الآن دعنا نشمر عن ساعد الجد لنواجه دراسة الحالة الثالثة والأخيرة في معرض القاء الضوء على جماليات المآذن، وهي التي تدور حول مآذن المساجد الحديثة. وكما سبق لنا ان فعلنا في دراسة جماليات محاريب المساجد الحديثة، فسوف نقسم هذه الدراسة الى ستة أمثلة فرعية، حيث نأخذ مثالا لمئذنة يراعي مشروع مسجدها شخص مفرد، ثم ننتقل الى مئذنة مسجد دولة، وثالثا الى مئذنة مسجد رعته هيئة حكومة محلية، ثم مئذنة مسجد رعته مؤسسة عامة او تجارية، وخامسا مئذنة مسجد رعاه مجتمع محلي، لنصل أخيرا الى مئذنة مسجد مركز اسلامي في الغرب. نظرة من قريب لكن قبل ان نبدأ بالمئذنة الأولى يتعين علينا ان نتوقف لنتأمل عن قرب مجموعة من النقاط التي لابد من استجلائها لفهم جماليات المآذن، وفي الواقع جماليات العمارة الاسلامية عامة، بحد أدنى معقول من الدقة والوضوح، على ان يكون هذا التأمل موجزا ليتيح لنا الانطلاق مسرعين الى متابعة محطات دراستنا الماثلة بين أيدينا، وهذه النقاط هي كالتالي: ـ أولا: البعد الزمني وما يلقيه من ظلال على اللغة الحداثية في العمارة الاسلامية. هنا يتعين ان نلفت النظر الى ان الاساليب المعمارية المنتمية الى القرون الوسطى لم تشرع في الرحيل عن العالم الاسلامي ببطء شديد الا في القرن الثامن عشر، ولعلها لم تفعل ذلك بصورة كاملة حتى اليوم، وكان ذلك ـ كما نعلم جميعا ـ في غمار دفق من التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية، حيث وجدت دول اسلامية عديدة نفسها مضطرة لمواجهة الغرب، او التعامل معه، وكانت تجربة بالغة الضراوة، واتسم التأثير الغربي في الكثير من الاحيان بالتدمير بالنسبة للطابع الاسلامي في العديد من المجالات. ولم تكن العمارة الاسلامية استثناء من القاعدة. وهكذا ستروعنا بصمة الباروك في تفاصيل بعض المساجد العثمانية، وستردد القاهرة اصداء تخطيط المدن كما عرفته باريس هاوسمان، وسيعاد تشكيل دلهي الراج في ضوء الخطوط الرومانية الجديدة التي داعبت خيال لوتينز. وقد حدث ذلك ـ بالطبع ـ على خلفية من نظم سياسية جديدة. ـ ثانيا: الصعوبة الحقيقية المتمثلة في الحفاظ على التوازن بين دراسة المباني وتحليل وظائفها. ـ فمن الواضح ان هناك حشدا هائلا من المساجد التي تطل بجمالياتها الجديرة بالدراسة عبر ألف عام من التاريخ ومن خلال امتداد جغرافي هائل يبدأ من بحر الصين الجنوبي ويمتد عبر آسيا وأوروبا وافريقيا الى السواحل الاطلسية للأندلس. ولكن هذه الصعوبة تأتي مترادفة مع ضرورة ألا يغيب البعد الوظيفي لهذه المساجد عن اعيننا. ـ ثالثا: حشد الصعوبات النابع من صعوبة الاعتماد على التاريخ المعماري الاسلامي. كما وصل الينا، فمن ناحية فقد العالم الاسلامي اعدادا هائلة من مساجده ومجموعاته المسجدية الصرحية الرائعة، وحتى الموجود منها تكتنف الوصول اليه عقبات لا سبيل الى التقليل منها. وعلى الصعيد الشخصي مازلت بعد كل هذه السنين الطويلة لا استطيع نسيان انني كنت قاب قوسين او ادنى من التعرض للسجن لمدة طويلة في غمار اعداد استطلاع مصور عن مسجد صوفيا الجامع. ويستطيع القاريء معرفة المدى الهائل من التدمير الذي تعرضت له المساجد في دار الاسلام وخارجها على السواء اذا علم ان دلهي فقدت نصف آثارها وصروحها الاسلامية تقريبا خلال الاعوام الثلاثين الماضية. ولكي تكتمل