ارتبطت بعض القلاع والحصون التاريخية بشخصيات معينة كان لها قصب السبق في الكفاح الاسلامي والعمل على ترسيخ اركان الاسلام. وبعض هذه الشخصيات كان من بنى القلعة بنفسه والبعض الآخر وهبت له او حررها من الاحتلال ومن هذه الشخصيات والي طرابلس مصطفى بربر آغا حيث بنى القلعة التي عرفت باسمه على تلة استراتيجية التي تقع على بعد 8 كلم من طرابلس في شمالي لبنان. وتشرف القلعة على معظم البلدان والقرى التابعة لطرابلس وقضاء الكورة وهي قريبة من جبال الضينة التي تشرف على سهل البقاع، على انقاض معبد روماني قديم ، قام مصطفى بربر آغا ببنائها في العام 1754 ميلادية وقد قام بنقل حجارتها من زغرتا التي تبعد كيلو مترين عن المكان. اما المهندسون الذين اشرفوا على بنائها فجاؤوها من اسطنبول وتضم القلعة حصونا خمسة ذات ابداع معماري عالي المستوى واستعصت القلعة على الغزاة بفضل هذه الحصون حتى بعد وفاة صاحبها. وتحفل القلعة بالممرات الصخرية الضيقة وحافلة بالنقوش والزخارف والقناطر وكل مسلك فيها يعود الى مسلك آخر. واذا نسي الانسان من اين دخل اليها فانه لايتمكن ابدا من الخروج منها الا بمساعدة شخص خبير لمسالكها وطرقاتها. فهناك ممر يفضي الى ديوان الوالي وآخر يؤدي الى القاووش اي الثكنة العسكرية التي يقيم فيها جنود الوالي وهناك زوايا عدة للتفتيش او الاستفسار اذا اراد احد الدخول على الوالي. وتفتح الدهاليز في اوقات الصلاة باتجاه المسجد الواقع في باحة القلعة. وتحفل قلعة بربر آغا بالعديد من الطرقات العسكرية المرصوفة بحجارة صوانية اذا اخطأ شخص في احداها فانه يقع في الشرك مما يعني انه دخيل على القلعة وليس من الجنود الذين يعرفون مسالك القلعة وطرقاتها. وهناك طرقات تؤدي الى السجن الكبير في الطابق السفلي وبعضها تؤدي الى مرابط الخيل ومنها ما يؤدي الى مقر القيادة العسكرية. وتتميز هذه الطرقات عن بعضها بالوان الحجارة المرصوفة. وتبلغ سماكة جدران القلعة مترين من الصخر الصلب ويمتاز كل حصن عن الآخر بسماكته وبضخامته الصغيرة التي يتمكن الجنود من خلالها القضاء على المهاجمين وتسمى «المرامي» واذا افلح بعض الاعداء في احتلال احد الحصون فانه يستعصي عليه احتلال الحصون الاخرى بسبب التحصينات الجبارة التي تمتاز بها القلعة. ومن اهم هذه التحصينات السور الخارجي للقلعة والجسم الاساسي وما يسمى بالحصار الرابع والحصار الخامس وهناك الديوان بالاضافة الى السجن الكبير ومقر الوالي القاووش، مرابط الخيل، الميدان، المسجد، الباحة. ويتميز كل قسم من هذه الاقسام بطرازه المعماري الخاص وخصائصه الذاتية من حيث دوره الوظيفي وتصميمه والمواد المستعملة فيه. وكانت الدولة العثمانية قد اختارت المكان الذي بنيت فيه القلعة وطلبت من والي طرابلس الاشراف على اعمال البناء وانتهت اعمال تشييد القلعة في زمن قياسي.