بيان الصائم: اساس القبول لأي عبادة هو اخلاص القلوب لله تعالى، فإن حقيقة العبادة ليست شكلاً يتعلق بالمظهر ولا رسماً يتصل بالجسد، ولكنها سر يتعلق بالقلب وإخلاص ينبع من الروح فإذا لم يصدق قلب المسلم في عبادته ولم يخلص لله في طاعته وأداها رسوماً خالية، من الروح كما ينطق الأبلة بالألفاظ الخالية من المعنى فهناك يردها الله عليه كما يرد الصيرفي النقاد الدراهم الزائفة قال تعالى: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء» «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين» «قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين» «قل الله اعبد مخلصاً له ديني». وقد افترى بعض المبشرين والمستشرقين على الإسلام فزعموا انه لا يعنى إلا بالمراسم والأشكال في العبادات ولا يعنى بالقلب والنية والضمير ورد هذه الفرية عليهم مستشرقون آخرون لم يسلم الاسلام منهم أيضاً بيد انهم لم يسيغو هذا الكذب الوقاح والجهل الصراح، وقال جولد زيهر في كتابه عن «العقيدة والشريعة في الإسلام: «مما لا شك فيه ان الإسلام شريعة فهو يخضع المؤمنين به لأعمال شرائعية ومع ذلك فإن معين التعاليم الإسلامية الأولى وهو القرآن الكريم يعتبر صراحة: ان الأعمال بالنيات ويعد النية معياراً للقيمة الدينية ويرى انه إذا لم تقترن دقة احترام الشريعة بأعمال رحمة وخير كانت قليلة القيمة. «ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون». وفيما يتعلق بشعائر الحج التي نظمها من بين تقاليد الوثنية العربية كذب المستشرق هنا فقد نفى الاسلام شعائر الحج من تقاليد الوثنية العربية، وأبقى منها ما لم يمسه الشرك من بقايا ملة ابراهيم عليه السلام أول من أذّن في الناس بالحج استنادا الى كلمة الله: «ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم» جعل محمد أهمية كبرى لنية التقوى التي يجب ان تصبح هذه الشعيرة حين يقول: «لن ينال الله لحومها ولا دماءها ولكن يناله التقوى منكم». والجزاء الأكبر للاخلاص ـ كما في سورة غافر ـ «فادعوا الله مخلصين له الدين». ولتقوى القلوب كما في سورة الحج: «ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب». وللقلب السليم كما في سورة الشعراء: «يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم» فهذه وجهة النظر التي تسود في تقدير الفضل الديني للمؤمنين. ويرى الاسلام ان العبادة المرضية عند الله ليست هي ذلك الشبح الخالي من الروح وانما هي تلك التي تصاحبها النية الصادقة ويسري فيها روح الاخلاص سريان العصارة في اغصان الشجرة الناضرة فتؤتي في النفس اكلها وتثمر في الخلق والسلوك ثمرتها وتذكر صاحب العبادة بحق الله وتنبهه على حقوق الناس فليست كل صلاة جديرة بالقبول عند الله فان من الصلوات ما يضرب بها وجه صاحبها ومن هنا قال تعالى في شأن الصلاة المقبولة: «وأقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر». فاذا لم تؤد الصلاة مهمتها في ايقاظ الضمير وغرس خشية الله ومراقبته في النفس تلك التي تؤدي الى الانتهاء عن الفحشاء والمنكر فان صلاته تلك تكون صلاة بتراء ناقصة تكون جثة هامدة تنقصها الحياة وقد جاء في بعض الاثار: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له». وما قلناه في الصلاة نقوله في الصيام فليس كل صيام يحظى بدرجة الرضا عند الله ما لم يؤد الى التقوى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». وكذلك الزكاة والصدقة اذا داخلها رياء أو لحقها أذى للفقير فان ذلك يفسدها ويحبط ثوابها يقول تعالى: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم». «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى..» فليس بعد هذا التصوير القرآني بيان فيما للاخلاص من أثر في قبول العبادات.