الواثق بالله: هارون أبو جعفر وقيل أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد، وأمه رومية اسمها قراطيس ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومئة وولي الخلافة بعهد من أبيه بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين.. وفي سنة ثمان وعشرين ومئتين استخلف على السلطنة أشناس التركي وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجاً مجوهراً وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطاناً فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه. وفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن وكان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخره أمره. وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصير الخزاعي وكان من أهل الحديث قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحضره من بغداد إلى سامراء مقيداً وسأله عن القرآن فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة، فقال: كذا جاءت الرواية وروى له الحديث فقال الواثق له: تكذب فقال للواثق: بل تكذب أنت فقال: ويحك يٌرى كما يٌرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر ثم رماه بالكفر وقال لمن حوله ما تقولون فيه؟ فقال جماعة من فقهاء المعتزله الذين حوله: هو حلال ضربه فدعا بالسيف وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن من أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده ولا نعرفه ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فصلب بها وصلبت جثته في سر من رأي واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل فأنزله ودفنه ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه فيها: هذا رأس أحمد بن نصير بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فعجله الله إلى ناره ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدبر إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق رويت هذه الحكاية من غير وجه. وفي هذه السنة استفك من الروم ألفاً وستمئة أسير مسلم فقال ابن أبي دؤاد من قال من الأسارى «القرآن مخلوق» خلصوه وأعطوه دينارين ومن امتنع دعوه في الأسر. قال الخطيب: كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن ويقال: إنه رجع عنه قبل موته. وقال غيره: حمل إليه رجل فيمن حمل مكبل بالحديد من بلاده فلما دخل وابن أبي دؤاد حاضر قال المقيد: أخبرني عن هذا الرأى الذي دعوتم الناس إليه أعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدع الناس إليه أم شيء لم يعلمه؟ قال ابن أبي دؤاد: بل علمه قال: فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ قال: فبهتوا وضحك الواثق وقام قابضاً على فمه ودخل بيتاً ومد رجليه وهو يقول: وسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكت عنه ولا يسعنا فأمر له أن يعطى ثلاثمئة دينار وأن يرد إلى بلده ولم يمتحن أحداً بعدها ومقت ابن أبي دؤاد من يومئذ. والرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود والنسائي. قال ابن أبي الدنيا: كان الواثق أبيض تعلوه صفرة حسن اللحية في عينيه نكتة قال يحيى بن أكثم: ماأحسن أحد الى آل أبي طالب ماأحسن إليهم الواثق ما مات وفيهم فقير.وقال غيره: كان الواثق وافر الأدب مليح الشعر وكان يحب خادماً أهدي له من مصر فأغضبه الواثق يوماً ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فقال الواثق: ياذا الذي بعذابي ظل مفتخراً ما أنت إلا مليك جار إذا قدرا وقال الصولي: كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله وكان المأمون يعظمه ويقدمه على ولده وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء وكان شاعراً وكان أعلم الخلفاء بالغناء. وله أصوات وألحان عملها نحو مئة صوت وكان حاذقاً بضرب العود راوية للأشعار والأخبار. وقال الفضل اليزيدي: لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق فقيل له: كان أروى من المأمون؟ فقال: نعم كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئاً. وقال ابن فهم: كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرين رجلاً وكل ما على الخوان من غضارة وصحفة وسكرجة من ذهب فسأله ابن أبي دؤاد أن لا يأكل عليه للنهي عنه؟ فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال. وقال الحسين بن يحيى: رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة وأن قائلاً يقول له: لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك فلم يعرفوا معناه فوجه إلى أبي محلم وأحضره فسأله عن الرؤيا والمرت فقال أبو المحلم: المرت القفر الذي لا ينب شيئاً فالمعنى على هذا: لا يهلك على الله إلا من قلبه خال من الايمان خلو المرت من النبات فقال له الواثق: أريد شاهداً من الشعر في المرت فبادر بعض من حضر فأنشد بيتاً لبنى أسد. ومرت مروتاة يحار بها القطا ويصبح ذو علم بها وهو جاهل فضحك أبو محلم وقال: والله لا أبرح حتى أنشدك فأنشده للعرب مئة قافية معروفة لمئة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت فأمر له الواثق بمئة ألف دينار. وقال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه. وقال أحمد بن حمدون: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه فأكرمه إلى الغاية فقيل له: من هذا ياأمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟ فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني من رحمة الله. مات الواثق بُسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة مئتين واثنتين وثلاثين ولما احتضر جعل يردد هاتين البيتين: الموت فيه جميع الخلق مشترك لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفارقهم وليس يغني عن الأملاك ماملكوا