بيان الكتب: باسكال بونيفاس، مؤلف هذا الكتاب، هو مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس واستاذ في معهد الدراسات السياسية في مدينة «ليل» الفرنسية. وهو عضو في المجلس الاعلى للتعاون الدولي وفي اللجنة الاستشارية لنزع السلاح لدى الامانة العامة لمنظمة الامم المتحدة. سبق له ونشر حوالي ثلاثين كتاباً معظمها حول المسائل الدولية مثل «اوروبا في مواجهة التحديات الجديدة التكنولوجية والعسكرية» و«تعيش القنبلة، في مديح الردع» و«ارادة العجز» و«العلاقات بين الشرق والغرب 1945 ـ 1991». ومن اواخر كتبه: «العالم المعاصر: خطوط التقسيم الكبرى».. كما ساهم باسكال بونيفاس في الاشراف على عدة كتب وقواميس مثل «اطلس العلاقات الدولية». «الحرب» كانت ولاتزال، وستبقى موضوع اهتمام الكتاب والباحثين من شتى المذاهب والمشارب.. وهذا الكتاب لباسكال بونيفاس هو من آخرها، اذا لم يكن اخرها اذ انه صدر في شهر نوفمبر من عام 2001. انه يبدأه بتساؤل جوهري يقول: «هل ستختفي الحروب؟». وتقول الجملة الاولى في هذا العمل: «بتاريخ 11 سبتمبر 2001 تلقّى العالم بأسره صدمة نادراً ما كان قد تلقى مثلها. لقد قام ارهابيون بالاستيلاء على طائرات مدنية ثم قاموا بتحطيمها عبر توجيهها للاصطدام مباشرة في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك مما أدى الى تدميرهما بشكل كامل بينما ارتطمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الامريكية ـ البنتاجون.. وقد عرف فيما بعد سريعاً بأن طائرة رابعة كان يفترض ان تتحطم على البيت الأبيض لو لم يتمرد ركابها مما ادى الى سقوطها في بنسلفانيا». هذه الجملة تؤشر على مدى الاهمية التي يوليها مؤلف هذا الكتاب على التاريخ ـ المفصل الذي شكلته تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة الامريكية. ان رهانات كبيرة وكثيرة تجعل من هذا التاريخ بمثابة منعطف، اذ هناك «ما قبله» و«ما بعده». وتتعلق هذه الرهانات بمدى الدهشة التي أثارتها الاحداث وتدميرها لرمز القوة الاقتصادية الامريكية.. بل والقوة الاقتصادية العالمية.. وأيضا رمز القوة العسكرية الامريكية وحيث ان هذه القوة العظمى الوحيدة في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة كانت تبدو، لاسيما وانها تقوم بـ 40% من الانفاق العسكري العالمي، وكأنها بمنجاة من اي تهديد.. فللمرة الاولى منذ عام 1812 يتم الهجوم على امريكا وبأراضيها.. ويضاف لهذا كله واقع ان العالم كله قد عاش احداث 11 سبتمبر 2001 مباشرة على شاشات التلفزة. وبناء على هذا فقد بدأ عدد من المعلقين بالحديث عن «تصادم الحضارات» ولوحوا بامكانية نشوب حرب عالمية ثالثة. ان تاريخ الانسانية يختلط الى حد كبير مع تاريخ الحرب، هذا ما يؤكده باسكال بونيفاس بأشكال مختلفة على مدى تحليلاته، ذلك ان تاريخ الانسانية بالواقع هو «متتالية، لا تنتهي من فترات الحرب والسلم في هذه المنطقة او تلك من العالم.. هذا بالاضافة الى نزاعين كونيين، حتى الان، تمثلا في الحربين العالميتين الاولى 1914 ـ 1918 والثانية 1939 ـ 1945. واذا كان قد جرى الحديث كثيراً وطويلاً عن آمال ان يعيش البشر بسلام ووئام بعيداً عن الحرب وآلامها وخرابها، فإن الواقع اظهر أن تلك الآمال لم تكن اكثر من مجرد اوهام كذبها «الواقع». ان المؤلف يستعرض عدداً من النظريات والاطروحات حول مشاريع الانتهاء، من الحرب وسيادة سلام مستمر. وكان الفيلسوف ايمانويل كانط، قد طرح عام 1795 مشروعاً للسلام الابدي، ولم يتردد البعض خلال القرن الثامن عشر في التأكيد وتقديم النبوءات، بأن تطوير العلاقات التجارية بين الامم والدول سيؤدي الى حد وضع نهائي للحروب عبر فرض السلام عن طريق التجارة. وذلك على اساس ان التداخل الاقتصادي قد يؤدي، بل يفترض ان يؤدي الى منع اية حروب جديدة. اذ هل من المعقول محاربة ذلك الذي تم الارتباط معه بمصالح تجارية؟ يتساءل باسكال بونيفاس. مع ذلك تجدر الاشارة الى ان المانيا وبريطانيا كانت قبل عام 1914 بمثابة الشريكين الاساسيين، كل منهما بالنسبة للأخرى، وفي عام 1914 نفسه كتب «ه. ج. ويلس» يقول: «لم يكن ما هو اقل وضوحاً في مطلع القرن العشرين من السرعة التي كانت الحرب فيها قد غدت مستحيلة. وكان ذلك القول في ظل الاعتقاد بأنه من اللاعقلانية تصور امكانية نشوب حرب من وجهة نظر اقتصادية، هذا لاسيما وان حرية التجارة كانت قد جعلت من مشاريع التوسع الحدودي غير ذات فائدة، لكن هذه النزعة التفاؤلية اصطدمت سريعاً بأقسى امتحانات الواقع. فالحرب لم تندلع فحسب، وانما كانت حرباً كونية ذهب ضحيتها حوالي (9) ملايين قتيل. انها لم تكن «آخر الحروب» وانما اول الحروب العالمية، لكن وعلى الرغم من التصريح القوي الذي اطلقه هنري فورد، صاحب مصانع «فورد» الشهيرة للعربات، وبدا فيه، واثقاً جداً مما يقول، ان البشر قد بلغوا درجة من الذكاء لن يسمحوا فيها بأن تنشب اية حرب كبرى.. كان ذلك التصريح عام 1928 وللاسف اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939. حاولت القوى الكبرى بعد ذلك ان تعمل من اجل ان يسود السلام العالمي. وكانت عصبة الامم التي تم انشاؤها عام 1920 قد فشلت في ان تقوم بهذا الدور ولم ترغب الولايات المتحدة آنذاك ان تكون عضواً فيها كي لا تجد نفسها بمثابة طرف في النزاعات الاوروبية.. ولم يتم قبول الاتحاد السوفييتي الذي اقامته ثورة اكتوبر البلشيفية عام 1917، في هذه العصبة لأسباب سياسية الا بعد سنوات. ثم كانت المانيا وايطاليا، النازية والفاشية، لا تقيمان اية اهمية للمبادئ التي تنشرها عصبة الامم تلك. باختصار لم تكن تلك العصبة مؤهلة للحياة والاستمرار لانها لم تكن قادرة على تنفيذ قراراتها. وكانت الحرب العالمية الثانية مع 49 مليون قتيل لتقوم بعدها منظمة الامم المتحدة الحالية، والتي حددت اهدافها الرئيسية في الدفاع عن سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها والسلام عبر تحقيق الامن الجماعي. وكانت منظمة الامم المتحدة في الواقع بمثابة ثمرة لتحالف بلدان الديمقراطيات الغربية والاتحاد السوفييتي الشيوعي في مواجهة المشروع التوسعي النازي. بدت المنظمة الدولية عند تأسيسها وبما تمثله بنيتها، بأنها ستلعب دور الشرطي في العالم. هنا ايضاً خابت الآمال وسادت اجواء حرب باردة بين المعسكرين الغربي والشرقي بحيث شاع الحذر المتبادل وسلام الرعب في ظل انتشار الاسلحة النووية وامتلاك المعسكرين المتنافسين لها. هكذا وجدت منظمة الامم المتحدة مصابة بالشلل لان القوى الكبرى تمتلك كل منها، حق النقض الفيتو وكانت تمارسه حيث تتجه تحالفاتها ومثال «الفيتوات»، الامريكية المتكررة لصالح اسرائيل مثال واضح على ذلك. واذا كان الردع النووي قد منع قيام اية حرب مدمرة عالمية تكون موسكو او واشنطن طرفاً فيها كان هذا لا يمنع واقع نشوب العديد من النزاعات المحلية والاقليمية. هكذا شهدت فترة الحرب الباردة، نشوب 160 