دائرة الحزن اليك بعض الارقام والاحصاءات التي يدمى لها القلب، فعلى سبيل المثال كانت مدينة الري تضم 2700 مسجد وجامع لم يقدر البقاء لمسجد واحد منها. وفي عصرها الذهبي كانت مدينة اصفها تضم ما يزيد على ألفي خان وقد اختفت جميعها بلا اثر واحد. وكانت مدينة باليرمو تضم 300 مسجد لم يعد هناك اليوم وجود لأي منها. ـ رابعا: احدى المشكلات الاساسية في دراسة المساجد تتمثل في عناصر البعد والانقطاع، فالعديد من مناطق العالم الاسلامي أصبحت خارج مطال الدارسين والباحثين، ونحن في العالم العربي ننطلق متحدثين ببراعة عن المساجد المألوفة لنا في بلادنا وما يجاورها، لكننا لا نملك الا الاعتماد على مصادر ثانوية لدى الحديث عن المساجد في الاندلس على سبيل المثال، دع جانبا المساجد في الصين على سبيل المثال. ـ خامسا: كل هذه المشكلات تبدو شيئا هينا مقارنة بالبعد المحدد الذي تنطلق هذه الموسوعة للتصدي له وهو المتعلق بجماليات المكان وامتداداً الجماليات على اطلاقها في العمارة الاسلامية. وقد فصلت القول حول هذا الجانب في غير هذاالمقام، لكنني لا أملك الا ان اعود فأكرر انه اذا كانت وظيفة المبنى هي بمثابة نغمة دالة في هذا العمل الماثل بين يدي القاريء فإنها ليست الوحيدة ولا الاكثر بروزا فجماليات هذا المبنى تظل هي الافق الاوسع الذي ننشده ونشد الرحال اليه. ولكن الجماليات المعمارية بالمعنى الاسلامي، وعلى الرغم من الاجتهادات التي رأينا بعضها تظل شيئا بحاجة الى المزيد والمزيد من العمل الاشتغال، لأنك عندما تتحدث عن الجماليات فأنت في الواقع تتحدث عن نسق بأسره من العناصر الداخلة في تكوين الظاهرة الجمالية. والسؤال الذي يتصدر غابة بكاملها من علامات الاستفهام التي تؤرق المرء في هذا الصدد هو: كيف اعتزم المعماريون المسلمون ان يعايش المتلقي مبانيهم؟ ومن الواضح ان هذا السؤال ينتمي الى النوعية التي يسهل طرحها ويكاد يكون من المستحيل التصدي للاجابة عنها بشكل مقنع كل الاقناع وأحد عناصر هذه الاستحالة تكمن في انه رغم الاجتهادات الاسلامية المتميزة الا انه لم تصل الى ايدينا اعمال او مخطوطات في نظرية العمارة الاسلامية كتلك التي نجدها في الغرب عند فتروفيوس او البرتي. وهنا لا ينبغي الخلط بين مثل هذه الاجتهادات الغائبة في نظرية العمارة وبين عناصر المساعدة العملية التي يقصد بها ان تعين المعماري على انجاز عمله، مثل المخططات الارضية والنماذج وكتب أنماط الزخارف ونماذج ابداع المقرنصات والاشكال التي توضح كيفية ابداع العقود على اختلاف انواعها، فكل هذه العناصر تساعد المعماري في الانطلاق بمهام عمله، ولكنها لا تلقي الضوء على نظرية العمارة كما استوعبها المعماريون المسلمون ولا على نوعية التأثير الذي توقعوا ان تحظى به مبانيهم. وهذا الغياب يلقي على كاهل الباحثين المهمة الصعبة المتمثلة في الاستنتاج من واقع المباني نفسها ما هي الاهتمامات المتواترة لهؤلاء المعماريين وبالتالي ما هي بالضبط طبيعة سلم تفضيلاتهم الجمالية. ومن المؤسف حتما ان قليلا من المباني الاسلامية هي التي جرى اخضاعها لهذا النوع من التحليل الجمالي الصارم. ومع ذلك فقد يمكننا رصد المؤشرات التالية، التي يتعين علينا ان نعود الى تفصيل القول فيها في غير هذا المقام. أ) من الواضح منذ المباني الصرحية الاسلامية