روى ابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ان هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله. ولا يحرم خيرها الا محروم».. في هذا الحديث الشريف يخبر الرسول وهو الصادق المعصوم عن ليلة من ليالي شهر رمضان وأنها في ميزان الزمن خير من ألف شهر. فما هو السر في كون هذه الليلة خيرا من ألف شهر. وما هي هذه الليلة، وما تنطوي عليه من خير.. أما السر في كون هذه الليلة خير من ألف شهر. فهو تعويض الأمة المحمدية عن قصر اعمارها التي تتاجر فيه مع الله بعمل الخير ليكون منها السابقون وأصحاب اليمين يوم الدين. وتكون خير أمة أخرجت للناس، وأهلا للشهادة على الخلق يوم الدين. فقد جاء في موطأ مالك «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الناس قبله او ما شاء الله من ذلك. فكأنه تقاصر أعمار أمته ان يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم. فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر».. وقد اثبت الله في قرآنه قدر هذه الليلة بأنه افضل من نظيرها في ألف شهر اي افضل في مقياس الزمن من مر جيل قدره ثلاثة وثمانون سنة ونصف. فقال تعالى: «ليلة القدر خير من ألف شهر».. وجاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة: «ان رجلا من بني اسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر. فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله سورة القدر. يقول فيها لرسوله الكريم: ان العمل الصالح من امتك في هذه الليلة خير من عمل هذا الرجل في ألف شهر».. وهذه الليلة سماها الله بليلة القدر. ومعنى كونها ليلة القدر: انها ذات قدر عظيم لا يعرفه الا من منحها ذلك التفضيل لأنها ليلة نزول القرآن الكريم. ولذلك فخم الله شأنها بالاستفهام التضخيمي والتعظيم الذي عظم به يوم القيامة. فقال تعالى: « إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر.» كما قال في شأن يوم القيامة: «الحاقة. ما الحاقة. وما أدراك ما الحاقة» وأيضا: «القارعة. ما القارعة. وما أدراك ما القارعة».. كما انها الليلة التي قدر الله فيها وصل اهل الارض بأهل السماء في كل عام بعد انقطاع الوحي فتنزل فيها الملائكة الى الارض بالرحمة الواسعة على العاملين في هذه الليلة. كما قال تعالى: «تنزل الملائكة والروح فيها بإذن رهبم من كل أمر. سلام هي حتى مطلع الفجر».. وفي الحديث الذي رواه ابن حبان وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فطر صائما من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضان وصافحه جبريل ليلة القدر. ومن صافحه جبريل يرق قلبه وتكثر دموعه».. ومن خير الله في هذه الليلة انها ليلة الغفران لذنوب الماضي لمن قدر العمل فيها فقام ليلها وصام نهارها. روى احمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» وتسأل السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول: يا رسول الله ان وافقت ليلة القدر فما أدعو. قال: «قولي: اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عني».. ويحرم من خير هذه الليلة اربعة اصناف من البشر. وهم: من داوم على شرب الخمر، ومن عق والديه، ومن قطع رحمه، ومن مليء صدره وشحن بالعداوة والبغضاء لاخوانه في الدين. روى ابن حبان والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اذا كان ليلة القدر يأمر الله عز وجل جبرائيل عليه السلام فيهبط في كبكلة من الملائكة ومعهم لواء اخضر فيركزوا اللواء في ظهر الكعبة. وله مئة جناح لا ينشرهما الا في تلك الليلة. فينشرهما في تلك الليلة فيجاوذان المشرق الى المغرب. فيحث جبرائيل عليه السلام الملائكة في هذه الليلة فيسلمون على كل قائم وراكع وقاعد ومصل وذاكر ويصافحونهم. ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر ينادي جبرائيل عليه السلام: معاشر الملائكة الرحيل الرحيل. فيقولون يا جبرائيل: فما صنع الله في حوائج الصائمين المؤمنين من امة محمد صلى الله عليه وسلم. فيقول: غفر الله لهم وعفا عنهم إلا أربعة: قيل: يا رسول الله ومن هم؟ قال: رجل مدمن خمر، وعاق لوالديه، وقاطع رحم، ومشاحن. قيل: وما المشاحن؟ قال: هو المصارم» اي الذي يقطع الناس ويعاديهم ويقطع عقدة المحبة.. بقلم: عبده حسن حبيب