نزاعاً مسلحاً ذهب ضحيتها 40 مليون قتيل. ومع سقوط جدار برلين في ليلة 9/10 نوفمبر 1989، والذي كان افضل ما يرمز الى الانقسام بين الغرب والشرق، هبّت من جديد رياح التفاؤل.. ولكنها لم تستمر طويلاً اذ برزت منذ مطلع التسعينيات الازمة ثم الحرب الثانية، كانت الاولى بين العراق وايران، في الخليج حيث واجه العراق تحالفاً دولياً واسعاً وانتهت تلك الحرب بهزيمة سريعة وساحقة للعراق وبدأ للمرة الاولى بأنه قد تمت تسوية نزاع حسب قواعد الامن الجماعي. فالاتحاد السوفييتي، ورغم انه كان صديقاً للعراق، لم يستخدم حق الفيتو ضد القرار القاضي باستخدام القوة ضد العراق. لكن هل كان ذلك يعني ايجاد طريقة جديدة لتسوية النزاعات؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب. في نهاية حرب الخليج (يناير ـ مارس 1991) اعلن الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش (الاب) قيام نظام دولي جديد بحيث تستطيع الامم المتحدة بعد ان تحررت من مأزق الحرب الباردة، ان تفرض احترام حقوق الانسان على جميع الامم والدول. وقد قال بوش في احد خطبه بتاريخ 6 مارس 1991 ما يلي: «لقد عرف العالم مرتين خلال هذا القرن آلام الحرب.. وفي كل مرّة منهما كان الامل بسلام مستمر ينبثق من رعب الحرب. لكنه بدا، في المرتين ايضاً املاً بعيداً، وليس بمتناول البشر. اما اليوم فإننا نرى عالماً جديداً يولد امام عيوننا، لكن اندلاع النزاعات المسلحة في يوغسلافيا السابقة والحروب الاهلية في افريقيا. كذب حقيقة هذا العالم الجديد، كما كذّبها ايضاً واقع النزعة الاحادية الامريكية التي جعلت الولايات المتحدة قليلة الرغبة في التعاون مع البلدان الاخرى او مع المؤسسات متعددة الاطراف. هكذا، وبدلاً من الحروب التي تتعارض فيها الدول فيما بينها حلّت النزاعات بين الاثنيات والشعوب المختلفة والحروب الاهلية. ان رواندا وحدها عرفت خلال عدة اشهر فقط سقوط ما بين خمسمئة الف وثمانمئة الف قتيل «ثم تقطيع اغلبيتهم بالفؤوس» وكان تفجر الاتحاد السوفييتي السابق مصدراً لتوترات ونزاعات عديدة. اول الحروب التي يذكرها هي حرب الارهاب، ويرى المؤلف بهذا الصدد ان عملية تدمير برجي مركز التجارة العالمي واصابة البنتاجون وضعت الارهاب الدولي في مقدمة اهتمام العالم، لكن اذا كنّا قد دخلنا في مرحلة جديدة من العلاقات الدولية فإن الامر يعود قبل كل شيء الى الكشف عن امكانية المساس بالولايات المتحدة، الامر الذي كان يبدو مستبعداً فيما قبل، انه يبني مثل هذا الرأي على مقولة بسيطة وثابتة هي ان الارهاب ظاهرة قديمة، هذا واذا كانت القوى العسكرية الغربية هي بمأمن من التهديد بشن حروب ضد استقلالها او غزوها واحتلالها الا انها ليست بمنأى عن الاعمال الارهابية. وقد ثبت ان الاثر البسيكولوجي للارهاب قوياً، لاسيما في ظل هيمنة عدسات التلفزة. كما يرى المؤلف به قبل اي شيء، سلاح الفقراء او الضعفاء، اي الذين لا يستطيعون التصدي مواجهة لقوة كبرى فما يكون منهم الا ان يهاجموها على اراضيها، او يستهدفون مصالحها في العالم. وينقل المؤلف عن وزارة الخارجية الامريكية تعريفاً للارهاب اعتبره مقبولاً بشكل عام ويقول: الارهاب هو عمل عنف جرى التخطيط له مسبقاً يتم اقترافه لغايات سياسية ضد اهداف غير قتالية، مثل المدنيين او المنشآت.. الخ ـ من قبل مجموعات او عملاء سريين ويكون الهدف عامة هو التأثير على السكان. اما تعبير الارهاب الدولي فإنه يمثل الارهاب الذي ينخرط