بيت الدمية من الاعمال المسرحية البارزة وربما القليلة التي خلفت تأثيرها، لا في مجال الفن المسرحي وهو فن الفُرجة والفكر كما يقول استاذنا الراحل علي الراعي، بل ايضاً في مجال التطور الاجتماعي المعاصر وبالذات مجال حقوق المرأة وتغيير النظرة اليها من كونها مجرد دمية جميلة مودعة في البيت الى حيث تكون المرأة وينبغي لها ان تكون ـ كائنا انسانيا ناضجاً ومسئولا وشريكا للرجل ـ الإنسان في صرح الاسرة وتطوير المجتمع. انها دراما المشكلة الاجتماعية وقد عرضت على خشبة المسرح لأول مرة عام 1879 وقدمت للمشاهدين مدينة صغيرة.. شبه مجهولة من مدن النرويج واختار مؤلفها ان تقع الاحداث في بدايات القرن التاسع عشر.. وبالتحديد في مثل هذه الايام من اواخر نوفمبر وبدايات ديسمبر وهو موسم اعياد الميلاد «الكريسماس» ورأس السنة الجديدة. واختار لشخوصها وقضاياهم اسرة من الطبقة المتوسطة المتعلمة بحيث يمكنه ان يجري على ألسنة ابطاله ما راق له من افكار وتصورات ولاسيما حول الزواج كمؤسسة اجتماعية وشراكة انسانية وجدانية وعقلية في آن معاً. المبدع الكاتب المسرحي النرويجي «هنريك إبسن» «1828/1906» وقد جمع في زمانه بين فن المسرح وقرض الشعر. كم كان يود دراسة الطب وعلوم التشريح ـ ولكن إملاق اسرته بعد رغد ويسار حال بينه وبين تحقيق امنيته، وربما عوض عن ذلك بتشريح نفوس البشر ونوازعهم وخلجات قلوبهم في اعماله المسرحية التي كان لها تأثيرها الفني العميق على اجيال شتى من كاتبي الدراما المسرحية في طول اوروبا وعرضها. وقد زاد من ثراء تجربته الشخصية ان اتاحت له منحة حكومية سبل السفر الى اوروبا «النرويج تعيش عزلة نسبية عن قارتها» وكان ان اقام 27 سنة في كل من المانيا وايطاليا حيث كتب عددا من افضل اعماله المسرحية ومنها «بيت الدمية» و«الاشباح» و«عدو المجتمع» و«هيدا جابلر» واغلب اعماله مترجم اكثر من مرة الى العربية كما قدم له المسرح العربي في مصر كما نعلم عددا من تلك المسرحيات. مسرحية «بيت الدمية» بالذات جمعت بين عنصري النجاح الفني والصدمة الاجتماعية وحققت له شهرة واسعة بين جماهير المشاهدين في اوروبا ـ وحين عاد هنريك إبسن الى وطنه عام 1891 كان قد اصبح شخصية دولية ذائعة الصيت بل كان بمثابة استاذ لمدرسة متميزة في فن المسرح الحديث اشتهر من اعلامها برنارد شو في انجلترا وستر ندبرج في السويد. اصل الحكاية يفتح الستار على البيت والدمية. البيت يحوى اثاثا يعكس ذوقا معقولا ينتمي الى اوائل القرن التاسع عشر «بمعنى انه حديث «مودرن» وليس عتيقاً بمقاييس الفترة»، اما الدمية فهي البطلة شخصياً.. ها هي السيدة نورا هيلمر تدخل علينا محملة بالعلب والطرود واللفافات الصغيرة» لقد انفقت كثيراً في شراء لوازم احتفالات الكريسماس وجاء في اعقابها حمال ينقل باقي المشتريات. يدخل زوجها المحامي الامثل توثالد هيلمر الذي ترك عمله مبكراً كي يطلع على ما جاءت به من السوق... «عصفورته الصغيرة» التي تنفق باسراف رغم ان مرتبه في البنك رغم ترقية حصل عليها لن يزيد الا بعد بضعة شهور. يأتي الى الاسرة زوار.. منهم كرستين صديقة البطلة التي تلوم نورا على اسرافها.. ولكن البطلة تسر اليها «وإلينا» انها اقترضت من البنك 4800 كراون لكي تأخذ زوجها في رحلة الى جنوب البلاد دون ان يعرف ان الاطباء نصحوها بذلك انقاذا لصحته من هلاك محقق. المشكلة انها اقترضت اموالاً وزورت توثيقات لانقاذ الزوج دون ان تخبره بما فعلت.. والا جرحت كبرياءه كرجل وتتفاقم المشكلة حين يزورها مستر كروجستاد موظف البنك الذي