مؤلف هذا الكتاب هو كاتب ورحالة فرنسي.. لكنه قبل هذا وذاك رجل مأخوذ الى درجة الشغف بالرسام الفرنسي الشهير بول جوجان، وهذا كرّس سنوات عديدة من حياته للبحث عن تفاصيل سيرة حياة الرسام وزيارة جميع متاحف العالم التي تعرض بعض لوحاته الفنية، بل وزيارة الامكنة، التي كان جوجان قد عاش فيها. هكذا تتبع خطاه الى البيرو وباريس وكوبنهاجن، وبروتانيا ـ في فرنسا ـ وباناما والمارتينيك وتاهيتي.. وهذه الامكنة الاخيرة هي وراء عنوان الكتاب «انا في بحار الجنوب». لقد قام المؤلف برحلة طويلة اقتفى فيها الآثار التي تركها جوجان في كل موقع اقام فيه والتي تبدو احياناً عبر بطاقات بريدية او اسماء مقاه او اية اشياء اخرى. ولكن هناك بعض المدن التي لم تحتفظ من جوجان بأي شيء سوى لوحات له في متاحفها، كما هو الحال بالنسبة لمدينة كوبنهاجن. بالمقابل هناك اثار كثيرة خلفها في بلدان بحار الجنوب، وبحيث ان حضور الفنان يبدو قوياً كما كان حضور هذه المناطق بجبالها وبحارها قوياً ايضاً في اعماله. لكن لا شك ان العديد من المناطق التي عاش فيها جوجان في القرن التاسع عشر ـ نهاياته ـ قد تغيرت كثيراً ولم تعد ما كانت عليه وهكذا تحولت حقول كثيرة تزدان بها لوحات الفنان الى ورش صناعية او مواقف للسيارات او شوارع للعبور.. وبكل الحالات لم يبق من الآثار على الامكنة التي اقام فيها الفنان سوى بعض الاشياء الهشة والتي تم استخراجها من «آبار النسيان» بقصد اجتذاب السائحين. ان اغلبية ما يستحضره المؤلف من آثار الرسام بول جوجان يبعث الى الحزن.. كما كان الفنان نفسه ذي مزاج سوداوي، في اغلب الاحيان.. واذا كان قد ترك اوروبا بحثاً عن قليل من الفرح في بلدان الشمس الساطعة لأشهر طويلة في السنة، فإن المؤلف يؤكد بانه قليلاً ما وجد ذلك الفرح الذي نشده. كما يؤكد ان جوجان نفسه قد ادرك مدى خطأه اذ عرف انه محكوم عليه بالعيش مع مجموعة من البورجوازيين الصغار الاستعماريين ورجال الشرطة، والقساوسة وبعض ابناء البلاد الذين كانوا قد تمثلوا واقع الاستعمار وقبلوه. وهكذا يأسف جوجان كثيراً الى انه قبل وصوله الى بلد مثل تاهيتي التي رسم الكثير من اعماله فيها، انما كان المتوحشون قد اختفوا فيها، بينما كان جوجان يبحث عن تلك الوحشية التي تبدو بوضوح في رسوماته والوانه الصارخة، البدائية. ولم يستطع ان يتأثم طويلاً مع العالم الاستعماري، كما كان قد فشل فيما قبل في التأقلم مع عالم البورصة، الذي اشتغل فيه لفترة من الزمن.. او مع عالم مدينة كوبنهاجن التي عاش فيها، وبرغم وجود المرأة والاطفال، رجلاً تعيساً فاقداً لأي فرح وغريباً حتى عن اطفاله. ان مؤلف هذا الكتاب الذي عاش لفترة من الوقت في كوبنهاجن حيث كان جوجان ومشى في الشوارع نفسها يكتب صفحات جميلة وحيث يبدو الوصف الذي يقدمه للاماكن والشوارع وكأنه بحد ذاته تعليقات على لوحات فنية.. الكثير من التفاصيل مع كتلة من الحنين الى زمن فضى، رغم الغربة التي عاشها بطل ذلك الزمن، اي جوجان. ان هذا الكتاب هو في المحصلة عن سيرة حياة الرسام بول جوجان الذي يبدو انه لم يعرف كيف يتأقلم مع معطيات العصر الذي عاش فيه وكانت علاقاته متوترة باستمرار تقريباً مع الذين كانوا يحيطون به، وحتى من عالم الرسم نفسه، ولم يجد دعماً من اي رسام من بين اولئك الذين عاصروه باستثناء «دوجا» الرسام الكبير الذي كان يشتري لوحاته باستمرار. وبكل الاحوال يبدو ان جوجان رجل مثير للنفور منه لانه اعطى لنفسه حق عمل كل شيء