فيه مواطنو او اراضي اكثر من بلد.. واية مجموعة ارهابية هي تلك التي تمارس الارهاب الدولي. وكانت فرنسا قد قدمت عام 1991 تعريفاً للارهاب جاء فيه انه مشروع يرمي عن قصد الى تغيير المؤسسات الديمقراطية بالعنف او الى استقطاع جزء من التراب الوطني ومن سيادة الدولة، ولكن اشد ما يكتنف الارهاب الحالي هو انه لم يعد مرتبطاً بدولة او مجموعة من الدول وانما بمجموعات غير خاضعة للرقابة وتتميز بأنها جيدة التنظيم وتمتلك مهمة امكانيات مهمة، وفي اطار العولمة جرت ايضاً عولمة الارهاب وفي المحصلة النهائية يرى المؤلف ان الارهاب دائماً هو بمثابة ثمرة مرّة المذاق لطريق سياسي مسدود. بعد الارهاب يتحدث المؤلف عن حروب الحضارات حيث يبدأ بمناقشة اطروحات المفكر السياسي الامريكي صموئيل هنتنجتون في كتابه الشهير «تصادم الحضارات» ويعرف هذا الكتاب ثمانية انماط من الحضارات هي: الغربية والكونفوشيوسنية واليابانية والاسلامية والهندية والسلافية الارثوذكسية واللاتينية الامريكية والافريقية. ويرى بونيفاس ان الحضارات ثمرة للتاريخ. انها تأخذ صياغتها عبر القرون وهي تأبى الزوال، يقول: ان نهاية الصراع بين الشرق والغرب وانتصار اللبرالية في العالم الغربي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي افسح المجال امام نمط جديد من المجابهة، اي حروب الحضارات. ويميّز المؤلف بين حرب الايديولوجيات حيث كان يتساءل: «في اي جهة انت؟» وبين حرب الحضارات حيث يصبح السؤال: «من انت؟». وفي فصل حول العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي يرى ان هذه العلاقات لا تشكل كلا منسجماً، وانما هي شديدة التعقيد، وزاخرة بالتناقضات، ذلك ان الرأي العام في العالم الاسلامي، وخاصة في البلدان العربية، يعيب على الولايات المتحدة ارتباطه المتطرف باسرائيل وبأنها كانت الى جانبها في جميع الحروب مع جيرانها، وانها قدّمت لها مساعدات اقتصادية وعسكرية كبيرة، كما انها لم تقم بالضغط على الحكومة الاسرائيلية كي تعيد الاراضي المحتلة في حرب يونيو 1967.. الخ. كما ان الرأي العام العربي يأخذ على الولايات المتحدة حرصها على تطبيق العقوبات الدولية ضد العراق بينما تقوم بحماية اسرائيل التي تحتل بصورة غير شرعية الضفة الغربية وقطاع غزة. وللولايات المتحدة ايضاً علاقات متوترة مع فئة من البلدان تمت تسميتها في عقد التسعينيات بالدول المارقة. وذلك بعد ان ادّى انهيار الاتحاد السوفييتي الى فقدان امريكا لخصم على قياسها، وحيث كان السوفييت يمثلون من جهة تحدياً استراتيجياً ومن جهة اخرى تحدياً سياسياً، اخلاقياً. ان حروباً كثيرة يتعرض لها المؤلف في افق المستقبل القريب او البعيد مثل الحروب النووية، التي قد تنهي البشرية في اية حرب عالمية ثالثة. وذلك ان السلاح النووي يعني امتلاك الانسانية لموتها، كما يقول المؤلف وهناك ايضاً الحروب الكيميائية وحروب الشمال/الجنوب، والحروب الديمغرافية، وحروب الشتات، وحروب الجوع، وحروب النفط، وحيث تتمركز الاخطار في منطقتي الخليج والبحر الكاريبي، حسب رأي المؤلف، وحروب المياه، وحروب البيئة، وحرب المخدرات، وحرب الاعلام، والحروب الانفصالية، وحرب الصين/الولايات المتحدة.. وضمن هذا الاطار يتحدث المؤلف عن افق احتمال تحالف روسي ـ صيني ضد الولايات المتحدة، وحرب الصين /روسيا، والصين/اليابان، والصين/الهند، والهند/الباكستان.. ويختتم المؤلف كتابه بحربين تتعلقان بكرة القدم، والسياحة