة مثل دار الإفتاء القضاء عليها من خلال جمع العلماء في التخصصات المختلفة ومناقشة القضية موضع الخلاف ويمكن التعاون بين دور الإفتاء والمؤسسات والمجامع الفقهية في هذا المجال بهدف إيجاد نوع من الإتفاق بين الدول الإسلامية في بعض القضايا التي تسميها القضايا القومية - التي يتحتم عدم الإختلاف عليها لأن الخلاف فيها يؤثر على المسلمين لذلك نلجأ في مثل هذه الحالات إلى الاجتهاد الجماعي فيجمع أهل العلم والرأي ويتخيرون رأيا واحدا من بين الآراء المطروحة من ذلك الاجتماع الذي عقد في جده وحضره علماء ثماني عشرة دولة إسلامية لمناقشة سبل توحيد أوائل الشهور الهجرية والإتفاق على تقويم موحد تسير عليه جميع الدول الإسلامية. تطوير وتغيير ـ هناك دعوة أيضا للتجديد الفقهي. فما رأيكم في هذه الدعوة؟ وما الحدود والضوابط التي ينبغي أن يخضع لها هذا التجديد؟ ـ التجديد الفقهي معناه أن آخذ من الفقه ما يناسب العصر في قضايا قد يكون تم الإفتاء فيها في الماضي بمعنى إعادة النظر في بعض الآراء والإجتهادات القديمة وتطويرها أو تغييرها بما يناسب الزمان والمكان وبما لا يخرج عن حكم الشريعة لكن يجب أن نعرف أن كلمة التجديد تقال تجاوزا لأنه لايوجد شئ اسمه تجديد فالفقه فقه وما صدر من آراء واجتهادات فهو صحيح وكل ما في الأمر أنه قد يحتاج إلى تعديل أو تطوير بما يلائم البيئة والعصر أما الذين يريدون الغاء الفقه القديم - تحت دعوى التجديد فهذه قضية خطيرة يجب أن نتصدى لها لكننا من ناحية أخرى نقول إننا يجب أن نجتهد ويجب علينا عدم الوقوف عند الآراء السابقة والتعصب لها والإختلاف فيما بيننا، فعلى سبيل المثال تحديد بدايات الشهور الهجرية هناك من يرى ضرورة توحيد المطالع في حين يأخذ البعض الآخر بإختلاف المطالع وكل فريق منها يستند إلى مذهب فقهي معين لكننا إذا نظرنا في هذا العصر وجدنا الظروف تغيرت فقد تطورت وسائل الإتصال تطورا كبيرا وأصبح العالم كله كأنه قرية صغيرة إذن أسباب الإختلاف حول تحديد المطالع لم تعد موجودة وبالتالي فيجب على المسلمين توحيد بدايات الشهور الهجرية. ونستطيع أن نقول أنه لا يوجد شيء اسمه تجديد لأن الفقه الإسلامي يجدد نفسه بإستمرار وهو متجدد بطبيعته لأنه مرتبط بأصول تتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية وهما صالحان لكن زمان ومكان وإذا كان الفقه هو بمثابة تفسير للقرآن والسنة وهو مرتبط بهما فإنه يشبه المبنى الذي وضع فيه كل جيل لبنة الى أن وصل إلينا بصورته الراهنة ونحن نضيف إليه بقدر ما تقتضي الضرورة والأجيال القادمة سوف تضيف إليه لكننا لا نستطيع الإستغناء عن الفقه القديم فالاستغناء عنه لايعد تجديدا لكننا في نفس الوقت يجب ألا نكون جامدين لأن الفقه متطور بذاته وانصح الفقيه بألا يكون مقلدا وجامدا وإنما يجب عليه مراعاه ومتطلبات العصر بشرط ألا يخرج عن الشرع. الأقليات ـ الأقليات الإسلامية في الغرب تطالب بأن يكون لها فقه خاص بها يلائم ظروفها والبيئة التي تعيش فيها فهل من المتصور ظهور فقه خاص يسمى فقه الأقليات؟ ـ لا أعتقد أن هناك حاجة لتأسيس فقه خاص بالأقليات ففي الفقه أحكام تنطبق على المسلمين في كل مكان وزمان وهناك أمور تختلف بحسب الزمان والمكان وهذا ينطبق على الأقليات وعلى غيرها. وكل ما في الأمر أن الجاليات الإسلامية تحتاج إلى الأحكام الفقهية في صورة مبسطة حتى تستطيع فهمها والعمل بها لكن ما يدعو للأسف أن الاقليات الإسلامية تنقسم على نفسها إلى جماعات وفرق وكل جماعة لها رئيس أو مرشد أو مفتى تتعصب له وتناصب الجماعات الأخرى العداء ونحن ندعو الأقليات إلى توحيد صفوفها وعدم الإختلاف فيما بينها والرجوع إلى العلماء والمتخصصين في القضايا التي تواجههم وقد بدأ بعض أبناء هذه الأقليات يرسلون إلينا ما يواجههم من قضايا أو يستفسرون عن بعض الأحكام الفقهية من خلال شبكة الإنترنت ويقوم علماء دار الإفتاء بالرد على هذه الاستفسارات. الزواج بغير المسلم ـ هناك بعض القضايا الخطيرة التي تواجه الأقليات مثل زواج المسلمة من غير المسلم أو إشتراك المسلم في جيش البلد التي يقيم في ويقوم هذا الجيش بالاعتداء على دولة إسلامية فما الحكم في مثل تلك القضايا؟ ـ المسلمة لا يحل لها أن تتزوج بغير المسلم فهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة سواء أكانت المسلمة تعيش في بلد إسلامي أو غير إسلامي ولو تزوجت المسلمة من غير المسلم فالزواج باطل وعلاقتها بغير المسلم من قبيل الزنا ولو كانت هذه المسلمة تعيش في بلد إسلامي لعوقبت.أ ما المسلم الذي يعيش في بلد غير إسلامي ويحمل جنسيته فهو مكلف بالدفاع عن هذا البلد وفي مصر مثلا يلتحق المسيحي بالجيش ويدافع عن بلده مثل المسلم تماما. وما دامت الحرب التي يخوضها البلد الذي يعيش فيها المسلم مشروعة جاز له المشاركة فيها أما إذا كانت الحرب غير مشروعة أو قامت بلدة بعدوان على المسلمين فيجب عليه الإمتناع عن المشاركة في القتال بأية وسيلة من الوسائل. التمسك بالعقيدة ـ كيف نستطيع الحفاظ على هوية الأقليات الإسلامية في ظل الضغوط والتحديات التي تواجهها؟ ـ هذا يكون بتمسك تلك الأقليات بعقيدتها الإسلامية وأن يكون إيمانها بالله قويا والنبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى الظروف الصعبة التي قد يمر بها المؤمن محذرا من التفريط في الدين فقال: القابض على دينه كالقابض على الجمر والمؤمن كلما قوى إيمانه كلما اشتد بلاؤه فالإنسان يبتلى على قدر إيمانه ويبتلى الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فالأقليات الإسلامية مطالبة بالتمسك بدينها ومواجهة الإغراءات ومن جهة أخرى الدول الإسلامية مطالبة بتقديم الدعم والمساعدة لهذه الأقليات خاصة في مجال التعليم الإسلامي وإنشاء المساجد والمدارس التي يتعلم فيها أبناء هذه الأقليات تعاليم دينهم. المقاطعة ـ وما واجب الدول الإسلامية نحو الشعوب المضطهدة خاصة الشعوب الإسلامية الصغيرة؟ ـ تفرق المسلمين وعدم توحدهم وضعف شوكتهم أغرى بعض الدول بالاعتداء على المسلمين في مناطق عديدة من العالم وللأسف المجتمع الدولي الآن لا تحكمه الأخلاق وإنما تحكمه قوانين مادية يشرعها الأقوياء وهم يحرصون على أن تحقق هذه القوانين مصالحهم سواء على حساب المسلمين أو غيرهم. وحتى القرارات الدولية التي تصدر في مصلحة المسلمين لا تنفذ والقوى الكبرى لن تحسب حسابا للمسلمين ماداموا متفرقين أما لو توحدوا فلن تجرؤ دولة على الإعتداء على مسلم واحد والمسلمون الآن يستطيعون مواجهة تلك الإعتداءات بأساليب أخرى غير القوة والحرب مثل المقاطعة الإقتصادية للدول التي تعتدي على المسلمين أو تعرقل مصالحها وقد طالبت أكثر من مرة الدول العربية والإسلامية بمقاطعة المنتجات الأمريكية والغربية كأسلوب لمواجهة الاعتداء على المسلمين وإنتهاك حقوقهم. الاختلاط ـ ما حدود الاختلاط بين الرجل والمرأة سواء في الجامعات أو في أماكن العمل وغيرها؟ ـ الأصل هو عدم الإختلاط وقد كفل الإسلام للمرأة حرية الخروج إلى العمل وإلى المدارس والجامعات والبيع والشراء وممارسة شئون الحياة المختلفة لكن في إطار المحافظة على حدود الله فيجب على المرأة أن تخرج متحشمة وألا تبدي زينتها وعلى المرأة أن تختار العمل البعيد عن الإختلاط بقدر الإمكان وكلما أوجدنا أماكن عمل للمرأة تحفظ عليها أمور دينها ودنياها كلما كان ذلك أفضل أما الإختلاط في الأماكن العامة مثل الحدائق فهذا لا شئ فيه أما الإختلاط في أماكن منعزلة أو حجرات منفصلة فهذا محرم قطعا والأولى والأفضل - ان لم تكن هناك ضرورة - أن يكون هناك فصل بين الرجال والنساء في مؤسسات العمل والتعليم وكل ضرورة تقدر بقدرها. جهلة ـ الدول الإسلامية تتهم دائما بإنتهاك حقوق الإنسان خاصة من جانب المؤسسات الدولية العاملة في هذا المجال والتي تصف الحدود الإسلامية بالقسوة فما تعليق فضيلتكم على ذلك؟ ـ هذه الإتهامات تأتي من أناس جهلة بأحكام الشريعة الإسلامية وحاقدين على المسلمين وبعض هؤلاء يعرفون الحق لكنهم يحاربون الإسلام حتى لا ينتصر عليهم ولو إنتصر الإسلام لحقق العدالة بين جميع الناس على اختلافهم وهذا لا يعجب الغرب لأنهم يريدون تقسيم العالم إلى سادة وعبيد وإذا صدرت هذه الإتهامات عن مسلم فهو منافق والحدود في الإسلام وسائل ردع لمنع وقوع الجريمة والحدود تدرأ بالشبهات وقد يكون من المستحيل تنفيذها إلا بالإقرار الصريح. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد