بيان الكتب: بدأ مؤلف هذا الكتاب حياته المهنية كأحد العناصر الاساسية في بلدية باريس منذ عام 1973. عمل منذ عام 1983، الى جانب عمله كمستشار لدى رئيس بلدية باريس، كمسئول في قطاع التمويل والتوسع الدولي في شركة «اكور» التي اصبحت بمثابة الشركة السياحية الاولى في العالم حيث انها تمتلك عدة مؤسسات فندقية. اصبح نائباً لرئيس، بلدية باريس مسئولاً عن العلاقات الدولية والسياحية والتنمية الاقتصادية. وهو ايضاً رئيس مجموعة «سان توماس» المالية. يبدأ كتاب «المدينة الرقمية» بتساؤل جوهري حول مسألة الانفجار الديموغرافي، وتمركز السكان في المدن، وما ستؤول اليه هذه الظاهرة المزدوجة التي يبدو انها ستمثل حقيقة ثابتة في نهاية القرن العشرين وخلال العقود الاولى، على الاقل، من القرن الحادي والعشرين. فـ «كيف ستقوم المدن، التي يفوق عدد سكان بعضها عدد امم كاملة، بتنظيم حياة ساكنيها في المجال الجغرافي الصغير الذي تشكل منه؟». و«كيف سيستعيد الافراد الاحساس بأن رأيهم له قيمة؟. وكيف يمكنهم الافلات من الاحادية في نمط التفكير والعيش؟ هذه نماذج من الاسئلة التي يطرحها مؤلف الكتاب ليؤكد في سياق اجاباته بأن «الفرد في خطر كما يقول ثم يضيف في موقع آخر «انه ـ اي الفرد ـ يعيش منغلقا على ذاته ضمن اطار مجموعة لا تملك حسن العيش المشترك ولا تستهدف الدفاع عن نفسها او تحقيق تقدم جماعي، وانما ترمي فقط الى المحافظة على وجودها ومتابعة نموها والتهام اولئك الذين تتكون منهم. ان مستقبل المدينة، المدن في مختلف انحاء العالم ينبيء بالخطر والمجال المديني يفقد الكثير من هويته امام زحف التكنولوجيا واخلاقياتها وحيث تخيم حالة من القلق والتوجس من محيط لم يعد يوفر الامن والاستقرار، كما كان في الماضي ومن هنا ايضا تبرز تساؤلات مقلقة مثل: «كيف يمكننا ان نعطي من جديد معنى للمجال المديني وتجنب الثقافة التكنولوجية التي ينبغي ألا تصبح بمثابة التربة التي تنمو فيها الشرور التي تكاثرت في نهاية القرن مثل غياب الامن والوحدة والتلوث والمخدرات والتجمعات السكانية المنغلقة على ذاتها ـ والبؤس» ان المطلب الاساسي الذي يؤكد علي مؤلف هذا الكتاب هو احترام الفرد وخصوصياته اذ ان «الفروق بين البشر هي التي تجعل كل كائن بشري عالماً فريداً قائماَ بذاته، وهذا يبحث تساوي جميع البشر في ميزات الكرامة. يتعرض المؤلف في الفصل الاول لمفهوم «العدد حيث يرى بأن التاريخ الانساني نفسه هو «تاريخ تجميع» من الزوجين الى الاسرة ومن البلدة الى المدينة، ان ديناميكية التجميع هذه تسارع ايقاعها الى حد كبير في القرن التاسع عشر مع تطور وسائل الانتاج الصناعي ومع تسارع هذا الايقاع وتحول المدينة الى «مجتمع ذي هيكلية صناعية» اصبح الفرد الاجتماعي لا يعبر عن نفسه إلا من خلال المجموعة التي ينتمي اليها هكذا اصبح فرداً في مجموعة اكثر مما هو «ذات» مستقلة بهذا المعنى اسس القرن التاسع عشر لوصول «عصر الجماهير» وايديولوجياتها، ان قوة الآلة حلت مكان قوة العضلات وبدا ان التقدم ممكن لـ «الجميع» كما حل ايضا المجتمع الاستهلاكي بكل ما يمكن ان يوفره لافراده من رفاهية لكن وبكل الحالات يرى المؤلف بأن تجمع عدد كبير من الافراد يقتل الفردية بشكل ما. لكن بالمقابل كان لـ «العدد» دائما سحره فمنذ مصر القديمة بهر العدد اولئك الذين يفكرون ومنذ فجر الزمن دل العدد على القوة المادية والثروة، يقول المؤلف واذا كان قد دل خلال مسيرته التاريخية على سلطة الكهنة والملوك، فإن قوته الآن تضاعفت الى ما لا نهاية مع قدوم زمن الخبراء ورجال الاعمال والنواب اي زمن الذين يستمدون سلطتهم من عدد البشر الذي ينبغي عليهم تنظيمهم او تشغيلهم او تأمين غذائهم.. الخ، وفي المحصلة يبدو ان العدد قد حل محل الحرف.. ولغة الاحصاءات اصبحت هي السائدة.. كما ان السحر الذي تمارسه الارقام غدا بمثابة محرك لانماط السلوك الانساني ويتدخل في انماط الانتاج والثقافة والسياسة وفي المحصلة يقول المؤلف ان العدد خفض الانسان الى صف الدويبة المجهرية وذلك في اللحظة التي يتفق فيها الجميع على تمجيد الشخصية الانسانية والتأكيد على كرامتها، وهذا ما ادت اليه «دكتاتورية» المدينة الرقمية. ان الانسانية عرفت في مسيرتها الطويلة تمركزاً تدريجياً للمجموعات البشرية ثم ان عملية «الحضرنة» هذه زادت بدورها من امن