فالدولة العثمانية كانت ترمي الى القضاء على حصونها من مؤيدي اسماعيل الصفوي الذي احتل بغداد وبدأ زحفه لاحتلال بلاد الشام. وكان هذا ما دفع بالسلطان سليمان القانوني بفك حصاره عن مدينة فيينا والعودة لتأديب الصفوي واتباعه. وفي تلك الفترة كان مصطفى بربر آغا واليا على طرابلس ويلقب باسم «الفقير» وهو اللقب الذي كان يطلق في ذلك الزمن على اصحاب السيادة والعزة. ومن ابرز سمات الوالي مصطفى بربر آغا كانت حرصه على العدل والشجاعة واخلاقيات القائد المسلم والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقام هو بنفسه بالاشراف على اعمال بناء القلعة وفي احد الايام كان واقفا على باب القلعة ورأى احد المعماريين وهو يضع حجرا بطريقة ملتوية فقال له : «جلس حجرك» فانتاب العامل الهلع الشديد وسقط من شدة الفزع ورمى نفسه من اعلى القلعة. وكان بربر يمضي معظم اوقاته في القعلة وخصوصا بعد عزله من ولاية طرابلس ابان حكم ابراهيم باشا. ولكن حديث الناس عن عدل هذا الوالي المسلم ومآثره لم يتوقف. ومما تناقلته الالسن عن شدة احسانه وكرم اخلاقه انه وهب كل املاكه لعبيده الذين اشتراهم وحررهم من العبودية. ولما احتج اقاربه ورفعوا شكواهم الى دار الافتاء في طرابلس على اعتبار انه يورث عبيده ولا يورث اقرباءه لم يهتم الافتاء باعتراضهم لانه وهب املاكه. وحتى الامير بشير الشهابي الكبير احال قضيتهم الى محمد باشا واكد حق العبيد في هذه الاراضي الكثيرة التي كانت تمتد من ايعال الى الكورة وجرودها. وحفلت حياته اثناء اقامته في القلعة بمآثر وطرائف كثيرة كان البعض منها في غاية التميز واحداها ان امراة ارملة كانت تبيع الحليب في احدى القرى استولى جنديان من جنوده على الحليب الذي كان بحوزتها فصارت تبكي ومر احد الرجال البارزين بها فسألها لماذا تبكي فأخبرته بما جرى معها فما كان منه الا ان قال لها انه ما عليك الا الذهاب لبربر آغا لانه مشهور بعدله ولا يرضى بأخذ الحقوق. فقامت المرأة بالذهاب الى القلعة ولكن الحراس منعوها من الدخول ورآها بربر آغا صدفة وهو جالس تحت شجرة زيتون مشهورة باسمه «زيتونة بربر» فأمر حراسه بالسماح لها بالدخول واخبرته بما جرى معها فامر باستعراض الجنود امامها فعرفت الجنديين ولكنهما انكرا فعلتهما ولكن بربر آغا امر ببقر بطني الجنديين وكان الحليب لايزال بداخلهما طازجا وبعدما سال على الارض نظر الى المرأة وقال لها: لقد نالا جزاء فعلتهما ومنحها ثمن الحليب مع اكرامية. وترك الجنديين ينزفان حتى الموت حتى يكونا عبرة لجميع الجنود ومواطني الولاية. ومن مآثره التي تظهر عدله وكراهيته للكذب والرياء انه كان يعمل عنده فلاحون يبلغ عددهم الخمسين وجميعهم مسلمون ما عدا واحدا مسيحي ويعملون في اراضيه الشاسعة وقت موسم الفلاحة حرثوا الاراضي وتركوا جزءا من الارض بلا حراثة وكانوا يتحاملون على المسيحي عند الوالي ويريدون طرده. فقالوا للوالي انه الذي لم يفلح الارض. فهز برأسه وعرف المؤامرة التي يحيكونها. وعندما جاء وقت دفع الاتعاب بدأ بربر آغا اولا بدفع اتعاب المسيحي اولا فتعجب الفلاحون من ذلك فقال لهم : انا اعرف جيدا من ترك «البور» وهذا جزاء تحاملكم على الرجل.. انه افضل منكم واحق بالعطاء. ولا تزال قلعة بربر آغا الحصينة شاهدة على عصر مضى حكم فيه الوالي بكتاب الله وشرعه وارسى الامن وحقق العدل وطارت شهرة صاحب القلعة الذي يكره الظلم ويعمل على تحقيق مبادئ الاسلام والعدالة الاجتماعية التي يدعوا لها. وتزال حتى اليوم مآثر هذا الوالي يتداولها الناس ويستعيدون احداثها باعجاب واكبار. اميمة وجيه