يطلب منها ان تحمل زوجها المحامي على مساعدته في ترقية يريدها هذا والا.. اخبر زوجها بحكاية القرض المسحوب والتوقيع المزور.. ابتزاز! ها هي نورا وحيدة تكاد تنتفض غضباً.. فما زورت سوى توقيع ابيها المريض كضامن للقرض وما كان قصدها الا ان تنقذ الزوج.. والد اطفالها وتنقذ بيتها من الانهيار. في الفصل الثاني نشاهد استعدادات الكريسماس الملابس الفخمة.. الرقصات الرومانسية... على السطح تبدو الاشياء بهيجة واعدة... في داخل النفوس عالم مخالف تماماً. كروجستاد تلقي خطاب الفصل من البنك.. هيلمر ـ الزوج يرفض مساعدته.. وبالتالي يزداد ابتزاز كروجستاد للبطلة نورا.. ثم تزداد حياتها تعقيدا حين يزورهم الدكتور رانك صديق الاسرة فإذا به ـ في لحظة يأس ـ يعبر عن تعلقه العاطفي بها.. واذا بها في لحظة اشد قتامة يسر اليها بانه مصاب بمرض وراثي هو اقرب الى حكم الاعدام بعد ان تمكن من جسده حيث لا يجدي العلاج.. «المرض المنقول بالوراثة عن والده او جده.. وقد اصيب به الوالد او الجد بسبب تعدد العلاقات الجنسية... او بسبب انحرافات السلوك بعيدا عن كريم الاخلاق. تلك اذن مأساة الانسان في العصر الحديث ـ الآباء ينحرفون ويورثون الابناء آفات تودي بهم ـ بغير جريرة ـ موارد الهلاك. ثم تتوالى من بعد المشاهد الاخيرة من الفصل الختامي ـ الثالث من مسرحية «بيت الدمية». نحن بإزاء مستويين اثنين للاحداث: مستوى خلفي لا نكاد نراه ولكننا نتسامع به اذ تترامى من خلف الكواليس اصوات الموسيقى الراقصة والعبث الصاخب واللهو المرح احتفالا بليالي الاعياد.. ولكن الاحداث التي تتركز وقائعها امام عيوننا هي ما نعلمه من ان صندوق البريد يحوي رسالة فيها صورة الصك التي ارتكبت فيه «نورا» فعلة التزوير... وفي البريد ايضاً رسالة من صديق العائلة الدكتور رانك يودع فيها نورا وزوجها قائلا انه في الطريق الى مصيره المحتوم... يدخل الزوج في حالة نشوة متوددا الى زوجته ـ الدمية الجميلة.. لكنها تقول له في حزم: ـ ارجوك.. اقرأ بريدك اولاً كم شعر بالصدمة حين عرف نبأ القرض وبعدها انهال على «نورا» بوابل من النعوت وسيل من الهجوم دون ان يلقي اذنا مصغية ولو للحظة واحدة الى «اعتذاراتها التافهة الحمقاء» كما وصفها.. كل ما يهمه هو سمعته بين زملائه في البنك.. كل ما يعنيه هو نفسه.. شخصيته مكانته.. مستقبله الوظيفي. اما هي فلا شيء. كم فكرت نورا في الانتحار بعد ان وجدت نفسها ضحية الضغط والجحود والابتزاز.. كم شعرت ان بيتها بكل ما يحويه من متاع واثاث.. وملابس فاخرة.. وزينات للاعياد ـ هو في النهاية بيت للدمى ـ وهي الدمية التي لا حول لها ولا ارادة ولا من يحترم فيها شخصية البني آدم.. البشر.. الانسان. وسط هجوم الزوج تأتي رسالة اخرى من كروجستاد تقول انه غير رأيه وانه سيتزوج احدى صديقات نورا وانه سيتركها في سلام... هل معنى هذا خلاص نورا وانقاذها؟ في اخر المشاهد تدخل علينا وقد بدلت بثوب الكريسماس المزركش.. ثيابا عادية او عملية كما قد نقول: تدخل في حوار غير مسبوق مع زوجها هيلمر: نقول له انها اكتشفت انهما ابعد ما يكونون عن فهم كل منهما الآخر وان زوجها لم يحبها يوما وقصاراه إن ظل يعاملها بوصفها دمية ـ لعبته الجميلة الاثيرة.. وانها ظلت طيلة سنوات الزواج الثماني ترقب حدوث معجزة.. تتمثل في ان يحمل زوجها عبء القرض ويعفيها من مغبة الابتزاز ويفهم نبل دوافعها نحو انقاذ حياته بل وانقاذ البيت.. الاسرة والاطفال للاسف لم تحدث «المعجزة».. وللاسف شعرت انها ظلت تعيش مع «انسان غريب» تحت سقف واحد اعواما