المتوكل على الله جعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد أمه اسمها شجاع ولد سنة خمس وقيل سبع ومائتين وبويع له في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعد الواثق فأظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق وذلك في سنة أربع وثلاثين واستقدم المحدثين إلى سامرا وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه أيضاً نحو من ثلاثين ألف نفس وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له حتى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة:أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم. ومن عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم ولم يعهد مثلها أحرقت زرع الكوفة والبصرة وبغداد وقتلت المسافرين ودامت خمسين يوماً واتصلت بهمذان وأحرقت الزرع والمواشي واتصلت بالموصل وسنجار ومنعت الناس من المعاش في الأسواق ومن المشي في الطرقات وأهلكت خلقاً عظيماً. وفي السنة التي قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق سقطت منها دور وهلك تحتها خلق وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها وإلى الجزيرة فأحرقتها وإلى الموصل فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفاً، وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكل النصارى بلبس الغل وفي سنة ست وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين وهدم ما حوله من الدور وأن يعمل مزارع ومنع الناس من زيارته وخرب وبقي صحراء وكان المتوكل معروفاً بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك. وفي هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت والبيادر ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل ثم كفت. وفي سنة ثمان وثلاثين نزلت الروم دمياط ونهبوا وأحرقوا وسبوا منها ستمائة امرأة وولوا مسرعين في البحر وفي سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء فمات منها خلق كثير ووقع برد بالعراق كبيض الدجاج وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب. وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل وكان أمراً مزعجاً لم يعهد. وفي سنة اثنتين وأربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس وأعمالها والري وخراسان ونيسابور وطبرستان وأصبهان وتقطعت الجبال وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق ورجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين ووقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح: يامعشر الناس اتقوا الله، الله، الله، وصاح أربعين صوتاً ثم طار وجاء من الغد ففعل كذلك وكتب البريد بذلك وأشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه. وفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده فنظر المتوكل يوماً إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت: من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ فقال: قنبر - يعني مولى علي - خير منهما فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات وقيل: أمر بسل لسانه فمات وأرسل إلى ابنه بديته وكان يعقوب رافضاً. وفي سنة خمس وأربعين عمت الزلازل الدنيا فأخربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من أنطاكيه جبل في البحر وسمع من السماء أصوات هائلة وزلزلت مصر وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة فمات خلق من أهل بلبيس وغارت عيون مكة فأرسل المتوكل مائة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها، وكان المتوكل جواداً ممدحاً يقال: ماأعطى خليفة شاعراً ماأعطى المتوكل. كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر، ثم المعتز، ثم المؤيد، ثم إنه أراد تقديم المعتز لمحبته لأمه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة ويحط منزلته ويتهدده ويشتمه ويتوعده واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان وذلك في خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين. ومن أخبار المتوكل: أخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكراً سليماً نيئاً سقط عليه من السماء مكتوباً عليه: جعفر المتوكل على الله فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم: نسميه المنتصر فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه فوجده مواقاً فأمضى وكتب به إلى الآفاق. وأخرج عن هشام بن عمار قال: سمعت المتوكل يقول: واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده وأتعلم منه فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول: ياأيها الناس إن محمد بن أدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله وخلف فيكم علماً حسناً فاتبعوه تهدوا ثم قال: اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة وسهل علي حفظ مذهبه وانفعني بذلك. قلت: استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهباً بمذهب الشافعي وهو أول من تمذهب له من الخلفاء. وأخرج عن أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا فقال له: بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوءاً فقال أحمد بن المعدل: ياأمير المؤمنين ما في بصري سوء ولكن نزهتك من عذاب الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار» فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. وأخرج عن يزيد المهلبي قال: قال لي المتوكل: يامهلبي إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. وأخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال: دخلت على المتوكل فقال: ياأبا يحيى ما أبطأك عنا منذ ثلاث لم نرك كنا هممنا لك بشيء فصرفناه إلى غيرك فقلت: ياأمير المؤمنين جزاك الله عن هذا الهم خيراً ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين؟ قال: بلى فأنشدته لا شكرنك معروفاً هممت به إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إذا لم يمضه قدر فالرزق بالقدر المحتوم مصروف فأمر لي بألف دينار.