بيان الكتب: مارينا بيكاسو هي حفيدة بابلو بيكاسو، الرسام الفرنسي الكبير.. وهي ابنة باولو بيكاسو. مارينا من مواليد 1950 في مدينة «كان» على شاطئ البحر الابيض المتوسط ـ منطقة الكوت دازور ـ تمارس منذ مطلع عقد التسعينيات عدة نشاطات ذات طابع انساني في فيتنام وغيرها. متزوجة وقد انجبت خمسة اطفال، ثلاثة منهم بالتبني. الجد هو بابلو بيكاسو وبقلم الحفيدة مارينا بيكاسو. انها ترسم صورة اخرى لجدها.. صورة فيها الكثير من القسوة والتي تعتبرها تأكيداً لحقيقة علاقتها مع جدها وحقيقة علاقاته مع اولئك الذين كانوا يحيطون به هذه الحقيقة التي شوهها الاخرون. ولعلّ افضل ما يعبر عن طبيعة علاقة احد اكبر فناني القرن العشرين، اذا لم يكن اكبرهم على الاطلاق، مع اكثر المقرّبين منه هذا المقطع الذي ضمه الكتاب وجاء فيه: «كان والدي يمسك بيدي. وقد تقدّم دون ان يهمس بأية كلمة باتجاه بوابة المنزل الذي كان يسكنه جدي. كان اخي بابليتو يتبعنا على بعد خطوات. كان عمري ست سنوات، وكان عمر اخي قد قارب الثامنة. رنّ والدي الجرس فخشيت ان يحصل ما كان قد جرى في مرّات سابقة. لقد فتح الحارس الباب وقال لوالدي: سيد بول، هل لديك موعد؟، نعم، اجاب والدي بصوت منخفض. ثم ترك يدي كي لا احس بارتعاشة يده. قال الحارس: سوف اذهب لارى اذا كان المعلّم يستطيع استقبالك. وانغلق الباب من جديد. كان المطر يهطل ولكن لابد من انتظار ما ستمليه رغبة المعلم. وكما تم في السبت الماضي والخميس الذي سبقه اقترب اخي بابليتو مني والتصق بي. كنا نحس بانفسنا وكأننا مذنبين. واخيراً انفتح الباب من جديد وقرأ الحارس حكمه: «لا يستطيع المعلم استقبالك اليوم. وقد طلبت مني السيدة ـ زوجة بيكاسو ـ ان اقول لك بانه يشتغل اليوم». كان بيكاسو بتصرفه مع ابنه «بول» واحفاده ـ من بينهم المؤلفة واخوتها ـ يطبق، كما يبدو، حكمة قالها ذات يوم وجاء فيها: من اجل التوصل الى صياغة حمامة لابد من لوي رقبتها اولاً، وما تؤكده المؤلفة على مدى صفحات هذا الكتاب هو انه لم يكن هناك احد يتجرأ على ازعاج بيكاسو عندما كان يعمل برسم. وتنقل المؤلفة عن جاكلين روك، التي اصبحت احدى زوجات بيكاسو ـ والدة المؤلفة هي اولجاكو خلوفا التي خلّدها الفنان ببعض لوحاته ـ قولها: لا تريد الشمس، أي بيكاسو ـ ان يعكر صفوها احد، وقد تم استخدام القاب اخرى لبيكاسو مثل المعلم الكبير، وسيدي. ان مارينا بيكاسو تروي حكاياتها مع جدّها عندما كان يقيم في منزله الذي كان يحمل اسم كاليفورنيا، والواقع في احدى ضواحي مدينة كان المتوسطية في جنوب فرنسا، والزمن هو عقد الخمسينيات في القرن الماضي حيث كان يعيش بيكاسو، في ذلك المنزل رسم الفنان الكبير عدداً من لوحاته الشهيرة وحيث كان يمضي يومه، كما تتذكره حفيدته، مرتدياً قميصاً ازرق قديماً مثل ذلك الذي كان يلبسه البحارة. هذا