بيان الكتب: هرناندو دوسوتو، مؤلف هذا الكتاب، هو من مواليد عام 1941 في البيرو، وهو مؤسس ورئيس المعهد الليبرالي والديمقراطي في ليما، ليلعب من هذا الموقع دوراً مهماً في تحديث اقتصاد بلاده، وكانت مجلة «التايم» قد اعتبرته عام 1999 بأنه احدى الشخصيات الخمس الرئيسية التي عرفتها أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، كما كان أحد الاقتصاديين الاساسيين في اعداد اتفاقية «الجات» الخاصة بالتعرفة الجمركية في العالم، وهو خبير ومستشار لدى العديد من الشركات والمؤسسات العالمية، سبق له وقام بالعديد من الاعمال في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية حول مسائل التنمية والتكدس الرأسمالي. له كتاب سابق بعنوان «الطريق الآخر» الذي حلل فيه عدداً من «السبل الجديدة للتنمية» وقد تمت ترجمة هذا الكتاب إلى عدة لغات عالمية وتصدر لفترة طويلة قائمة الكتب الأكثر انتشاراً في أمريكا اللاتينية اثر نشره عام 1986. في هذا الكتاب «أسرار رأس المال» يبحث المؤلف ايضاً في مسائل التنمية وسبل «انعاش النمو الاقتصادي» في بلدان العالم الثالث بشكل خاص، أو ما يمكن ان تطلق عليه تسمية أخرى هي «بلدان الجنوب». ان الملاحظة الأولى التي يؤكد عليها «دوسوتو» تتمثل في اخفاق استراتيجيات التنمية في البلدان غير المصنعة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، هناك لا شك بعض الاستثناءات، لكن الاستثناءات تؤكد القاعدة ولا تنفيها. ان المعركة الأساسية التي سخرها العالم خلال القرن العشرين انما كانت ضد الفقر الذي زاد واتسع كما تؤكد العديد من الاحصائيات الرسمية، هذا على الرغم من المساعدات الكبيرة التي قدمتها مختلف المؤسسات الدولية المختصة في ولوج طرق التنمية وإذا كان عالم اليوم يضم ما يزيد على 6 مليارات نسمة فإن حوالي مئة مليون طفل لا يعرفون طريق المدارس كما ان 20 مليوناً منهم مهجرون، لهذا السبب أو ذاك. وتشير احصائيات أخرى إلى ان نسبة 28% من أطفال العالم الثالث لا يجدون في نهاية القرن العشرين ما يسدون به جوعهم.. والمثير للانتباه هو ان هذه النسبة لم تنخفض خلال السنوات العشر الأخيرة في القرن العشرين، بل انها ازدادت في بلدان جنوب الصحراء في القارة الأفريقية. وتقول احصائيات منظمة الأمم المتحدة ان 17% من سكان العالم لا يمتلكون اليوم سكناً مناسباً وان 15% منهم يعانون من الأمية و 14% لا يتمتعون بحق الطبابة والخدمات الصحية الضرورية، وبالتالي يموت 13% منهم قبل بلوغهم سن الأربعين. وعلى قاعدة الاحصائيات المقدمة وقراءة واقع العالم الثالث والتنمية في أغلبية بلدانه يرى المؤلف ان مختلف «النماذج» التي تم اقتراحها الآن من أجل محاربة الفقر وتقليص حدة التفاوت في العالم إنما قد أثبتت فشلها، أو هي بطريق الفشل، هذا الفشل يشكل بحد ذاته دافعاً من أجل الالتفات نحو استراتيجيات بديلة يصيغها المؤلف في هذا الكتاب «رأس المال» انه ينطلق في عرض افكاره من موقع «المرجع الاقتصادي» في محاولة الاجابة عن السؤال الذي يدل عليه العنوان الفرعي ومفاده: «لماذا انتصرت الرأسمالية في الغرب بينما أخفقت في المناطق الأخرى من العالم؟». إن المقولة الشائعة الأولى التي يرفضها مؤلف هذا الكتاب هي تلك التي تعيد تباطؤ التنمية في بلدان العالم الثالث ـ بلدان الجنوب ـ لواقع «الفوارق الثقافية» كما يكرر العديد من الاخصائيين الغربيين، ولا يتردد المؤلف في القول بأن مثل هذا المنطق في التفسير إنما يخفي وراءه «نزعة عنصرية» تقول بتفوق الأوروبيين بالاعتماد على نوع من الداروينية الاجتماعية. تجدر الاشارة هنا إلى المقولات الهتلرية المعروفة حول تفوق «العرق الآري»، أما النزعات الأوروبية المركزية فإنها تمثل نوعاً من الحنين إلى الحقبة الاستعمارية بالاضافة إلى الاحساس بالتفوق. مقابل هذه المقولات يطرح المؤلف حلاً أو ما يعتبره بالأحرى «الحل» بالنسبة لبلدان الجنوب، والذي يتمثل في «بعض الحالات ما بين 50% إلى 80% من النشاطات الاقتصادية، المطلوب ـ كما يرى المؤلف ـ هو اخراج «رأس المال الذي يعمل في الاقتصاد غير الرسمي أو «السري» كي يصبح «رأس مال» فاعلاً وحيث يمكن بفضل هذا دخول عدة بلدان فقيرة في دائرة التنمية، أما الخطوة الأولى الأساسية فيحددها مؤلف هذا الكتاب في منح «حق الملكية الأساسية» لأصحاب المشاريع الصغيرة العاملة في القطاع غير الرسمي. ان بلوغ حق الملكية لأولئك الذين يعملون على مستوى الورش الصغيرة ونقل نشاطهم الاقتصادي من «السرية» إلى «الشرعية» لا يؤدي إلى النمو الاقتصادي فحسب، كما يؤكد دوسوتو، وإنما سيكون هذا النمو لصالح الشرائح الأكثر فقراً لأنها هي التي لا تملك حتى الآن سوى ممارسة مهن وأعمال شبه سرية، ثم ان انتقال هؤلاء من اللاشرعية إلى الشرعية سيؤدي بدوره إلى نقل رؤوس أموالهم أيضاً من اللاشرعية إلى الشرعية، وهذا يعني بدوره تنشيطه بعد تحريره من حالة «الجمود» التي كان يعاني منها في ظل النشاط «السري» غير المشروع. ما يؤكده المؤلف هو ان عملية اخفاء الشرعية «تبييض بشكل ما» على الاقتصاد «الأسود» أي السري، تؤدي إلى الكثير من المكاسب على صعيد اقتصادات البلدان المعنية بها وذلك لأنها تفتح آفاقا جديدة في فضاء رحب ومفتوح وانهاء الممارسات ذات الكلفة العالية مثل العمولات التي يتقاضاها ممثلو الادارة الرسمية من العاملين بالاقتصاد «السري» وذلك مقابل تمكنهم من متابعة نشاطاتهم، هذا ومن المعروف ان مثل هذه الظاهرة منتشرة إلى حد كبير في العديد من بلدان العالم، حيث تقوم الادارات بأدوار «مشبوهة» في تغطيتها لنشاطات الاقتصاد غير الرسمية. ويمضي المؤلف في شرح الآثار الايجابية لعملية اضفاء الشرعية على الاقتصاد «السري» وذلك في ميادين «أمن» المعاملات وتنمية روح المبادرة لدى أصحاب الورش الصغيرة .. إلخ. ومهما بدت «غرابة» بعض الاطروحات المقدمة فإن مؤلف هذا الكتاب يدعمها ببعض الدروس التاريخية المأخوذة من سياق تطور البلدان المتقدمة اليوم، والتي كانت قد تبنت ذات يوم مثل الحلول المقترحة، إنه يؤكد بشكل خاص على «درس» مأخوذ من التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية نفسها حيث يرى ان القاعدة الأساسية لازدهار الاقتصاد الأمريكي في بداياته الأولى انما قامت على النشاطات التي مارسها «الرواد» الأوائل الذين كانوا قد قدموا من بلدان اوروبا الغربية خاصة واستأثروا باحتكار الاراضي واقامة المزارع الكبيرة دون أية صكوك رسمية للملكية في البداية، ولكن شيئا فشيئا قامت السلطات السياسية نفسها والتي كانت في واقع الأمر تمثلهم إلى حد كبير بـ «اضفاء الشرعية» على «حقهم» بتلك الأراضي ليصبحوا المالكين الرسميين لها ولتنطلق بذلك «ديناميكية» جديدة جعلت من الاقتصاد الأمريكي أكثر «اقتصادات» العالم حيوية، هذا بعيداً عن واقع الاضطهاد الذي تمت ممارسته حيال الأفارقة السود الذين كانوا قد جرى استقدامهم للعمل في تلك الأراضي والمزارع، ولكن هذه حكاية أخرى. في المحصلة يرى هذا الباحث الاقتصادي ذو الشهرة العالمية والذي ينتمي عقلاً وروحاً إلى «الجنوب» بأن الشعوب والأمم المعنية يمكنها ان تلج دروب التنمية عبر تبني الآليات نفسها التي استخدمتها ذات يوم بلدان «الشمال» الغنية اليوم. وباختصار قيم الوصول إلى ذلك عبر تحويل رأس المال «الميت» إلى رأسمال «حي» وخلق «دوره جديدة» لصالح الجميع، لكن لابد من اثارة الكثير من التساؤلات حول مثل هذا الحل الذي يبدو من جهة مغرقاً في «طوباويته» ومن جهة أخرى متطرفاً في التأكيد على «فضائل الرأسمالية» هذا فضلاً عن السمة النظرية البارزة للأطروحات المقدمة، مما قد يسمح بالتساؤل عن امكانية تطبيقها في سياق تطور العالم اليوم، والذي اختلف كثيراً عن فترة «الرواد» الأمريكيين. ان «هرناندو دوسوتو» نفسه يستعرض في كتابه العقبات الكبيرة التي تخلقها الادارات «البيروقراطية» في بلدان العالم الثالث أمام مسيرة النشاط الاقتصادي وحتى المشروع منه، وهو يذكر مثلاً بأنه في بلاده «البيرو» يتطلب فتح ورشة للنسيج مدة 289 يوماً بعد ان يحصل المعني، أو المعنيون، بها على جميع رخص العمل المطلوبة، ولابد من مرور ما بين عشرين إلى خمس وعشرين سنة لاستكمال عملية شراء ملكية مدينية في الفلبين.. أما في مصر فإن امتلاك «فدان» من رمال الصحراء يتطلب 77 اجراء بيروقراطياً تتدخل في 31 هيئة عامة أو خاصة، هذا وفضلاً عن جميع التعقيدات ذات الطابع البيروقراطي، هناك أيضاً مسألة «المنافسة» التي يمكن ان تبرز بين القطاع الشرعي أصلاً والقطاع الذي سيتم العمل على جعله شرعياً، وماذا عن الضرائب؟ وهل الذين «لا تعنيهم تاريخياً» مستعدون لدفعها؟ العقبات كثيرة أمام الحلول التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب لتنمية بلدان الجنوب، ولكنها دون شك مدعاة للتأمل والتفكير، خاصة فيما يتعلق بجعل «الاقتصاد الموازي» في خدمة النمو الاقتصادي العام، وكتاب «عظيم جداً.. قوي ومقنع تماما» كما علق عليه «دونالد كوست» الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد