تحمل احدى الروايات الفرنسية البارزة، وربما أحد ابرز الروايات الفرنسية في القرن العشرين، عنوان «مذكرات ادريان» لمؤلفتها مرجريت يورسنار، التي كانت اول سيدة تصبح عضوة في الاكاديمية الفرنسية في كل تاريخها. لقد عاشت الروائية «يورسنار» مدة أربع سنوات بين انقاض القصر الذي عاش فيه آخر اباطرة روما «ادريان» ثم كتبت «مذكراته». اليوم وفي هذه الرواية «الاهرام الدائري» يقوم الروائي الفرنسي «جان لوك بينو زجليو» بفعل الشيء نفسه تقريباً بالنسبة لـ «امينوفيس الرابع»، احد فراعنة السلالة الفرعونية الثامنة عشرة.. والذي اراد ان يتخذ لنفسه هوية جديدة تعرفه القواميس بها وهي شخصية «اخناتون» عندما استلم الحكم. ان الصورة التي يقدمها له مؤلف هذا الكتاب هو انه كان من اكبر «متصوفي» التاريخ.. لكنه قام مع ذلك بالكثير من الاصلاحات الى درجة انه بدا وكأنه ينسف اسس المنظومة التي كانت قائمة في المجتمع الفرعوني قبله.. كما شهدت فترة حكمه بروز افق من الحرية لم يكن معروفاً، الأمر الذي مثل «ثورة» في الاداب والفنون، «ثورة جمالية» بمعنى ما. لكن اهتمامات هذا الفرعون بالعقائد المتعلقة بالشمس جعلته يهمل الى حد كبير السياسة الخارجية مما ادى الى خسارة مصر لكل «ممتلكاتها» الخارجية انذاك، وخاصة سوريا وفلسطين.. ولم يستتب الامن ويعود النظام الا مع وصول خليفته «توت عنخ آمون». ان مؤلف هذا العمل الروائي لا يولي اهمية كبيرة لكل ما يتعلق بالدقة التاريخية او بالتسلسل التاريخي للاحداث التي يقدمها، وانما ما يهمه بالاحرى هو رسم الاجواء التي احاط بها «اخناتون» نفسه. واذا كان المؤلف قد «حوّر» قليلاً في الاسماء، فان الصفات التي يصبغها على شخصية «بطله» وغيره من الشخصيات تدل بكل وضوح على المعنيين بها هذا مع التأكيد بان المؤلف لا يولي اهمية كبيرة لمسألة التسلسل التاريخي، لكنه بالمقابل يعتمد كثيرا على المعلومات التي قدمها المؤرخ اليوناني القديم «هيرودوت» الذي يعتبره العديد من النقاد بمثابة «المؤسس الحقيقي لعلم التاريخ».. وكان هيرودوت قد زار مصر الفرعونية من اجل كتابة تاريخ عصره. والى جانب عدم تقيد المؤلف بالتسلسل وبالدقة التاريخية، فهو لا يريد اصلا ان يكتب «رواية تاريخية»، فإنه يصف «اخناتون» بقدر كبير من الحرية بحيث انه بدا فعلاً كشخصية «روائية» هو الذي «ابتدعها» واستعار فقط «الاطار التاريخي» ليتمتع بعدها بهامش كبير من الحرية في رسم «احلام» ذلك الفرعون الكبير. لذلك ليس من المجدي البحث عن «تسلسل منطقي» في احداث الرواية. وتحتوي هذه الرواية ايضا عملية توصيف لاجواء الطقوس الفرعونية القديمة، وكذلك رسم لوحة عيانية للواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي آنذاك. وهذا كله حول شخصية «اخناتون» او «الفرعون الشاعر» كما يطلق عليه مؤلف هذا الكتاب الذي يقدم ايضا توصيفاً شعرياً، انه يقول مثلا عن التماثيل: «ان التماثيل لا تملك دماغاً او قلباً او لحماً، عيونها يسكنها الموت». وفي النهاية هذا ايضا كتاب عن مفهوم السلطة نفسه في عصر الفراعنة، وخاصة في عهد «اخناتون» ورواية اراد لها مؤلفها ان تكون ذات بعد ملحمي مع كثير من الشعر... و«اخناتون» بعيون معاصرة