نستكمل الحديث عن الاجتهاد الجماعي وكيفية تفعيله في عالمنا المعاصر، بحيث يكون مرتكزا أساسيا لتجديد الفكر الإسلامي، ونعرض لوسائل الاجتهاد الجماعي ومؤسساته وبخاصة المجامع الفقهية والأسس العامة التي ينبغي أن تتوافر فيها لكي تستطيع أن تحقق أهدافها. في احدث دراسة حول هذه القضية يدعو الدكتور قطب مصطفى سانو الأستاذ بقسم أصول الفقه بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا إلى ضرورة إعادة النظر في التصورات التي نسجت حول مفهوم النظر الاجتهادي في الفكر الأصولي، لأن تلك التصورات برمتها لم تخل من التأثر بالسقوف المعرفية التي كانت سائدة، كما تأثرت بالتحديات والنوازل التي كانت تداهم الواقع الإسلامي آنذاك، ومع تغير هذه السقوف المعرفية، وظهور تحديات ونوازل لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، لذلك، فان الباحثين الجادين مطالبون اليوم - أكثر من أي وقت مضى - بتقديم تصورات جديدة للنظر الاجتهادي. وينبه الدكتور قطب في دراسة جديدة له بعنوان «قراءة تحليلة في مصطلح الاجتهاد الجماعي المنشود» الى ضرورة ألا ينحصر العمل الاجتهادي المعاصر في دائرة الحل والحرمة فقط، موضحا أنه إذا كان الهم الاجتهادي في تراثنا الأصولي، ظل دائراً في معظم الأحيان حول مسائل الحلال والحرام، فإن واقعنا المعاصر يملي على أهل العلم ضرورة التجاوز بالنظر الاجتهادي من هذه الدائرة، والنفاذ به نحوَ سائر المسائل الفكرية الاجتماعية والاقتصادية السياسية، وذلك من أجل ضبط مراد الله - جل جلاله- في تلك المسائل من جهة، ومن أجل توجيه تلك المسائل توجيهاً يحقق مصلحة العباد المتمثلة في جلب كل ما فيه منفعة ودرء كل ما فيه مفسدة. ويؤكد أن الاكتفاء اليوم بتوظيف النظر الاجتهادي في الدائرة الفقهية لن يزيد واقعنا الإسلامي إلا تعميقاً للغياب الحضاري الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية منذ عهود بعيدة، وذلك لأن تحديات ونوازلَ الواقع الراهن، تتجاوز دائرة الحل والتحريم، وتغشى سائر جوانب الحياة، مما يتطلب من أهل الاجتهاد توظيف النظر الاجتهادي في البحث عن الأسباب الكفيلة للتصدي لتلك التحديات والتخفيف من وطأتها. لذا تلح علينا ضرورة توسيع دائرة النظر الاجتهادي ليشمل سائر المسائل المطروحة على الواقع الإسلامي تخطيطا وتوجيهاً وترشيداً. ويرى ضرورةَ الابتعادِ عن ممارسة الاجتهاد الفردي في المسائل التي تعم فيها البلوى، مؤكدا أن الاستمرار في ممارسة الاجتهاد الفردي في قضايا ونوازل الأمة العامة، أورث - ولا يزال - الفرد المسلم المعاصر إرهاقاً فكرياً وتشتتاً مرجعياً، كما أنها لا تفتأ تعمق حالة العنت الذهني والضعف المعرفي المسيطر على واقع السواد الأعظم من أبناء الأمة الإسلامية. صحيح أن الاجتهاد الفردي أمر مشروع، ولكن مشروعيته لا تبرر إقحامه في جميع القضايا والمسائل العامة، فأمر الجماعة لا ينبغي أن يحله إلا جماعة أهل الاجتهاد. ويبرهن على هذا الرأي بقوله: لو كان الاجتهاد الفردي مساغاً في المسائل العامة لكان الرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس بفعله، ولكن نظرة متفحصة في الاجتهادات المنسوبة إليه، نجد أنه صلى الله عليه وسلم اتخذ من المنهج الجماعي أساساً للبت في القضايا العامة. وفي مراجعته للتصورات التي قدمت حول مفهوم الاجتهاد الجماعي في هذا العصر، يرى ان معظم الباحثين المعاصرين، تجاوزوا في تعريفاتهم الإشارة إلى المجالات والمسائل التي ينبغي أن يغشاها هذا الهم الاجتهادي المعاصر إضافة الى أن الباحثين في هذا المجال اعتقدوا أن الفرق الأساس بين الاجتهاد الجماعي والفردي يكمن في عدد الممارسين، في حين أهم فرق وأجله يتمثل في طبيعة المسائل والموضوعات التي يتطرق إليها كل من الاجتهاد الفردي والاجتهاد الجماعي. ويؤكد على ضرورة اعتبار الاجتهاد الجماعي هماً فكرياً بالدرجة الأولى مستوعباً سائر المسائل الفقهية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ذات الطابع العام، وضرورة تجاوز حصر ممارسة هذا الهم على أولئك الأفراد الذي يعرفون بين أهل العلم بالفقهاء اكتفاءً بمدى توافر الفرد أو الجماعة على الأدوات العلمية المؤهلة للنظر الاجتهادي في عصر من العصور. ويرى أن أدوات الاجتهاد يجب أن تتغير بتغير طبائع التحديات والنوازل التي تداهم الواقع الإسلامي، كما يجب أن تنتقى الأدوات القادرة على إعداد الجماعة للتصدي بفعالية للنوازل والتحديات. وتؤكد الدراسة أن النظر الاجتهادي الجماعي لا يعني صدور الاجتهاد عن أغلب الفقهاء أو عن جماعة من المجتهدين، وإنما يعني ضرورة صدور الاجتهاد عن جميع أهل الاجتهاد صدوراً مباشراً إذا كانوا في قطر واحد وصدوراً غير مباشر إذا كانوا في أقطار متفرقة ومختلفة. فالاجتهاد الجماعي المنشود من منظور هذه الدراسة، يتنوع إلى اجتهاد جماعي قطري، يصدر عن أهل الاجتهاد القاطنين في قطر من الأقطار، وإلى اجتهاد جماعي إقليمي صادر عن جماعة أهل الاجتهاد المفوضين من قبل المجامع الاجتهادية القطرية، للبت في المسائل والقضايا المشتركة بين الأقطار المنضوية تحت ذلك الإقليم، كما يتنوع الاجتهاد الجماعي المعاصر إلى اجتهاد جماعي أممي، صادر عن جماعة أهل الاجتهاد المنتدبين والمبتعثين من قبل المجامع الاجتهادية القطرية للنظر في المسائل ذات الطابع العام والتي تمس حياة جميع عموم الأمة بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية. وبناء على هذا، فإن الاجتهاد الجماعي لا يتحقق - في نظر الدكتور قطب سانو - إذا اكتفى فيه الاعتداد بآراء بعض المجتهدين دون بعضهم، وذلك لأن القصد الأساس من الاجتهاد الجماعي يتمثل في التوصل إلى رأي جماعي سديد موحد في المسائل العامة التي لا تطيق التعددية ولا تسمح بالتضاد وذلك لارتباطها بحياة جميع أفراد المجتمع أو السواد الأعظم منهم، الأمر الذي يستلزم صدور أهل العلم عن رأي موحد فيها تحقيقا لمقصد دوام استقرار نظام المجتمع وتوفير الأمن والترابط بين أفراد المجتمع. ولكن هذا الرأي يخالف ما ذهب إليه الدكتور عبد المجيد السوسوة، الذي يميز بين الاجتهاد الجماعي والإجماع، فالأخير يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد، بينما الاجتهاد الجماعي يكفي فيه اتفاق مجموعة من العلماء المجتهدين. وتعد المجامع الفقهية هي المؤسسات المناط بها