روي ان أبا غياث الزاهد كان يسكن المقابر ببخارى، فدخل المدينة ليزور أخاً له، وكان غلمان الأمير نصر بن محمد ومعهم المغنون والملاهي يخرجون من داره فلما رآهم أبو غياث الزاهد قال: يا نفس قد وقع أمر ان سكت فأنت شريكة، فرفع رأسه إلى السماء واستعان بالله، وأخذ العصا فحمل عليهم حملة واحدة، فولوا منهزمين مدبرين إلى دار السلطان، وقصوا على الأمير ما حدث، فدعا به وقال له: أما علمت انه من يخرج على السلطان يتغدى في السجن؟ فقال له أبو غياث: أما علمت انه من يخرج على الرحمن يتعشى في النيران!! فقال له: من ولاك الحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فقال: الذي ولاك الامارة، فقال الأمير: ولاني الخليفة، فقال أبو غياث: ولاني الحسبة رب الخليفة، فقال الأمير: وليتك الحسبة بسمرقند، فقال أبو غياث: عزلت نفسي عنها، فقال الأمير: العجب في أمرك، تحتسب حيث لم تؤمر، وتمتنع حيث تؤمر، قال أبو غياث: لأنك إن وليتني عزلتني وإذا ولاني ربي لم يعزلني أحد، فقال الأمير: سل حاجتك؟ قال: حاجتي ان ترد علي شبابي، فقال الأمير: ليس ذلك إليك، فهل لك حاجة أخرى؟ قال: ان تكتب إلى مالك خازن النار ألا يعذبني، قال: ليس إلى ذلك أيضاً، فقال له: هل لك حاجة أخرى، قال: ان تكتب إلى رضوان خازن الجنان يدخلني الجنة، فقال: ليس ذلك إلي أيضاً، قال أبو غياث: فإنها مع الله الذي هو مالك الحوائج كلها لا أسأله بحاجة إلا أجابني إليها.. فخلى الأمير سبيله وأعجب بإيمانه وشجاعته. الأمر بالمعروف يجب ان يكون بالمعروف والنهي عن المنكر يجب ان لا يحدث منكراً أكبر، والمحتسب المتطوع أو الموظف يجب ان يكون مخلصاً، ولكن المتطوع لا ينتظر دعماً مادياً أو دنيوياً، وكلما كان المحتسب من أهل العلم والخشية والمعرفة والتقوى كان موقفه أصوب وأصلب، وأنفع وأنجع، والانطلاق في الدعوة والاحتساب من خلال الأمر الإلهي «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» يسمو فوق كل اعتبار، ويرتفع صاحبه فوق كل وظيفة، لأن الدعاة والعلماء ورثة الأنبياء، ولا رتبة أعظم من رتبة النبوة، ولا شرف أجل من الوراثة لتلك الرتبة، فطوبى لورثة الأنبياء ولأتباعهم المؤمنين. د. علي مشاعل