البيت تعود ملكيته اليوم لمؤلفة هذا الكتاب وحيث تزين غرفة الاستقبال فيه لوحة كبيرة رسمها بابلو بيكاسو، لجدّتها اولجا كو خلوفا، عام 1923. لقد تغيّر الكثير من معالم المنزل بعد نصف قرن من الزمن على ولادة مارينا عام 1950 والتي اضافت الكثير من الاثاث القديم وغالي الثمن بينما كان الجد قد جعل من كاليفورنيا، تسمية المنزل كما اشرنا سابقاً، ورشة للرسم اهم ما تحتويه الالوان واللوحات المنثورة في كل مكان. وما تؤكده مارينا بيكاسو هو انها قد عملت كل ما بوسعها كي تنهي كل ما يمكن ان يذكرها بطفولتها وبعلاقتها بجدها عندما كان يسكن هذا المنزل. وقد ساعدها على فعل ذلك الثروة الطائلة التي ورثتها من جدّها بابلو بيكاسو، انها تريد ان تهرب من طفولتها، لان الذكريات المحيطة ببيكاسو يمكن ان تبدو بمثابة مصدر آلام كبيرة للمغنيين بها.. ذلك ان المعلم وفي غمرة النجاح الذي عرفه ونشوته قام بتكسير اولئك الذين كانوا يحيطون به، كان ذا موهبة مدمرة، وعلى قاعدة هذه الموهبة المدمرة وجه له النقاد الفنيون تهمة تخريب الفن، اي فن الرسم ونسف كل اسسه عندما رسم لوحته الشهيرة فتيات افينيون التي قوبلت بعاصفة من النقد والاستهجان.. ولكن هذا كله لم يمنع واقع انها اسست لمدرسة جديدة في الرسم. وتنقل المؤلفة عن بابلو بيكاسو قوله: عند موتي سيكون الغرق الكبير، والكثيرون سوف تبتلعهم الزوبعة. ان مارينا تقوم في هذا الكتاب بعملية جرد لمصلحة ذلك الغرق وتكتب وكأنها تعد على اصابعها الضحايا: «اخي بابليتو انتحر عبر تناول محلول جافيل، ووالدنا تبعه بعد عامين، اما ماري تيريز والتر، الملهمة التي لم يغادرها حزنها فقد وجدوها معلقة وميتة شنقاً، وهناك ايضاً جاكلين، رفيقة الايام الاخيرة لبيكاسو التي انتهت حياتها برصاصة في الرأس، ودورامار ـ احد اشهر النساء في حياة بيكاسو ـ فقد توفيت بائسة وسط اللوحات التي رفضت بيع اية واحدة منها.. ثم تضيف مارينا قائلة: انها لمعجزة انني لا ازال هنا. لقد نجت مارينا بعد ان زارت كما تقول الطبيب النفساني مرّات ومرّات، وكان لابد لها ان تبلغ الخمسين من العمر حتى تستطيع تقديم هذا العمل عن ذكريات الطفولة. ولعل ما يثير الانتباه في هذا الكتاب، وعلى الرغم من قساوة تلك الطفولة وغرابة العلاقة مع الجد المعلم، هو ان المؤلفة ظلت باستمرار محافظة على احترامها لصورة الجد، الفنان الكبير ـ دون اية محاولة لتصفية الحسابات، بل على العكس يبدو كتاب الجد بمثابة محاولة للتصالح مع الماضي. تقول المؤلفة: لقد اردت ان اقول حقيقتي عندما اراد العديدون حولي تخيل الواقع او تشويهه كي يتجنبوا النظر له وجهاً لوجه. بالمقابل لا تتردد مارينا في القول بأن بيكاسو الجد قد كان وراء تدمير حياة جدتها اولجا زوجته الشرعية التي عاشت عواصف الغيرة وعرفت الانهيارات العصبية والهذيان، وحيث