الاجتهاد الجماعي اليوم للمجمع الفقهي عدة أهداف، ينبغي أن يسعى إلى تحقيقها، يرى الدكتور عبد الحميد الشرفي، أن من أبرزها: جمع كلمة الأمة الإسلامية، وذلك من خلال تدبير أحوالها ودراسة أوضاعها، وفحص قضاياها، وإيجاد الحلول المناسبة لها عن طريق الاجتهاد الجماعي، وبذلك يكون المجمع نواة لوحدة الأمة. ومن هذه الأهداف أيضا بيان حكم الله في القضايا المستجدة، وبيان الراجح من الأقوال المختلفة في المسائل التي بحثها السابقون، ليكون ذلك قانوناً يلتزم به الجميع، وكذا ينظر المجمع في الأحكام التي قالها السابقون ولكنها مبنية على أسس قابلة للتغير، فإذا وجد المجمع أن أساس تلك الأحكام قد تغير عرفاً أو مصلحة أو زماناً أو مكاناً، فعلى المجمع أن يستنبط أحكاماً جديدة لمعالجة الأوضاع الجديدة. يضاف إلى ذلك إثراء الفقه الإسلامي بالاجتهادات الجماعية، التي تكون علاجاً لمشكلات الأمة في شتى جوانب حياتها. لتحقيق هذه الأهداف، يرى ضرورة أن تتوافر في تكوين المجمع عدة أسس، من أبرزها: - أن يتكون المجمع من أغلب المجتهدين في العالم الإسلامي ممن جمعوا بين العلم الشرعي والاستنارة الزمنية، وصلاح السيرة والتقوى، ويضم إلى هؤلاء علماء موثوقاً في دينهم من مختلف الاختصاصات الزمنية اللازمة في شئون الاقتصاد والاجتماع والقانون والطب ونحو ذلك، ليكونوا بمثابة خبراء يعتمد الفقهاء رأيهم في الاختصاصات الفنية. - عالمية تكوين المجمع، وذلك بأن يضم من كل قطر إسلامي أشهر فقهائه الراسخين. - الترشيح لعضوية المجمع ينبغي أن تكون على أساس فقه الشخص المرشح وورعه، وليس على أساس منصبه الرسمي أو ولائه لحكومة أو نظام سياسي، وألا ينتخب على أساس عصبية مذهبية أو جنسية أو إقليمية. - أن يتحقق في العضو أهلية الاجتهاد، ويمكن معرفة ذلك بطرق معينة يقرها المجمع، وله بعد ذلك أن يتحرى ويحتاط. - وضع نظام تأسيسي للمجمع يوضح الأسس العامة لتكوينه، كما يضع لائحة تفصيلية لإدارته وتسييره وخططه. ضرورة تفرغ عدد كاف من أعضاء المجمع - لمواصلة أبحاثهم واجتهاداتهم - تفرغاً كاملاً ن ويكون لبقية الأعضاء اجتماعات دورية بحسب ما يقتضيه العمل. - اتفاق أعضاء المجمع على تحديد معالم المنهجية التي سيسيرون عليها في اجتهاداتهم واستنباطاتهم الفقهية، ويلتزموا بها، مهتدين في ذلك بأصول التشريع ومناهج السلف، وأن لا يتقيدوا بمذهب معين، وإنما يقدموا الراجح على غيره، أياً كان مذهب قائله، وأن يستعينوا بأهل الاختصاص في القضايا ذات الطابع الفني. - أن يتخذ القرار في المجمع بإجماع أعضائه، وعند اختلافهم يؤخذ برأي الأكثرية من المجتهدين. - تحويل بحوث المجمع ودراساته إلى مقررات قانونية يسهل الاستفادة منها في مجال التقنين والتطبيق بشكل موحد، ويتم الإعلان عن هذه الأحكام في جميع وسائل الإعلام المختلفة، ثم تطبع في كتب وتوزع على بلدان العالم الإسلامي. وأخيرا يجب أن يكون المجمع مستقلاً عن هيمنة أي سلطة أو نظام إقليمي يوجه المجمع أو يدفعه للعمل فيما يخدم ذلك النظام، ولا بد أن يكون أعضاء المجمع أحراراً في اجتهادهم، فلا يخضعون لإرهاب سلطة أو ترغيبها، مستقلين كاستقلال القضاء. د. محمد يونس