هناك الكثير من الكتب والدراسات التي تناولت بالبحث والتدقيق جوانب شخصية وعظمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الكتب كتاب صدر مؤخرا للدكتور مصطفى محمود، يحمل عنوان (محمد صلى الله عليه وسلم) ويقع في خمسة فصول كاملة. يقول المؤلف: عندما نتصفح كتب السيرة سوف نرى دونما حاجة الى التدليل بالخوارق اننا امام رجل كان أكثر من رجل عظيم، هذا الرجل الفطري الأمي البدوي البسيط الذي يسعى بين الناس بلا تكلف، يتكلم في تلقائية لا يتصنع علما ولا يتلو من كتاب ولا يتدارس مذهبا ولا يأخذ بأي سبب من أسباب العظمة الدنيوية، لا جاه ولا لقب ولا شهادة جامعية ولا ميراث مادي، ومن حكمة التدبير الالهي ان يختار الله لرسالته هذه الفطرة البسيطة البدوية ليلقى اليها بكلماته حتى لا تتهم بانها كانت تأتي بتلك الكلمات اجتهادا، اننا اذ نمضى في كتب السيرة نتتبع هذه الذات المحمدية في فعلها وانفعالها وفي اثرها البعيد المستمر في هذا الموقع البدوي الفظ من حولها نراها تأتي من حولها سحرها، فأيما لمست من انسان حالته نورا يمشي على الأرض، وأيقظت فيه نوازع الخير وفجرت فيه ينابيع المحبة. دعوة الاسلام كما يشير المؤلف في هذا الكتاب هي القمة في البساطة انها الفطرة ذاتها بلا تكلف. لم يأخذ محمد عليه السلام الناس الى متاهات لاهوتية ولم يكلفهم انقلابا في نظام الحكم في قريش وانما أراد بهم ان يطهروا عقولهم من رجس الخضوع للأوثان وأن ينزهوا ربهم عن هذه الشركة المخجلة مع اصنام لا تسمع ولا ترى وهذه الشفاعة الوهمية لحجارة لا تملك لنفسها شيئا. كانت دعوة الرسول الكريم في صميمها حرية وتحررا فلا تلك الحجارة ولا الملائكة ولا الجن ولا النجوم بدافعة عن الانسان ضرا أو جالبة له نفعا فعليه ان يتحرر منها جميعا ويطرحها خلفه لا يضرب عندها قداحا ولا يذبح قربانا. وكانت دعوته علمية ففكرة الاله الواحد هي غاية ما يصل اليه التأمل الحق في ظواهر الوجود فكل الاسباب تنتهي في النهاية الى سبب واحد هو محركها جميعا، وكانت دعوته خلقية تهدف الى الخير والعدل والمحبة وتدعو الى نجدة الفقير والمريض واليتيم والأرملة، لقد كانت المرأة في أوروبا في ذلك الوقت يتم وضع رجلها على بطنها بحزام حديدي له ترباس هو حزام العفة ليضمن وفاءها وكأنها قطعة اثاث وكانت في الجاهلية تدفن في التراب طفلة وتابع كالمتاع كبيرة وكانت في الهند تحرق على جثة زوجها الميت، فجعل لها الاسلام حقوقا وواجبات واحترامها طفلة واما وزوجة وحبيبة وشريكة عمر، لقد كان محمد يدعو الى خير الجميع ولكنه اصطدم بمقاومة هائلة من الجميع. جوانب العظمة في شخصية الرسول الكريم كثيرة وقد ركز د.مصطفى محمود على بعض من هذه الجوانب فقد عرف عنه صلى الله عليه وسلم انه كان لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وانما يغضب للحق والدين وحينئذ لا يقوم لغضبه شئ، ماضرب خادما ولا امرأة قط، وماضرب بيده شيئا الا أن يكون جهادا في سبيل الله. تقول السيدة عائشة رضى الله عنها.. لم يمتلئ جوف النبي شبعا قط وكان يطوي أكثر أيامه صائما وكنت أقول له: نفسي لك الفدا لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك، فيقول لي: ياعائشة مالي وللدنيا اخواني أولو العزم من الرسل صبروا على ماهو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم، فأجدني استحي أن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم وما من شئ هو أحب الى من اللحاق باخواني واخلائي، ومع ذلك لم يكن يرفض الهدية من المأكل والمشرب والملبس ولكنه كان يرفض ان يسعى الى هذا العيش اللين أو يفكر فيه أو ينشغل به، ولهذا كان يربي نفسه ويروضها على الفقر والجوع والقصد في المطالب والرغبات. لقد أراد الرسول الكريم