ـ بادرت الأستاذ الفحام بسؤال مباغت: لكن هذا النوع من القصص له قراء وتقبل عليه دور النشر العربية بشكل ملفت، ولا أرى عيباً في نشره، فلماذا الاعتراض؟ ـ أنا لا أعترض على ذلك، لكنني أشير إلى ان هذا النوع من القصص الذي يقبل أصحاب دور النشر على تعريبه بهمة كبرى، إرضاء للهفة القراء، وشغفهم بكل خلاب مثير، لا يسد فراغاً في الأدب العربي، فقد حفلت مسامرات آبائنا بسير مماثلة، إلا انها كانت أكثر طلاوة، وأصدق تعبيراً عن البيئات الاجتماعية والظروف التاريخية التي انبثقت فيها. ففي الجاهلية كانت مسامرات العرب تدور حول أخبار الصعاليك، أولئك الفرسان الشعراء الذين كانوا يتصدون للقوافل، فيسطون على احمالها، ويقاتلون مثلما يعشقون بحمية وشراهة، لا موطن لهم غير ظهور جيادهم، يضربون آباطها في كل صوب، وهم يتغنون بأرق الشعر وأجزله، وقد ضاقت بمطامحهم الصحراء على سعتها. ومن أولئك الصعاليك الشنفري الذي قيل انه كان عدّاءً لا تلحقه الخيل، ومن طريف ما جاء في سيرته انه حلف ليقتلن مائة رجل من «بني سلامان» فقتل منهم تسعة وتسعين فقط، ثم احتالوا عليه حتى قتله أسيد بن جابر، ومر رجل منهم بجثته وقد تغيرت، فركلها بقدمه ساخراً، فإذا بشظية من جمجمته تنفذ فيها فتودي بحياته، فكمل بذلك المائة قتيل. ويتمثل ما اشتهرت به سيرة أولئك الشعراء الصعاليك، من روح الدعابة والسخرية، إلى جانب ما اشتهروا به من الشجاعة والنجدة والجود، فيما قاله «الأحيمر السعدي» مبرراً سرقته بعيراً: واني لاستحي لنفسي أن أرى أمر بحبل ليس فيه بعير وان أسأل العبد اللئيم بعيره وبعران ربي في البلاد كثير ولما جاء الإسلام، واتجهت همم العرب نحو الفتح والجهاد بدأت تندثر حياة الصعلكة، إلا انه ظلت هناك قلة قليلة من المغامرين الأفاقين الذين طابت لهم تلك الحياة ومنهم الأموي «يعلى الأحول» الذي جعل حوله عصبة من خلعاء الأزد، كان يغير بهم على أحياء العرب، فكان العامة يتسامرون بأخبارهم، وينسجون أروع الأقاصيص. ـ قلت للأستاذ الفحام: أرى أنك تتحدث عن حالة فردية، بينما نحن بصدد مناقشة ظاهرة مجتمعية، لها أساس وكيان وقوة واضمحلال. ـ أوافقك الرأي، لكني لم أنته بعد من مداخلتي. الشاهد أنه في العصر العباسي ذاع ذكر عمران بن شاهين الذي ارتكب جرماً في بغداد عقابه القتل، فخرج هارباً من القضاء، حتى أدرك غيضة شجراء، فلجأ إليها يقطع الطريق، وانضم إليه كثير من طريدي العدالة، فتناقل الناس أخبارهم المثيرة، التي لم تلبث ان صاغها الخيال قصصاً شيقة بها الكثير من أحاديث المروءة والشهامة، ترامى بعضها إلى الخليفة «المقتدر بالله» فقرب الرجل منه، وعفا عنه، وأنعم عليه بالنعم الوفيرة فخالط الأمراء وصاهرهم. وقد روى «ابن بطوطة» في رحلته سيرة مغامر آخر كان يدعى «جمال الملك» وكان يتزعم جماعة يضرب بها في الصحراء المجاورة للخليج العربي، وكان يدفن في أرجائها قِرَبَ المياه ليستعين بها على العطش في أيام القيظ، ولم يكن يستبيح مالا يزكّي عنه صاحبه، كما كان يؤوي إلى جانبه الفقراء، ويقيم المساجد والزوايا للمتعبدين وعندما مات أصبح ضريحه مزاراً للناس. إلا انه وان كانت البادية قد شهدت بعد الإسلام مغامرين سلكوا مسلك الصعاليك، فإنه لم تنته إلينا من سيرتهم إلا سطور قلائل، وترجع شحة أخبارهم إلى انصراف الناس عنها للاستمتاع بنوادر المحتالين الدهاة، الذين بدأت تتفتق عنهم ظروف المجتمع الوليد في المدن الحديثة. ـ قلت للأستاذ الفحام: إذن هنا تغيرت الصورة وأصبحت الأخبار والسير تتحدث عن محتالين ولصوص! ـ نعم، والسبب في ذلك هو الثراء العظيم الذي نعمت به بعض طبقات المجتمع في الحواضر العربية الحديثة، الذي أدى إلى ظهور طوائف من الناس، رأت أن أيسر السبل لاستخلاص أرزاقها الاعتداء على موائد أولئك الأثرياء وخزائنهم. .. وغداً نكمل