الجماعة وشجعت التزايد الديمجرافي وزيادة كثافة المدن.. ثم جاءت الثورة الصناعية لتكون في خدمة العدد حيث ان التصنيع كان بمثابة الخلفية التي قام عليها التنظيم الاول للمجتمع على اساس العدد بل والى تنظيمه بواسطة العدد وحوله ومن اجله، عبر دورة الانتاج والاستهلاك.. وضمن هذا السياق يتحدث المؤلف عما يسميه بـ «هيمنة العدد» وكأنه يتحدث عن هيمنة قوة عظمى على صعيد العلاقات الدولية لكن هيمنة العدد هذه ادت الى توحيد انماط الاستهلاك والممارسات الثقافية اصبح المهم هو «كم» ليس «لماذا». واذا كان المؤلف قد اهتم في القسم الاول كله ب«العدد» وبالمفاهيم الرقمية فإنه كرس القسم الثاني منه للمدينة هذه المدينة التي كتب عنها الكثيرون من نيرون الى هنري ميلر ومنذ القديم حتى روايات الخيال العلمي ان المدن لم تتوقف عن تغذية مخيلة الانسان وتفكيره وحماسه وغضبه واحلامه، يقول مؤلف هذا الكتاب وكان الشاعر بول فاليري قد كتب: اننا نأتي الى المراكز الكبرى كي نتقدم وننتصر وننمو ونتمتع، وكي نستهلك انفسنا فيها ونذوب وننبعث.. الخ. وتبقى المدينة بامتياز هي مكان ممارسة السياسية لانها هي مكان التنظيم الجماعي، وهي ايضا مكان تمركز السلطات والمبادلات الاقتصادية والانتاج الاستهلاكي والمصارف، هكذا كانت المدينة دائما منذ زمن بابل التي كانت عاصمة بلاد ما بين النهرين لحقبة طويلة قبل ما يزيد على 2300 سنة على التوقيت الميلادي والتي شهدت اول تناقضات الظاهرة المدينية، كما تفاعلت فيها مظاهر الحياة الثقافية والاقتصادية والعسكرية والعقائدية. هذا فضلا عن عظمة هندستها المعمارية، ثم جاءت بعد بابل مدن اليونان القديمة مثل «بوليس» التي حاول افلاطون تنظيم مجالها الاجتماعي وتابع ارسطو بعده عمله الذي اراده ان يجعل منها مدينة مثالية ولكن عبر منهج اكثر واقعية واكثر عملية مما قال به افلاطون هذا وقد استفاد الرومانيون من افكار ارسطو كي يقوموا بتنظيم روما على اساس تداخل العلاقات الاجتماعية ـ الاقتصادية وترشيد الوسط المحيط بها، ثم ظهر نمط مدينة العصور الوسطى حيث اصبحت المدينة بمثابة رمز لفردوس عدن كما شاع في المخيلة الجماعية لاهل القرن الثاني عشر، ثم اصبح البعد الجمالي هو الاكثر اهمية بالنسبة لمدن عصر النهضة الاوروبي ليتم الاتجاه بعد ذلك نحو مدن اكبر من العقلانية في تنظيم المدن، كما يبدو من وصف المؤلف لمدن باريس ولندن وبرشلونة.. اما في القرن العشرين فقد تم اللقاء بين ظاهرة التمدين والعدد على قاعدة التقدم التكنولوجي كما بلغت المدن في القرن الماضي درجة من التوسع والتنامي طرح تحديات جديدة تتعلق خاصة بفقدان الفرد لـ «ذاته الفردية». ذلك ان العولمة.. فرضت في كل مكان ودون ان تأخذ باعتبارها الخصوصيات المحلية سلوكيات اقتصادية وثقافية متشابهة وستفرض بعد حين قريب سلوكيات حضارية متشابهة ايضا، كما ينقل المؤلف عن الكاتب ايناسيو ربامونس مدير مجلة «لوموند ديبلوماتيك» الشهرية الشهيرة. القسم الثالث والاخير في هذا الكتاب مكرس لما يسميه المؤلف بـ «الثورة الرقمية» حيث يتم التوجه نحو نمط مجتمعي جديد في ظل التكنولوجيات الجديدة التي كان لها اثارها العميقة على المبادلات الاقتصادية التجارية وعلى مفاهيم «الوسطاء» والانتقال من مقولة الانتاج الجماهيري الى الخدمة على القياس. باختصار اصبحت التقنيات الجديدة هي التي تحدد اشكال تطور المؤسسات وتطور الذهنيات ايضا ثم ان المعلومات قد بدلت تماما من انماط ووسائل اتصالها مع بروز دور شبكات الانترنت التي جعلت من المعلومات ذاتها مجرد سلعة ثم ان هذا كله لابد وان يكون لها اثره الكبير على شكل المدن في المستقبل القريب حيث غدا كل شيء الكترونيا من الانسان الآلي «الروبوت» الذي يقدم مختلف الخدمات وحتى ابسط النشاطات اصبحت المعلومات حاضرة في كل مكان وكل شيء. ان المؤلف يطرح في هذا القسم الثالث والاخير من كتابه اشكاليات المدينة المستقبلية ضمن الاطار العام للثورة الرقمية، ويحلل ضمن هذا السياق السمات الاساسية لـ «مجتمع الخدمات» المتميز بسهولة المبادلات والغاء الحدود وتسارع انتقال الافكار.. بل ان تكنولوجيا المعلومات سهلت قيام علاقات عابرة ولكنها تقوم عامة على منطق الاهتمام المشترك. وتبقى مشكلة السياسيين الاساسية هي مواكبة العصر في فترة تمثل فيها المدينة مكان السياسة بامتياز