بذلك أن يكون القدوة والمثل لما أراده الاسلام، وبين الاعتدال والتوسط فلا رهبانية ولا قتل للنفس ولا تهالك واطلاق للشهوات، وانما توسط واعتدال وبذلك ينجو الانسان من سيطرة نفسه وسيطرة الآخرين، وهذه هي الحرية، أن يحرر الانسان نفسه من جميع المطالب فلا يعود يسمح لشهوته أن تذله لمطعم أو ملبس.. كان صلى الله عليه وسلم بسيطا متواضعا تراه في بيته يغسل ثوبه ويرقع بردته ويحلب شاته ويخصف نعله، وتراه يأكل مع الخادم ويعود المريض ويعطى المحتاج، وتراه قد احتمل حفدته على كتفيه وهو يصلي، احب الانسان والحيوان حتى النبات حنا عليه فكان يوصي بالشجر الا يقطع، حتى الجماد شمله بحبه فكان يقول عن جبل أحد، هذا الجبل يحبنا ونحبه، حتى تراب الأرض كان يمسح به وجهه متوضئا في حب وهو يقول: تمسحوا بالأرض فأنها بكم برة. وتروى السيرة انه لما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج رأسه يوم أحد شق ذلك على أصحابه فقالوا: لو دعوت عليهم.. فقال.. أني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعية ورحمة، اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون، ولما جاء زيد بن سعفة يتقاضاه دينا عليه وجبذ ثوبه جبذة منكرة أخذا مجامع ردائه مغلظا له قائلا: انكم يابني عبدالمطلب مطل فانتهره عمر.. ابتسم النبي قائلا.. أنا وهو كنا الى غير هذا أحوج ياعمر، تأمره بحسن التقاضي وتأمرني بحسن القضاء، ثم قال لقد بقى من أجله ثلاث (ثلاثة أيام) وأمر عمر أن يقضيه ماله ويزيده لما روعه فكان هذا سبب اسلامه، وكان الرسول دائما ذلك الرجل الكريم الذي وصفه أصحابه بأنه ينفق انفاق من لا يخشى الفقر أبدا، لم يحدث أن ادخر درهما، وقد مات كما هو معلوم ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان يلخص سنته فيقول: المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني، والحب مذهبي، والشوق مركبي وذكر الله أنيسي، والحزن رفيقي، والصبر ردائي والصدق شفيعي والعلم سلامي والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة، ذلك هو محمد عليه الصلاة والسلام النبي الأمي الذي تفوق على كل القارئين والكاتبين. وكانت ثقافته صلى الله عليه وسلم هي ماقاله لأبي بكر.. أدبني ربي فأحسن تأديبي، والرسول ماانتقم لنفسه قط وماخير بين أمرين الا اختار ايسرهما مالم يكن اثما ويروى ان اعرابيا جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصحابته فأعطاه وسأله هل أحسنت؟ فقال الاعرابي: لا أحسنت ولا أجملت، فقاموا اليه فقال لهم.. كفوا عنه فدخل منزله فأرسل الى الاعرابي وزاده شيئا وسأله فأجابه.. جزاك الله من أهل العشيرة خيرا، فقال الرسول اذا كانت الغداة وحضرت مع أصحابي فقل لهم ماقلت فقد أصبح في نفوسهم شئ، فقالها بحضورهم فذهب ما كان يجدون عليه، ثم قال الرسول مثلي ومثل هذا الاعرابي كرجل له ناقة ضلت فأخذ الناس يهيجونها، فقال خلو بيني وبين ناقتي فأخذ لها من قمام الأرض هونا هونا حتى استناخت وشد عليها راحلتها، وعرف عن النبي انه كان اذا استشهد بأبيات من الشعر كسر أوزانها عامدا، ولكن عدم انشاده للشعر لم يكن يعني عدم تذوقه، فقد عرف عنه صلى الله عليه وسلم حسن تذوقه للشعر وطربه للقصيد، وقد عفا عن كعب بن زهير حينما أنشد لاميته المشهورة، بانت سعاد، ورمى عليه بردته استحسانا، كما كان يطرب الى الخنساء في شعرها عن أخيها صخر ويستزيدها قائلا: هيا ياخناس، وكان يدعو شاعره حسان بن ثابت ليرد على قصائد الوفود بالشعر، انما منع الرسول عن صنعة الشعر لا عن تذوقه، صيانة لشخصه الكريم من التقليد فقد أراده الله أن يكون فريدا متفردا في عصره، لا يجري لسانه بتكلف ولا يصطنع الكلام اصنطاعا وطهر قلبه ليكون وعاء لكلماته الالهية.