المبكرة مثل قبة الصخرة ان المعماري المسلم عرف كيف يخضع بدقة التقديرات الرياضية للوصول الى نتائج جمالية باهرة، الامر الذي اصبح تقليدا يندرج في صميم جماليات العمارة الاسلامية. ب) كل الاعمال المسجدية الصرحية تقريبا تعكس حساً راقيا ودقيقا بالتراتبية. ج) يفصح المعماري المسلم عن استعداد مميز لاستغلال الرمزية وصولا الى ابعد آفاقها وأكثرها شموخا. د) ايا كانت درجة تقشف المبنى الذي ينجزه المعماري المسلم، فإنه يظل يفصح عن عشق حقيقي للزخرفة. ه) الميل الى اللون وتوظيفه على نحو بارع امر يكاد يكون لصيقا بإبداع المعماري المسلم. أيا كان الامر، فلست اشك في ان كل نقطة مما طرحناه في هذه المناقشة تستحق عودة تفصيلية اليها، وبصفة خاصة فيما يتعلق بنقطتي التراتبية والنزعة الرمزية، ولعلنا نقوم بذلك في موضع لاحق من هذه الموسوعة. اما الآن فدعنا ننطلق لالقاء نظرة على مئذنة مسجد الملك الحسن الثاني الكبير في الدار البيضاء بالمغرب. المئذنة ـ التحدي بقدر ما أعلم، فإن مئذنة مسجد الحسن الثاني الجامع الكبير هي اعلى مئذنة في العالم. وقد كان يمكن ألا تكون كذلك لو انه قدر لمشروع دكتور محمد مكية في مسابقة مسجد الدولة بالعراق التي اقيمت في صدر الثمانينيات من القرن الماضي ان يشق طريقه الى التنفيذ، فالمشروع يتضمن تصور امكانية انشاء مئذنة يصل ارتفاعها الى 240 مترا، وهو التصور الذي لم ير النور قط. كم هو موجع ان مسجد الدولة العراقي لم يشق طريقه الى البناء! ترى هل يرتبط ذلك باجهاض تجربة التحديث العراقية نفسها؟ هل من قبيل الصدفة حقا انه لم يقدر لمصر في عصر عبدالناصر ان تشيد مسجد دولة بالمعنى الصحيح؟ أليس عدم ظهور هذا المسجد للنور مرتبطاً باجهاض تجربة التحديث المصرية في ذلك الصباح المشؤوم من يونيو 1967؟ لا أملك اجابة عن هذا كله. ولا اراني الا مكتفيا بالقول: نهرب من قدر الله... الى قدر الله. عودة الى مسجد الملك الحسن الثاني، نقول انه من الحالات التي يحار المرء في رصد الخط الفاصل بين مسجد الدولة والمسجد ذي الراعي الواحد. لكنه ـ اكاديميا على الاقل ـ مسجل تحت البند الاخير، فالاحصاءات توضح ان هذا المسجد بلغت تكلفة انشائه 400 مليون دولار تمت تغطيتها جزئيا بمساهمات مالية من 13 مليون متبرع، بينما تكفلت الخزانة الملكية المغربية والضرائب والمساهمات من افراد وشركات بتغطية الباقي، وإن ظلت التكلفة النهائية للمشروع رقما مجهولا، وإن تحدثت تقارير الصحف عن انه في حدود 700 مليون دولار. ايا ما كان الامر فإن ما يعنينا هنا هو ان نتابع طبيعة التحدي الذي واجهه المعماري الفرنسي ميشال بنسو، الذي عهد اليه بتصميم المشروع، في التعامل مع مئذنة هذا المسجد الجامع. من الجلي ان ابرز هذه المشكلات او التحديات قد تمثل في طبيعة المشروع نفسه، فقد وجد نفسه بازاء صرح ينبغي ان يقام على نطاق عز نظيره في العالم كله، فالجامع من حيث المساحة لا يفوقه الا الحرم المكي نفسه، والبعد الانساني ملغى تماما، حيث الفرد ذرة ضائعة في هذا الكون المعماري الواقف وحيدا بازاء المحيط مشتملا بعباءة من صرحيته وألوانه كأعجوبة تتحدى لا كمبنى يرحب بالقادمين اليه. غير ان هذا البعد الصرحي للمشروع لم يكن الا القطرة الاولى في شلال التحديات، التي نبع جانب غير يسير منها من توجيهات الملك الحسن