كان بيكاسو يردد حيالها، انها تثير اعصابي واجدها شديدة الغباء والازعاج. وهذا ما رأت به مارينا تعبيراً عن صفة لازمت بيكاسو طيلة حياته وهي ميله الى ان يلعب دور الضحية، وان يسوّد صورة المرأة، بل ويحاول ان يخلق باستمرار نوعاً من المواجهة بين ابنه باولو وامه، اولجا، التي وجدت امامها ذات يوم ماري تيريز والتر، تعلن لها بان الطفل الذي تحمله بين يديها هو احد اعمال بيكاسو. ان مارينا تدافع بشراسة عن موقف جدّتها، وتقول في مواجهة اتهام بيكاسو لها بانها مختلة عقلياً ـ هستيرية ـ ما يلي: «ولكن كيف يمكن ان لا يصبح المرء هستيرياً اذا تم اذلاله وتلطيخ سمعته وتدميره الى تلك الدرجة؟ وتضيف تساؤلاً اخر: وكيف يمكن ان لا يصبح ذلك بعد هذا القدر من الفظاظات واشكال الخسة والنذالة؟، وبعد سنوات من الحزن العميق والكآبة المدمّرة قررت جدتي ان تغادر العالم، كما تقول المؤلفة ـ بكل الكرامة التي كانت تتصف بها، وقد اراد والدي ان يحضر وحده دفنها. لانه كان دون شك يريد ان يكفّر عن الاذى الذي الحقه بها.. وان يقول لها بانه كان يحبها، وذلك في مواجهة الرجل الذي خرّب حياتهما». ان المؤلفة تقدم في هذا الكتاب ايضاً العديد من الشهادات التي وصلتها بحكم موقعها القريب من الرسام الكبير، وقد دلّت بمجملها، وخاصة تلك المتعلقة بفرانسواز جيلو، احدى نساء بيكاسو، بان هذا العملاق الفني كان يتصرف مع الذين يحيطون به كغول مدمّر لا يتردد في ان يفرّغ الاخرين من طاقاتهم، بل وحياتهم، كي يتغذى هو بذلك ويغذي اعماله الفنية.. بنوع من الانانية المتطرفة التي لا تستطيع ان ترى ما هو سواها.. وتؤكد مارينا هذه الصورة وتثبتها عبر روايتها عن الكيفية التي كان يتصرف فيها مع احفاده.. بل والطريقة التي كان يعذب فيها، ابنه باولو، والد مارينا والذي كان قد تحول الى مجرد سائق احياناً لدى والده، لكن الذي وجد نفسه مراراً وتكراراً على عتبة بيت والده دون ان يؤذن له بالدخول كي لا يقلق راحة الشمس. تقول المؤلفة: عندما كنا نستطيع بضربة حظ الدخول الى المنزل كان السيد يتجاهلنا او يبدي الاحتقار لابنه. وذات يوم وعندما كان بيكاسو يتسلّى بصنع دجاجات من الورق، لم يكن حتى لي الحق بان آخذ واحدة معي: كانت تلك تحفاً فنية! كنا نعيش احساساً عميقاً بالخوف وبعقدة الذنب. فلماذا يعيش هو بهذا الغنى بينما نعاني نحن من البؤس الذي تركنا نكبر في اطاره؟ ولماذا لم يسمح لنا حتى بان نحضر دفنه؟ واذا كانت مارينا تعيش باستمرار انفعالات ذكريات الماضي فإنها قد نجحت مع ذلك في ان تعرض لوحات الجد بعد ان كانت قد قلبتها كي لاتراها. لقد استطاعت باختصار ان تفصل بين الفنان والرجل في شخصية الجد. الجد كتاب عن اكبر عبقريات القرن العشرين كما رأته عيون طفلة.. انها حفيدته مارينا بيكاسو التي قررت الكتابة بعد 30 سنة من وفاته عام