ثمانية. يفاجأ هيلمر بان نورا الدمية ـ العروس ـ اللعبة تضع امامه خاتم الزواج ومفاتيح البيت ومن جانبه يعلن انه سيظل معجزة اخرى تتمثل في ان يجمع بينهما آصرة زواج حقيقي من جانبها تتحرك نورا الى نهاية الحجرة.. تمد يدها الى المقبض لتخرج وتسمع اخر اصوات في مسرحية ابسن... صوت باب ينصفق. الافكار.. الرموز.. الدلالات عندما قدموا «بيت الدمية» في الربع الاخير من القرن التاسع عشر اعتبرها الناس.. النقاد والمشاهدون عملا جسورا ينقد أعراف الطبقات الاوروبية الوسطى وعاداتها وقوانينها بل وسلوكيات النفاق الاجتماعي التي تتبعها. وعندما هدأت العواصف ادرك المحللون ان هنريك ابسن يدعو الى ان يقوم الزواج على المصارحة وشعور الشراكة والانفتاح الصحي بين الزوجين.. بل والاساس الواقعي لهذه العلاقة المسئولة بين الطرفين وليس مجرد الاسس العاطفية ـ الرومانسية التي لا يمكن ان تصمد امام عواصف الواقع وانواء الحياة. ومن هنا ترددت في اواخر المسرحية عبارة «الزواج الحقيقي ـ الصحيح». واراد ابسن ان يقول ان المكانة وحسن السمعة واخلاقيات السلوك ليس ولا ينبغي ان تكون مقصورة على الرجل ـ الشريك ـ الذكر في مؤسسة الزواج فالمرأة بوصفها كائنا بشريا يفكر ويتعاطف ويكره ويحب... لها بدورها شعورها بالمكانة والكرامة والجدارة والكبرياء.. لا هي سقط متاع ولا هي تحفة محفوظة في اقبية بيت.. ولا هي دمية لزوم التسري او اللهو بطبيعة الحال. المرأة عند ابسن.. عقل يشارك وقلب يشارك وحكمة تستند الى منظومة قيم تورثها الامهات من جيل الى جيل. بيد ان ابسن لا يعفى نورا بطلته من ضعفها البشري.. ان رغبتها في حفظ كرامة زوجها اودت بها الى اكثر من كذبة ارتكبتها.. ولا محل للتبرير او التمحك اللغوي في عبارات الكذبة البيضاء او الصفراء.. الكذب هو حجب الحقيقة وهو نقيض الصدق.. والحقيقة كائن شريف وكريم مهما كانت مرارتها.. ولعل مأساة نورا بدأت مع احترافها لتلك الاكاذيب التي ارادت تصغيرها او بالادق تبريرها بوصفها بانها كانت.. بيضاء. لعبة الدمى اجاد استخدامها ابسن الى حد بعيد، نحن نعرف من سياق المسرحية ان نورا كانت لعبة ابيها وكانت دمية زوجها بقدر ما ان دمية نورا شخصيا كانت هي اطفالها ومن ثم اصبح منزل الاسرة بيتا للدمى وليس من حق احد ان يعد اي كائن دمية للعب او اللهو.. لا يجوز ذلك بحق المرأة ولا بحق الطفل الذي ينبغي التعامل معه بدوره بوصفه كائنا في طريق النضج وليس ملكا لوالديه بقدر ما ان الزوجة، ليست بالطبع ملكا بحوزة زوجها. تجمع المسرحية بين اسلوب الواقعية في العرض ولكنها تنطوي على خط غير مرئي يرنو نحو المستقبل حيث المجتمع اكثر تفهما للمرأة بوصفها انسانا له افكار واشواق ومطالب وربما يكمن بعض قيمتها في انها قدمت لجماهير مشاهدي المسرح وقارئيه مشاهد من حياة بلد مثل النرويج لا نكاد نعرف عنه الكثير من حيث قسوة الطقس وانعزالية الحياة وصرامة التقاليد الاجتماعية. في ذاكرة الانسانية جوهر «بيت الدمية» يكمن في تكريس قيم الحرية والامانة والنزاهة والصدق من الاسرة الصغيرة الى المجتمع العريض.. كل هذا قبل النجاح المادي والمكانة الوظيفية والجمال الحسي. وقيمة المسرحية تكمن في ان هذا كله لا يسوقه صاحبها في قالب وعظي او توجيه ارشادي بل في ابداع فني نابض بالاحداث والعواطف والصراع والانفعالات وكم احسن هنريك ابسن حين وصف مسرحيته في اخريات عمره قال «انها ليست مسرحية ـ كما يتصور البعض ـ عن اضطهاد المرأة، انها مسرحية عن حقوق الانسان وعن الصراع بين الفرد والمجتمع». وغداً نواصل