الثاني المباشرة للمعماري الفرنسي، والتي تقضي بأن يحتذى بوضوح وعلى نحو لا مجال فيه للبس حذو الاعمال التاريخية السابقة، وأن ينسج على منوالها، وألا يعكس مفارقة لها او قطيعة معها بأي حال من الاحوال، وهكذا وجد بنسو ان مجال التفسير والتجديد والابتكار يضيق امامه كثيرا، وان لم يعن ذلك انه لا مجال له، بل الامر على العكس، فها هي فرصة قلما حظي بها معماري للتعبير عن اقتداره التخطيطي والافصاح عن مهاراته الفنية. هذا التشديد على ضرورة التعبير عن الاستمرارية التاريخية لم يأت من فراغ، فالعاهل المغربي آنذاك الملك الحسن الثاني، بحسبانه راعيا للفنون وعناصر الابداع في بلاده كان يدرك دور العمارة في تجسيد عناصر الاستقرار والولاء للملكية التي تضرب في حالة المغرب جذورها في البعيد ربما وصولا الى عام 1666 على وجه التحديد. ولهذا فإن التوجيه الملكي لم يكن ببناء مسجد فحسب، وإنما ببناء مسجد جامع يضم خمسة مكونات رئيسية ضمن الجامع نفسه، الذي يستوعب 25 ألف مصل والتسهيلات الصحية، وقاعات الاجتماعات وكبار الزوار، والمساحات المستخدمة في اغراض عدة كالتعليم والقاء المحاضرات ثم اخيرا المئذنة. هذه المئذنة التي استقطبت اهتماما لم تعرفه مئذنة اخرى في الدنيا من «قطب منار» في الهند الى «لا خيرالدا» في اسبانيا استمدت إلهامها من مصدرين محددين، هما: أ) منارة الكتبية البديعة التي شيدها الموحدون في القرن الثاني عشر. ب) منارة حسان التاريخية التي تعود بدورها الى القرن الثاني عشر. نقطة اللاعودة لقد قيل قديما ان كل مشروع معماري هو، في نهاية المطاف مغامرة محسوبة، الا ان الاعمال الصرحية الدينية تمثل مضيا في المغامرة الى آفاق النهاية لانها تضع القائمين بها موضع المحاسبة من اجيال لا حصر لها قد لا يكون حكمها عليهم منصفا بالضرورة. غير ان ميشال بنسو لم يكن عليه الانتظار طويلا لتلقي التهنئة والاعجاب من ناحية والانتقاد المرير الى حد القسوة المفرطة من ناحية اخرى عقب الانتهاء من المشروع في عام 1993 مستغرقا في انجازه السنوات الممتدة منذ عام البدء وهو 1986، ومستوعبا خمسين مليون ساعة عمل على مدار سبع سنوات تقريبا جرى خلالها استخدام 40 ألف طن من الصلب و300 ألف من الاسمنت وقطع وصقل وتركيب ما يكفي من الرخام لتكسية 220 ألف متر مربع وتشكيل وتركيب 30 ألف متر من الاعمال الجصية وتقطيع وزخرفة اخشاب تكفي لتكسية 40 ألف متر مكعب. كما تم تشغيل 30 ألف فني وبناء وحرفي وعامل في انجاز المشروع. هذه المغامرة المعمارية هائلة النطاق تتجسد في اقصى قممها بالمعنيين العضوي والرمزي في منارة الجامع، فهي تأخذ في استلهام مباشر لسابقاتها التاريخية ربما وصولا الى الجد الاعلى للمآذن المغاربية وهي المئذنة القيروانية ـ شكل برج مربع يتوجه مصباح تعلو هامته نهاية نحاسية بديعة التكوين تصل باجمالي ارتفاع المئذنة عن الارض ـ كما سبق القول ـ الى مئتي متر، اي 650 قدما، محسوبة من عند القاعدة التي مساحتها 2525 مترا، أي 5656 قدما. هذه المئذنة هي منار وفنار بالمعنى الفيزيقي والحرفي فضلا عن الجوانب الوظيفية الشعائرية، حيث ينبعث منها شعاع ليزري مداه 30 كيلومترا، اي 20 ميلا منطلقا من القمة باتجاه مكة المكرمة. ومن الناحية الفنية لابد من ملاحظة انه في ضوء الثقل الهائل للبرج الذي يشكل البدن الرئيسي