صاحب كتاب «تاريخ الامم والملوك» هو العلامة ابوجعفر محمد بن جرير الطبري الذي ولد في «عامل» عاصمة «طبرستان» سنة 224 هجرية واخباره الباقية لقلتها ترسم لنا صورة ذلك العلامة الذي كان العلم كل حياته، فلم يكتف بالتلقي ومنذ حداثته، عن شيخ واحد، بل كان يأخذ من شيخين واكثر، ولو كانت المشقة كبيرة، ما دام قادراً على تحملها. ولقد صار الطبري امام عصره الذي كان من افضل العصور في تاريخنا، ثقافة وحضارة، وظهر علو امامته بين اعظم معاصريه حتى في حياة جماعة من بقية شيوخه، ولقد بلغ في عدة علوم شرعية وادبية وكونية، غاية ما يبلغ المختص في كل منها على حدة مع سعة اطلاعه على غيرها. ومن التوفيقات ان تدوم له معونة ابيه طوال حياته، فقد خلف له ضيعة كان رزقها يأتيه يسيرا، فأغنته عن السعي لتحصيل رزقه، ومكنته من ادوات العلم، ومن الرحلة الى معاهدها في امصار المشرق الاسلامية، فأخذ ما وسعه من شيوخها، ثم شيوخ بغداد والكوفة والبصرة واواسط العراق، وشيوخ دمشق، وغيرها في بلاد السواحل والثغور في الشام وشيوخ «الفسطاط» في مصر ثم استقر في بغداد حتى مات ودفن فيها سنة 310 هجرية. وقد الف الطبري عشرات من الكتب في علوم مختلفة، بقي لنا منها قليل ومنها كتابه الهام جدا «تاريخ الامم والملوك» الذي صدر بأحد عشر جزءا وفي نحو ثلاثة آلاف وثلاثمائة صفحة من القطع الكبير. يبدأ الكتاب بخطبة يليها تمهيد ثم التاريخ، وهذا يشمل تاريخ الخلق منذ ان بدأ وحتى سنة 302 هجرية، وهو شطران يفصل بينهما الهجرة النبوية. تقع الخطبة في البداية في ثلاث صفحات وتبدأ باسم الله وحمده وتجرده عن المكان والزمان، ثم شكره على فضله. اما التمهيد فيقع في خمسين صفحة وفيه يوضح الزمان فيعرفه: بأنه ساعات الليل والنهار، ثم يتكلم عن مقدار الزمان من بدئه الى نهايته، ويذكر الاقوال فيه ثم يذكر بدء الخلق. اما قسم التاريخ البشري حتى هجرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فيبلغ هذا القسم نحو خمسمئة صفحة، وفيه يذكر المؤلف خروج آدم وما تزود به في خروجه، وما وقع في عهده من احداث اهمها: ما انجبته له حواء من بنين وبنات. والمؤلف في تاريخه، حريص على ذكر الحوادث المتعاصرة معاً لو اختلفت موضوعاتها ولم تكن لاحداثها صلة بالاخرى إلا المعاصرة التي هي اقوى صلة بينهما، فيذكر مثلا: عصر ملك فارسي ويطيل في سيرته ويتبعها بحوادث عصره في الامم الاخرى فاذا فرغ من ذلك ذكر عصر ملك فارسي آخر. وينتهي هذا القسم الذي جعل فيه تأريخ الفرس اساساً للتاريخ البشري، حتى ان هذا القسم يعتبر من اكبر مصادر الفرس في تأريخهم، وكان من نتائج تعويل المؤلف على التوقيت الفارسي انه نجا من الانحصار الذي حبس فيه اليهود تاريخهم وتاريخ العالم. اما القسم الثاني والذي هو تاريخ الاسلام منذ الهجرة النبوية الشريفة وحتى سنة 302هـ فهو اطول الاقسام ويستغرق اكثر من الفين وثمانمئة صفحة. وأساس توقيت هذا القسم هو التاريخ الاسلامي بالهجرة النبوية الشريفة وفق السنوات الهجرية فهو يذكر في سنة ما، ما وقع فيها من احداث فإذا فرغ من اخبار تلك السنة، انتقل الى غيرها ويبدأها بقوله: ثم دخلت سنة كذا وفيها وقع كذا وكذا، وحين يشير الى حادثة معينة يذكر روايات عدة فيها بأسانيدها مهما نطل وقد تداخلت الروايات في الحادثة الواحدة اذ كان في جزء منها اكثر من رواية. وبينما يعنى بالحوادث السياسية عند الحكام كثيرا، تقل عنايته بدراسة مجتمعات الامم التي يؤرخها وبتوضيح نظمها الادارية والاقتصادية والزراعية وسائر احوالها الاجتماعية وهو لا يبدي رأيه بالحكم على الاشخاص او الاعمال بل يكتفي بالنقل، إلا نادراً، كما انه نادر الترجيح لرواية على رواية فيما ينقل. ولا نجد بعده كتابا ذا قيمة يعرض لتاريخ الاسلام واهله وصلاته بجيرانه في القرون الثلاثة الاولى بعد الهجرة إلا وجدناه يعوّل عليه كأوثق مصدر له وأوسعه. إعداد ـ محمد سطام الفهد