للمئذنة تعين ان تتم عملية تقوية هائلة للأساس الذي يحمل هذا البدن، وهكذا فقد عولج هذا الاساس بحيث غدا اقوى بمقدار اربعة امثال من الاساس الذي يدعم النفق الذي يمر تحت مياه القناة الانجليزية ليربط بريطانيا بأوروبا. حديث الاختلال شأن اي مشروع هائل من هذا النوع الذي لابد له من ان يملأ الدنيا ويشغل الناس، وجد تصميم ميشال بنسو من يكيل له الانتقادات بالحق وبالباطل. فثمة قائل ان اختيار موقع المسجد الجامع بحيث يطل على المحيط ليس له ما يبرره، وقد ألقى بظلاله على المبنى من حيث الاضطرار الى ردم مساحات كبيرة واقامة دعائم في قاع المحيط، فضلا عن تحمل تكلفة صيانة باهظة. وهناك من لا يتردد في القول بأن المشروع يميل الى أن يبهر من يداخلية بدلا من ان يكون مرحبا به، وأن المعماري لم يكلف نفسه عناء تدارك الفارق بين الابعاد الصرحية الهائلة للمشروع وبين قامة الانسان، وانه في هذا يتخلى عن صميم الفلسفة المعمارية الاسلامية القائمة على ضرورة ردم الهوة بين الصرحية والقياسات الانسانية من خلال ابتكارات معمارية وزخرفية على السواء. وهناك من يقول ان الملحقات بالمسجد قد استخدمت في تعظيم ابعاده الصرحية من غير ان تؤدي اغراضا وظيفية تنعكس في خدمة المجتمع. وتمتد قائمة الانتقادات،. غير انها في حقيقة الامر لا تعنينا، وانما هي اقرب الى افق اهتمامات الاختصاصيين، وقد تنقضي عقود طويلة من غير ان تهدأ حدة هذه المناقشات او تخفت اصداؤها، او يتراجع دويها. غير ان ما يعنينا حقا هو ما يتعلق بمئذنة هذا الجامع. فما الذي يقوله المعنيون بدراستها؟ انهم في الواقع يوجهون انتقادات تكاد تكون بلا حصر لما وضعه المعماري الفرنسي بنسو تحت افق الدار البيضاء في مواجهة المحيط، غير ان ابرز هذه الانتقادات تدور حول الابعاد التالية. ـ أولا: من شأن نظرة واحدة الى مسجد الحسن الثاني الجامع الكبير ان توضح ان العلاقة بين حجم المئذنة وارتفاعها، من ناحية، وبين كتلة المبنى بأسره من ناحية اخرى، لا تمثل زيادة متناسبة تتبع العرف المعماري التقليدي السائد في المغرب العربي، وكنتيجة مباشرة لهذا فإن المئذنة تعكس اختلالا لصالحها في التناسب بينها وبين كتلة الجامع. ـ ثانيا: ان مخطط زخرفة المئذنة يميل الى المبالغة، على عكس ما درج المعماريون المسلمون على اتباعه في الاندلس وشمال افريقيا، وهذه المبالغة تشمل العناصر والوحدات والمواد والألوان جميعها. ـ ثالثا: ان نمط الزخرفة باستخدام الفصوص المتداخلة يعيد اصداء الزخرفة في الجزء العلوي من حارة حسان بالرباط الا ان مستوى التنفيذ كان بعيدا عن التوفيق اذا قورن بالاصل المنقول عنه ويعكس ترديا محزنا في مستوى هذا النوع من المهارات الابداعية في المغرب العربي والذي كانت الطوائف والجماعات المغربية المتخصصة فيه تتباهى على المشارق والمغارب بقدراتها فيه تاريخيا. ـ رابعا: من الناحية العملية كان ينبغي لخارج المئذنة ان يعكس قدرا اكبر من الخشونة والتقشف في المواد المستخدمة في تنفيذه تجنبا لنفقات طائلة في المستقبل تقتضيها عمليات الصيانة خاصة في ضوء موقع المشروع المطل على المحيط. ... وبعد، فهم يميلون الى ان يقولوا كثيرا في المغرب العربي.. «لا غالب الا الله»، ونشارك اشقاءنا المغاربة في قولهم هذا، لكننا نضيف ايضا: «نهرب من قدر الله.. الى قدر الله».